Menu
حضارة

أحداث 15 مايو.. شيء من المراجعة

عبد الله السّناوي

في مراجعات ما بعد هزيمة «يونيو 1967»، التي سجلت في محاضر رسمية، إشارات لنوع الصدام المتوقع، إذا ما اختفى فجأة الرئيس «جمال عبدالناصر».
في محضر (٣) أغسطس (١٩٦٧) لاجتماع اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي، وهو كاشف أكثر من غيره لحقائق القوة وطبائع الرجال، يستلفت الانتباه مواقف ثلاثة رجال، قدر لهم أن تُطرح أسماؤهم لخلافة «عبدالناصر» بعد رحيله.
الأول «زكريا محيي الدين»، نائب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ووزير الداخلية الأسبق ومؤسس المخابرات العامة المصرية، الذي رشحه «عبدالناصر» لخلافته في خطاب التنحي.
كان الأكثر وضوحاً في طرح أفكاره.. فهو مع التحول إلى نظام سياسي مفتوح، وأن تكون الانتخابات غير موجهة.. وهو مع دور أكبر للقطاع الخاص في تحمل مسؤولية تشغيل العمالة ورفع ما تستشعره الرأسمالية الوطنية من عدم مساواة في الحقوق والواجبات.
مجمل رؤيته على يمين الخيارات الاجتماعية ل«عبدالناصر»، لكن دون صدام كبير معها، كما تدعم توجهه الجديد لتأسيس نظام مفتوح.
في ذلك المحضر انتقد «زكريا محيي الدين» الجهاز الشعبي، الذي يقوده «علي صبري» في حضوره، حيث لم تحدث به تطورات تلاحق إنجازات الجهاز الحكومي، وجرت مناقشة مقتضبة بينهما لم تستبن فيها حدود الخلافات.
والثاني «علي صبري»، أمين عام الاتحاد الاشتراكي، الذي أشرف على الخطة الخمسية الأولى بين عامي (١٩٦٢) و(١٩٦٥)، التي وصفها تقرير البنك الدولي بأنها تجربة تنمية يحتذى بها في العالم الثالث، حيث بلغ متوسط النمو (٧,‬٦%) ووصلت عوائد التنمية إلى أوسع قاعدة من المواطنين.‬ بالتكوين الفكري، فهو اشتراكي ومجمل آرائه تختلف مع «زكريا محيي الدين».
والثالث «أنور السادات» رئيس «مجلس الأمة»، الذي لم تسند إليه حتى ذلك الوقت أية مهام في الجهاز التنفيذي.
لم تبد في مداخلاته أية انتقادات لنظام الحكم لها صلة بقضية الديمقراطية، مانع في اجتماعات عديدة أي إقدام على التغيير مؤيداً على طول الخط «عبدالناصر» بغض النظر عن طبيعة نظامه، ولا أعرب عن أية توجهات اجتماعية تُعبر عن شخصية صاحبها.
تباينت وجهات نظر الرجال الثلاثة في ملف تجاوزات اللجنة العليا لتصفية الإقطاع وإجراءات الحراسات، عندما فتحه «عبدالناصر».
«زكريا محيي الدين» ركز على ما سببته من ضرر بشيء من الوضوح، و«علي صبري» اعتبر «أن الخطأ الذي حدث في لجنة تصفية الإقطاع أنها لم تراع عند التطبيق في بعض الحالات ما قررناه من مبادئ وقواعد»، و«السادات» أعاد إنتاج النظرة الأخيرة مع تحوط وحذر: «لا يمكن أن نقول إن إجراءات الحراسات كانت خاطئة، وإنما الخطأ كان فقط في بعض حالات فردية وليس في كلها».
عند الرحيل المفاجئ ل«عبدالناصر» طُرحت أسماء الرجال الثلاثة في المجال العام.
استبعد «زكريا محيي الدين» بأسرع وقت ممكن.
بعد أن استبعد «محيي الدين» بقي الرجلان الآخران. في ظروف وتوازنات معقدة تقاسم السلطة، «السادات» رئيساً و«علي صبري» نائباً.
كان ذلك مشروع صدام محتم بالنظر إلى طبيعة الرجلين. 
حان موعد الصدام في أحداث (15) مايو (1971) قبل ما يقرب من نصف قرن.
كانت اتفاقية الوحدة الثلاثية بين مصر وسوريا وليبيا في بنغازي يوم (١٧) إبريل (١٩٧١) سبب الصدام لا جوهره.
عارض «علي صبري» توقيع الاتفاقية وصارح «السادات» برأيه أثناء وجودهما معاً في بنغازي، طالبا تأجيل النقاش حولها لحين العودة للقاهرة.
في اجتماع اللجنة التنفيذية العليا يوم (٢١) إبريل باستراحة القناطر الخيرية جرت مواجهات مباشرة بين الرئيس ونائبه، وكانت الأغلبية مع النائب. بعد أربعة أيام نقل الصراع إلى مستوى أوسع في اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي، وخرجت أزمة السلطة إلى العلن.. وتلاحقت مشاهد الأزمة.
عُزل «علي صبري» من منصبه نائباً للرئيس في الأول من مايو.
دبت خلافات بين المجموعة المهيمنة على الطريقة التي يتوجب عليهم التصرف بمقتضاها.
استقر الرأي بعد وقت قصير على تقديم استقالة جماعية، أعلنت من الإذاعة يوم (١٣) مايو. كان ذلك خطأ هائلًا في إدارة الأزمة أفضى إلى اعتقالهم واتهامهم بالتآمر.
جرى وصفهم ب«مجموعة علي صبري»، لكنهم لم يبدوا حماساً للصعود ب«الرجل القوي» إلى موقع رئيس الجمهورية بعد رحيل «عبدالناصر»، وفضّلوا بصورة أو أخرى «الرجل الضعيف أنور السادات» بظن أنه يمكن التحكم فيه.
لم تكن هناك إدارة واحدة للأزمة، ولا كان هناك تجانس بين الذين ضمهم قفص واحد في المحاكمات التي جرت.
ما هو أكثر مأساوية أنه جرى ضربهم عن طريق معاونيهم وأوثق رجالهم.
تولى «ممدوح سالم» أقرب رجال أمين عام التنظيم الطليعي ووزير الداخلية «شعراوي جمعة»، السيطرة على الملف الأمني دون أي مقاومة. وتولى الفريق «محمد صادق»، رئيس هيئة الأركان حسم الموقف العسكري في مواجهة القائد العام، الفريق أول «محمد فوزي» بلا أي ممانعة. وبادر «محمد عبدالسلام الزيات» للسيطرة على وزارة الإعلام، بعد أن غادرها الوزير المستقيل «محمد فائق»، دون أن يكون معه أحد يسنده.
وتقدم اللواء «الليثي ناصف»، قائد الحرس الجمهوري لاعتقال المجموعة القيادية كلها بمن فيهم «سامي شرف»، الذي كان يأخذ منه تعليماته حتى أيام قليلة مضت.
انهار كل شيء في لحظة واحدة. لماذا؟.. وكيف؟
السؤال يدخل في طبيعة النظام، الذي لم يستطع أن يصمد لأول عاصفة هبت عليه بعد رحيل مؤسسه.