Menu
حضارة

النموذج الأساسى للممارسة السياسية العربية الراهنة والتيار الغائب!

محمد عبد الشفيع عيسى

ألا لماذا تبدو السياسة العربية هذه الأيام هكذا...؟ قد انكشفت زواياها المعتمة فإذا بها تسفر عن جسم شائه للممارسة السياسية فى الدائرتين المحلية والخارجية..؟

لماذا؛ وقد أصبح الأمر لا يقتصر على خلل فى الإدارة السياسية الاعتيادية للأشياء وللناس، إنما يتجاوزه إلى الدخول فى دوامة (حروب بالوكالة) War by proxy بين ظهرانينا، ليس فى المشرق فقط، ولكن أيضا فى وادى النيل والمغرب (ابتداء من ليبيا إلى شاطئ المحيط) لمصلحة قوى الغرب الأوروبى – الأمريكى فى التحليل الأخير..؟

وهذه الحروب بالوكالة تدور فوق ما يبدو وكأنه (أرض يباب) تقريبا (والاستعارة هى من الشاعر الإنجليزى الشهير ت.س. إليوت فى قصيدته العصماء).. هذه الأرض اليباب، ظاهريا، تمثل كلا من القلب والأطراف المستديمة فى الجسم العربى العليل. هذا القلب وهذه الأطراف المستديمة تكون فى المشرق (مشتملا على العراق ــ إضافة إلى اليمن) ووادى النيل والمغرب العربى الكبير.

فى خضم إدارة حروب الوكالة تلك، على أراضى القلب والأطراف الحية، نتساءل: لماذا جمد دوران الدم فى شرايين النظم السياسية العربية إجمالا، أو كاد؛ فإذا بالسلطة السياسية تدور فيما يشبه الحلقة المفرغة التى وصفناها فى مقام آخر؟ حلقة مفرغة، دائرة خبيثة أو شريرة vicious circle يتم تداول السلطة فى أتونها بين أيدى العسكريين والإسلاميين والليبراليين سياسيا أو اقتصاديا (بمن فيهم «الليبراليون العسكريون» التابعون للغرب على النمط الساداتى 1971... ــ أو «العسكريون الإسلاميون» على النمط السودانى بين 1989 و2019). 

هذا، بينما قد يقف «الشعب» ــ الجمهور أو «العموم» أو «الغالبية الاجتماعية الشاسعة» ــ متفرجا أو «شبه متفرج»، وتتلاعب الأيدى القوية بالجميع من خلف الستار فى صفيّن: صفّ إقليمى بعضه عربى ــ إسلامى، وبعضه الآخر غاصب دخيل، ثم صف دولى قوامه غربى – أمريكى، ومن حوله لاعبون جدد أو قدامى متنوعون.. ذلك كله مع استثناء خاص بحركات التحرر الوطنى والقومى العربى، على مثال ثورة 23 يوليو بقيادة عبدالناصر (1952ــ 1970) ونماذج قريبة منها فى بلدان عربية قليلة ولأوقات بعينها. 
***
سلطة سياسية متنقلة إذن فى مختلف بلدان الوطن العربى، تتقاذفها تلك الأيدى الموصوفة فيما قبل، وكأنها تترجم بيت الشِّعر المأخوذ مثالا على بعض الأوزان الزاهية فى بحور الشعر العربى العتيق:
كُرةٌ طُرِحتْ بصوالِجةٍ ... فتلقّفها رجلٌ رجلُ

فمن يا تُرى أولئك الرجال الذين يتقاذفون السلطات تباعا ويتلقفونها على الأرض اليباب، أرض الخصوبة الحضارية الخضراء فى الأزمنة القديمة والوسطى من عمر البشرية الكوكبى؟

ليس هنا مقام الإجابة المفصلة على السؤال، وخاصة من زاوية «فلسفة التاريخ»، وإنما قد يكون فى حيّز الممكن اليوم تقديم ما يسميه طلبة العلم بالوصف التحليلى الموجز للظاهرة السياسية.

إذْ تتقاسم «اللعبة السياسية» الراهنة فى بلداننا العربية تشكيلة رباعية الأضلاع، بصفة غالبة، وفق إشارة سابقة: العسكريون ونخبة الحكم من تيار «الليبرالية الجديدة» بصفة أساسية فى المجال الاقتصادى والليبراليين من دعاة الحريات السياسية والفكرية ولكن دون عناية واجبة بالمحتوى الاجتماعى، وأخيرا: الإسلاميون العاملون على الاستقطاب الجماهيرى بقوة التراث، فيما يسمّى «الإسلام السياسى ــ أو الحركى». هذا ما يمكن أن يعتبر بمثابة «نموذج أساسى» للممارسة السياسية العربية المعاصرة، حيث يتناوب صُنّاعه أو أضلاعه مواقع التأثير والنفوذ فى تسيير دفّة المجتمع، ويتداولون السلطة. 

غير أن من المهم الإشارة هنا إلى أن (الليبراليين دعاة الحريات ولكن بدون محتوى اجتماعى حقيقى) والذين قد يُنظر إليهم كطرف «مشاغب» فقط، حتى لو استولوا على قلوب الجماهير فى لحظات معينة، لا تتم دعوتهم، فى الغالب، للمساهمة فى السلطة، إلا كلاعب هامشى، أو مشارك على مستوى أدنى. ويتم ذلك خاصة، ربما لغرض «التخديم» على «تبييض» وجه السلطة فى أعين الجماهير، هذه السلطة التى يتحكم فيها الآخرون الثلاثة: العسكريون ونخبة الحكم والإسلاميون (أو «الإسلامويون»).

هذه ملاحظة أولى على طبيعة «مربع السلطة» أو «النموذج الأساسى» للممارسة السياسية فى البلدان العربية. أما الملاحظة الثانية فهى أن الأطراف الثلاثة الرئيسية المشار إليها: «العسكريتاريا»، إن صح التعبير، ونخبة الحكم، والتيار السياسى الإسلاموى، أو الإسلام السياسى بالمعنى الضيق أو المحدد؛ كثيرا ما تتجه إلى بناء تحالفات متغيرة لتشديد قبضة السلطة، بدفع من هذا الطرف أو ذاك. فقد يتحالف إسلاميون مع بعض من نخبة الحكم، عبر مشاركة الأوّلين، بنِسَبٍ محكومة، فى المجالس التشريعية أو النيابية (مثل حالة الأردن فى معظم الأوقات، بل وحالة مصر فى الانتخابات البرلمانية لعام 2005). 

وقد يذهب بعض من أصحاب الإسلام السياسى إلى (تقصير الطريق)، عبر القيام بانقلاب فى رأس الدولة ( مثل انقلاب 1989 فى السودان). وقد يستعين أهل الحكم بالجيش كدعامة لاستقرار السلطة، أو يستعين الحاكم، من أصول عسكرية، بالجيش أو القوات المسلحة، أحيانا، للمساعدة فى تطبيق سياسات الليبرالية الجديدة. 
***
يبقى خارج معادلة الحكم الرباعية طرفان: أحدهما طرف قوى، وثانيهما ضعيف. فأما الطرف القوى فهو «رجل الشارع» وخاصة من جيل الشباب، الذى يلجأ، إن فاض الكيْل، إلى الخروج على عصا الحاكم فى مجموعات كبيرة تصل إلى حد «المواكب المليونية» لتحدّى أهل الحكم والعسكر وربما الإسلامويين؛ جماعة أو متفرقين: (مصر أثناء ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011؛ الجزائر والسودان فى فترة فبراير ــ مايو 2019 رغم الاختلاف بين الحالات). رجل الشارع هذا، وإن شئت فقُلْ: الحشد أو الجمهور، هو القوة التى أثبتت الأحداث العربية، وخاصة خلال العقد الأخير، أنها يمكن أن تكون قادرة على تغيير الموازين، أو ربما وضع العصى فى العجلات فحسب (أو الدواليب) أو إرباك المشهد أحيانا. ولكن قد يصل الأمر إلى حدّ (قلب المائدة على رءوس الجميع) فى بعض الأحايين. 

إن رجل الشارع ذاك، الممثل للغالبية الاجتماعية الساحقة (80% من السكان أو أكثر)، هو المادة الحية للثورة الشعبية أو الانتفاضة أو الهَبّة الجماهيرية؛ هو لحمها وشحمها، سداتها ولحمتها إن شئت، قوتها ووقودها فى نفس الوقت. قد يحركه من فى الحكم أو خارج الحكم من أطراف اللعبة (عسكريا كان أو إسلامويا أو ليبرالويا متسيّسا ومثقفا)؛ أو قد يشعل غضبه تصرف أهل الحكم بسفاهة منهم وإمعان فى الفساد والعناد. ولكنه حين يرفع عقيرته أو يتحرك، لا يلوى على شىء، ولا يستطيع أحد إيقافه إلا بمقدار.

كما أن تلك نعمة، فإنها قد تتحول إلى نقمة، حين «ينفلت العيار»، و(إذا زاد الشىء عن حدّه انقلب إلى ضده) كما يقولون، حينذاك يصبح الجمهور قابلا للشحن والشحن الزائد، وتنطبق قوانين «الأعداد الغفيرة»، وقد يذهب فى اتجاهات شتّى على غير هدى، فتحدث الفوضى وتجرى «أعمال السلب والنهب» على أوسع نطاق. ويمكن أن يصبح الحشد فريسة للاتجاهات المتنافرة للعصبيّة الفرعية الضيقة، عشائرية أو قبلية أو مذهبية دينية، أو طائفية، أو «جهوية»، وحينئذ يقع التدخل الخارجى كعامل حاسم، إقليميا ودوليا، فيحدث الاقتتال الداخلى الذى يمكن أن يذهب بعدم الاستقرار كل مذهب، ناحية «الحرب الأهلية». وليس ذلك عنّا ببعيد، فقد خبرناه نحو خمس عشرة سنة فى لبنان (1973ــ 1989) ومثله فى شكل مختلف خلال «العشرية السوداء» فى الجزائر (1991ــ 2000)، وقلْ قريبا من ذلك حين وقفت سوريا على الحافة أو ما بعدها مباشرة، وقبلها العراق وخاصة بعد الغزو الأمريكى 2003، وبعدها اليمن بمعنى معين؛ وليحفظ الله ليبيا من المكروه. 

وليس كل ذلك إلا نتيجة، بصفة رئيسية، لغياب طرف آخر وأخير من معادلة السلطة، هو «التيار الوطنى – القومى التقدمى»؛ وما لم يصبح هذا هو التيار الرئيسى Main stream فى الحياة السياسية العربية، فسيظل التخبط ديْدن الجميع.

نقصد بالتيار الوطنى، ذلك المشتغل على صوْن سيادة الوطن واستقلاليته وحريته، على أن يكون (عربى المنحى، فلسطينى الهوى) أى «قوميّا»، فلا ينحدر إلى درك القطرية المقيتة أو إلى العصبية الضيقة لمجموعة أقطار معينة بذريعة الانتماء إلى إقليم فرعى أو جهة إقليمية ضمن الوطن العربى الكبير؛ كما لا يقبل المهادنة على «قضايا العرب المركزية» عبر التاريخ المعاصر، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. ثم أنّنا نقصد إلى أن يكون هذا التيار الوطنى – القومى، تقدميا فى المجالين الاقتصادى والاجتماعى، بمعنى السعى إلى التنمية الحقيقية بالتحول الهيكلى المتطور للاقتصاد، والتصنيع الجوهرى، وبالسعى الجاد إلى العدل الاجتماعى الجذرى؛ وكذا «الاستقلالية النسبية» التى تنحو إلى العمل من أجل «الاعتماد على الذات»، دون قطع الروابط مع العالم الخارجى. 

هذا «التيار الوطنى ــ القومى التقدمى» هو حامل الرسالة الحضارية الحقّة للوطن العربى، والذى بإمكانه توجيه «بوصلة» الحركة الجماهيرية ناحية «المستقبل الأمثل» الذى يستحقّه شعبنا العربى المجاهد على مدار الزمان.