Menu
حضارة

السودان: اختطاف ثورة!

هاني حبيب

هاجمت عدة قوى سودانية مؤخرًا، المجلس العسكري الانتقالي مهددة بالعصيان المدني وذلك بعد رده على "الوثيقة الدستورية" التي اقترحها إعلان الحرية والتغيير الذي يقود الاعتصام الشعبي أمام مقر المجلس العسكري، جاء الرد من خلال مؤتمر صحفي للناطق باسم المجلس العسكري ولم يكن من خلال اجتماع مشترك بينه وبين إعلان الحرية والتغيير، الأمر الذي اعتبر تجاوزًا للتفاهمات السابقة، والأمر هنا لا يتعلق بالشكل والتفاصيل بل بخطيئة الثورة الأولى.

في تقديري أن مجمل النقاش والحوار بين إعلان الحرية والتغيير وما يُسمى بالمجلس العسكري الانتقالي، كان نتيجة خطأ فادح تم ارتكابه من قبل المنتشين بالنصر الذي تم اثر "انقلاب" العسكر على البشير، فبعد أن قام بعض الجنود وصغار الضباط من الجيش السودان ي بحماية المتظاهرين، تم استثمار ذلك من قبل كيان رجالات الجيش بعد سقوط البشير وكأنما هم الذين حموا المتظاهرين، في حين أنهم ومن خلال وجودهم على رأس عملهم كأداة من أدوات نظام البشير حتى سقوطه، إنما يشكلون الدولة العسكرية العميقة التي أسسها البشير، وخروجهم على رئيسهم، كان بمثابة انقلاب داخلي أكثر منه دعمًا لثورة الشعب السوداني.

كان من المفترض اثر سقوط البشير عدم التعامل مع المجلس العسكري إلا باعتباره استمرارًا لنظام البشير عبر انقلاب عسكري استثمر الثورة لصالح التغطية على نواياه في تجديد النظام من خلال تغيير أشكال الأدوات عبر الأفراد والشخصيات من دون إحداث ثورة حقيقية تطيح بالنظام وأدواته العميقة المتجذرة طوال عقود ثلاثة.

لذلك فإن البحث في "التفاصيل" بين المجلس وإعلان الحرية والتغيير لن يكون مجديًا وتمنح المجلس قوة ما كان لها أن تستمر لو تم تشخيص الأمر على أن دوره مجرد عملية انقلابية في داخل النظام وليس على النظام، وأن الحل يكمن في تسليم المجلس كل الصلاحيات بشكلٍ كامل لمجلس سيادي مدني بالكامل، وأن دور المجلس كما هو الأمر في كل النظم الديمقراطية، كجزء من الحكومة المدنية والجيش في هذه الحالة يخضع لهذه الحكومة ومهامه ترسمها المصلحة الوطنية كما تراها هذه الحكومة.

ان تجاهل هذه الحقيقة، يستغله المجلس العسكري في التعاطي بلا جدية مع الثوار من جهة، وتمنحه دورًا يتنافى مع أهداف الثورة السودانية، ومع أن "تجمع المهنيين" قد أدرك هذه الحقيقة من البداية إلا أنه ما زال عاجزًا عن اقناع الأحزاب والقوى المشاركة في بيان الحرية والتغيير بها، وهنا تكمن المشكلة التي نعتقد أنها ستعود إلى سيناريوهات ستنعكس سلبًا على مستقبل الثورة السودانية.