Menu
حضارة

ماذا خلفَ اللوحات الإعلانية في ساحة السرايا بغزة؟!

فاتن لولو

لوحة إعلانية قرب مفترق السرايا بغزة- ارشيف

غزة_ خاص بوابة الهدف

ليس الغريب من لاذ إلى غير موطنه وفارق أحبابه بحثًا عن حياةٍ كريمة ليُكتب له الاكتواء بنار الغربة، بل الغريبُ هو الذي شُرّد قسرًا داخل وطنه، وتُرك يتنقّل بين شارعٍ وآخر، بحثًا عن ملجأ لأطفاله.

مواطنون يُعانون ليل نهار، من جوع وفقر ومرض، وقمعٍ وحرمان. يئنّون تحت وطأة الفساد وتربُصِ الفاسدين، لا يطلبون سوى الحد الأدنى من العيش الكريم، آملين أن تتنزّل عليهم مُعجزةٌ تُبرهن لهم، بالملموس، أنّ "في هذا الوطن حياةٌ".

عائلاتٌ، رجالٌ ونساءٌ وأطفال، لم يجدوا ما يأويهم سوى بضعة أمتارٍ من قِماشٍ، جعلوها خيامًا تسترُهم، علّقوها خلف اللوحات الإعلانية الضخمة، المنصوبة قرب مفترق السرايا وسط مدينة غزة، لتكون ملجأَهم بعدما طردهم مُؤجّرون من بيوتٍ كانوا يسكنوها، لعجزهم عن توفير المال لدفع الأجرة.

"بوابة الهدف" قابلت عددًا من هذه العائلات، ولامست ما يطفح على ملامح أفرادها وظروف عيشهم من بُؤسٍ وفقر. بالكاد تَسمعُ صوتَهم وسط ضجيج الشارع.

سمير أبو طه، أبٌ لسبعة أطفال، لم يجد مكانٍ يأويهم سوى "خيمة السرايا"، بعدما طرده صاحب المنزل الذي كان يستأجره، لعدم قدرته على دفع الأجرة. زوجتُه التي غالبتها الدموع، قهرًا على حال أطفالها- كما عبّرت- بدأت حديثها للهدف بالقول "وين الضمير؟".

وقالت الزوجة "عشرون يومًا ونحن هنا في الخيمة، وجاء شهر رمضان ولم يتغيّر حالُنا، لا نجد ما يُطفئ نار جوعنا بعد الصيام. وإذا ما وجدنا أحيانًا وجبة إفطار، من المسجد، فإننا في أحيانٍ كثيرة لا نجد السحور، لنصوم ببطونٍ خاوية".

"حتى أثاث المنزل حجزه المُؤجِّرُ، لأننا لم نستطع دفع الإيجار" أضافت أم الأطفال السبعة، وختمت الحديث بمطالبة "أصحاب الضمائر الحية والمسؤولين بأن يرأفوا بحالهم وينتشلوهم من بحر المعاناة".

على بُعد أمتارٍ قليلة، خيمةٌ أخرى، لم يختلف حالُ من فيها عن ما وجدنا عليه عائلة أبو طه، ولظروفٍ مماثلة، يقطن محمد أبو جيّاب الشارع، هو وأطفاله، منذ 8 شهورٍ.

طُردَ أبو جياب من المنزل الذي كان يستأجره، لعجزه عن سداد الأجرة، فذهب ليسكن في إحدى المقابر، مع أطفاله الأربعة، قرابة ثمانية شهورٍ، دون أن يعلم بحاله أحدٌ، وبحثًا عن ملجأ آخر، انتهى به الأمر في خيمةٍ بساحة السرايا، لتكون منزله وكل ما يملك.

يقول أبو جياب للهدف "أحد أطفالي مريض، ولا أستطيع علاجه. لا يوجد لدينا أيّ مصدر دخل، ولا مأوى آمن لأطفالي".

تقرير العائلات المشردة.jpg
الخيام التي تقطنُها العائلات التي قابلتها بوابة الهدف خلف اللوحات الإعلانية قرب ساحة السرايا

لوحاتُ ساحة السرايا، هائلة الضخامة، زاهيةُ الألوان، ذات الإعلانات المختلفة والدعايات السياسية المتقلّبة، تُبهر المارّة وتخطف أبصارهم، دون الالتفاتِ إلى ما تُخفيه هذه اللوحات من وجعٍ وفقر، وأناسٍ سرقَ البؤسُ أعمارَهم، وأطفالٍ سلب التشرّدُ والحرمانُ طفولتهم. وللمفارقة فإنّ هذه الساحة، هي ذاتها التي تطنّ بها احتفالات الأحزاب والفصائل الفلسطينية، وتضجّ بها أغنيات "الصمود" و"الانتصار"، في الكثير من المناسبات.

الشاب حافظ عباس، يقطن في خيمةٍ مجاورة، جاء هو الآخر برفقة زوجته وأطفاله الأربعة ليقطن خلف لافتات السرايا، قال "وين بدّي أروح أنا وأولادي".

وأضاف الأبُ الثلاثيني، للهدف، "كنت أعيش في منزلٍ بالإيجار، وكان أهل الخير يدفعون الأجرة، لكن في الوقت الحالي وبسبب الظروف الاقتصادية المتردية التي يشهدها قطاع غزة، لم أجد من يتبرع لي بالأجرة".

"لم أجد أمامي سوى الذهاب بأطفالي وزوجتي لمُجاورة الأموات بعد أن ضجَّ منّا الأحياء في هذه المدينة الحزينة. نعم ذهبتُ إلى المقبرة". قال الشاب عباس.

الكثير من العائلات التي شرّدها الفقر وأنهكها الدين، تقطن شوارع غزة، ومنها خيامُ السرايا، التي تمرّ فيها الدقائق وكأنّها أعوامٌ من الشقاء، ولا يجد ساكنوها من يسمع أنّاتهم أو يرأف بقلوب صغارِهم، وأقصى أمانيهم أربعةُ جدرانٍ بسقفٍ، تضع حدًا لمعاناته.

ويُعتبر الحق في السكن أحد العناصر الأساسية المُكوِنة للحقّ في مستوى معيشي لائق، ويحظى بمكانة مركزية في القانون الدولي لحقوق الإنسان، نظرًا لارتباطه بغيره من الحقوق، سيّما الحق في الصحة والتعليم والضمان الاجتماعي والحق في الخصوصية، ولارتباطه الوثيق بحقوق فئات محددة، كالأطفال والنساء وذوي الإعاقة والمشردين داخليًا. ويرتبط هذا الحق بجملة من الالتزامات التي يتوجب على الدولة الوفاء بها لحماية الحق في السكن، والتي تكون خاضعة للرصد والمساءلة.

قطاع غزة، الذي تتكالب عليه الأزمات المعيشية والسياسية، ما تنفكّ المؤسسات الحقوقية والهيئات الدولية تُحذّر من أنّه صار- أو يكاد يُصبح- مكانًا غير صالح للعيش. آخر هذه التحذيرات تضمّنها تقريرٌ نشرته صحيفة "الإندبندنت" البريطانية، الجمعة 10 مايو 2019، قالت فيه الأمم المتحدة إنّ مليون إنسان في القطاع سيعانون من الجوع، مُحذرةً من "كارثة إنسانية" وشيكة، بالتزامن مع تراجع ميزانية "الأونروا"، واقترابها من النفاد خلال شهر.