Menu
حضارة

"على نفسها جنت براقش"

علي جرادات

بداية، تجدر الإشارة إلى أن «حزب العدالة والتنمية» الحاكم في تركيا، بقيادة أردوغان، قد قفز، في عام 2002، إلى السلطة، واستمر فيها عبر صندوق الاقتراع، أي أن شرعية حكمه هي شرعية انتخابية دستورية، وبالتالي، فإن تلاعب هذا الحزب بنتائج الانتخابات المحلية الأخيرة، وفي نتائج انتخابات بلدية إسطنبول، تحديداً، سوف يكون له، في المدى البعيد، وربما المتوسط، انعكاساته السلبية التي من شأنها أن تضرب، أول ما تضرب، شرعية الحكم التي يستند إليها هذا الحزب، مصداقاً لمأثور القول: «على نفسها جنت براقش». ودع عنك ما سيقود إليه هذا التلاعب من فضْحٍ لزعيم هذا الحزب، الذي تقمص دور حامي حمى الديموقراطية في المنطقة، والمدافع عن حقوق الشعوب العربية في الديمقرطية والحريات؛ لتبرير مطامعه وتدخلاته متعددة الأشكال في شؤونها، بدءاً من العراق وسوريا، وصولاً إلى مصر وليبيا والسودان، متناسياً حقيقة «أن مَن يملك بيتاً مِن زجاج لا يستطيع أن يرجم بيوت الآخرين بالحجارة»؛ بل ومتناسياً، أيضاً، حقيقة أن ما دفع أحزاب المعارضة التركية إلى الاصطفاف إلى جانبه؛ لإفشال محاولة الانقلاب العسكري التي وقعت ضده في عام 2016، إنما هو الدفاع عن مبدأ التداول السلمي للسلطة، والحيلولة دون عودة تركيا إلى عهد الاستيلاء على السلطة؛ عبر الانقلابات العسكرية، أو عبر تزوير نتائج الانتخابات والتلاعب فيها.

وهنا، يجدر التذكير بالقول الصائب: «كل نظام يعيش مأزقه حتى ينتج حفار قبره». وأظنُّ أن هذا هو بالضبط ما يفعله رأس النظام الحاكم في تركيا، الرئيس أردوغان الذي عوضاً من أن يبحث في الأسباب الفعلية التي قادت إلى تراجع شعبية حزبه، وخسارته المدوية في مدينة إسطنبول، تحديداً، اختار اللجوء إلى التشكيك والطعن في النتائج. وحتى حين استجابت لجنة الانتخابات العامة لمطلبه؛ بإعادة الفرز، لم يحترم إعلان الأخيرة، مرة أخرى، عن فوز مرشح المعارضة؛ بل ضغط عليها، مستغلاً تحكمه بمفاصل السلطة، حتى أصدرت قرارها الغريب والمفاجئ بإعادة إجراء الانتخابات لبلدية هذه المدينة. وهو القرار الذي أثار موجة انتقادات واسعة شملت قيادات سابقة في «حزب العدالة والتنمية» نفسه. 

أما أحزاب المعارضة فلم تكتفِ بانتقاد هذا القرار، والتنديد به وإدانته، وبقبول التحدي وإعلان أنها ستخوض الانتخابات، الأمر الذي لم يتوقعه، ربما، أردوغان وأركان حزبه؛ بل ذهبت، وهنا الأهم، إلى التشكيك بنتائج الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي حصلت في العام الماضي، حين طالبت لجنة الانتخابات العامة بإعادة إجراء هذه الانتخابات التي فاز فيها «حزب العدالة والتنمية»؛ وذلك من على قاعدة، فحواها: أن «العين بالعين والسن بالسن والبادئ أظلم»، وأن «من ساوى نفسه بالآخرين ما ظَلَم». إن هذا المطلب الذي قدمه حزب الشعب الجمهوري، ودعمته بقية أحزاب المعارضة، على ما بينها من خلافات واختلافات نوعية، هو مطلب عادل ومحق. كيف لا؟ طالما أن رأس النظام هو مَن فتح باب التشكيك والطعن في نزاهة لجنة الانتخابات العامة في البلاد، بكل ما ينطوي عليه التشكيك والطعن، هنا، من ضرْبٍ لمبادئ اللعبة الديمقراطية السياسية الليبرالية، وأولها، وحجر الزاوية فيها، مبدأ التداول السلمي للسلطة، واحترام جميع الأحزاب المتنافسة للإرادة الشعبية.

وأكثر، إن تلاعب الرئيس التركي بنتائج انتخابات بلدية إسطنبول سيقود، تقدم الأمر أو تأخر، إلى أن تستقطب المطالب العادلة للمعارضة مزيداً من التعاطف الشعبي الداخلي، ومن الدعم الخارجي متعدد الجنسيات، وبالمعنييْن السياسي والشعبي. أما أن يتهم أردوغان، كرئيس لتركيا ولحزبها الحاكم، أحزاب المعارضة بالاستقواء بالتدخلات الخارجية، فبات سلاحاً مثلوماً، اتصالاً بأنه هو، أي الرئيس أردوغان، من نقل نظام الحكم في تركيا من نظام برلماني ديمقراطي ليبرالي إلى نظام رئاسي ديكتاتوري مكتمل الأركان، لا يسمح بإقصاء أحزاب المعارضة، وقمع الأقليات، والتدخل في شؤون شعوب المنطقة، فحسب؛ بل، ويتيح إقصاء المعارضين لنهجه داخل حزبه، أيضاً، الأمر الذي أسس لنشوء نظام الفرد الحاكم بأمره، أو نظام السلطان الذي يحكم رعية، ولا يقيم وزناً لمبادئ الحكم السياسي الديمقراطي الليبرالي القائم على الفصل بين السلطات، وسيادة القانون، واستقلالية القضاء، والتداول السلمي للسلطة.