Menu
حضارة

صفقة القرن: القوة فوق القانون

عبد العليم محمد

نقلًا عن الأهرام المصرية

فى تصريحاته فى معهد واشنطن لأبحاث الشرق الأوسط، أفصح جاريد كوشنر صهر الرئيس الأمريكى والمستشار بالبيت الأبيض، عن بعض معالم صفقة القرن, التى يعكف مع فريق من المؤيدين لإسرائيل على إعدادها منذ ما يقرب العامين- التى تتلخص فى الإبقاء على القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل فى أى اتفاق نهائى، وتجنب ذكر حل الدولتين على اعتبار أن هذا الحل لا يعنى شيئا واحدا للإسرائيليين والفلسطينيين، وكذلك تحسين أوضاع الفلسطينيين الاقتصادية من خلال المساعدات وتحقيق الأمن لإسرائيل.

وبطبيعة الحال ليس من الممكن الاقتصار فى تقويم هذه الصفقة وتأسيس الرفض لها، على هذه التصريحات رغم أنها تفصح عن الكثير من محتواها وتكشف مدى الخطورة التى تنطوى عليها، لأنها أولا تطيح بحل الدولتين وتعتبره معيارا قديما وفاشلا، ولأنها ثانيا تتعامل مع طموح الشعب الفلسطينى وحقوقه المشروعة كما لو كانت معروضة فى مزاد علنى للبيع والمزايدة، وثالثا لانحيازها بالكامل لأمن إسرائيل, ومع ذلك فإن هذه التصريحات لا تستوفى دلالاتها الكاملة إلا بربطها بالسياسات والمواقف الأمريكية إزاء القضية الفلسطينية، واحتلال إسرائيل للأراضى العربية والتى كشفت عنها الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحديث عن هذه الصفقة، وكذلك بالسياسة والمواقف الأمريكية على الصعيد الإقليمى التى ترتبط بتمهيد الطريق لقبول الصفقة ونزع بؤر المقاومة والرفض لها.

هذه السياسات والمواقف الأمريكية إن على الصعيد الفلسطينى أو الإقليمى، جزء لا يتجزأ من هذه الصفقة وترتبط بها ارتباطا عضويا وبنائيا وهكذا يمكن وضع موقف الولايات المتحدة من القدس والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية عليها ونقل سفارتها، وكذلك إغلاق ممثلية منظمة التحرير الفلسطينية فى نيويورك وتقليص المساعدات للأونروا وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، ووقف المساعدات المقدمة للفلسطينيين والسلطة الفلسطينية. أما على الصعيد الإقليمى والعربى فإن الولايات المتحدة الأمريكية تقوم بتهيئة الأجواء الإقليمية لقبول الصفقة وإضعاف موقف الرفض بهدف تمريرها، من ناحية أخرى فإن اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان السورية، لا ينفصل بحال من الأحوال عن التزام صفقة القرن المزمع الإعلان عنها قريبا بأمن إسرائيل.

وهكذا فإن هذه الصفقة تمر بمراحل ثلاث مترابطة أولا مرحلة الإعلان الغامض عنها والتلويح بعزم إدارة ترامب على فرض حل نهائى للصراع، وثانيتها مرحلة السياسات العملية والمواقف المرتبطة بأهدافها وتهيئة المسرح الإقليمى والعربى للتعامل الإيجابى معها والحيلولة دون رفضها، أما المرحلة الثالثة ــ الأخيرة ــ فتتمثل فى الإخراج والإعلان عنها.

يتميز تعامل الإدارة الأمريكية مع هذه الصفقة بخصائص تخول الرفض والمقاومة، فهذا التعامل يتخذ شكل الإملاء القسرى والفرض، ويستند إلى القوة سواء قوة الأمر الواقع أو ميزان القوى لمصلحة المحتل إسرائيل، كما أن التعامل مع هذه الصفقة ينفرد بغياب الطرف الأساسى الفلسطينى والعربى وأخيرا وليس آخرا الانحياز الكامل والمطلق لإسرائيل.

وبالإضافة إلى ذلك فإن أخطر الجوانب التى تتعلق بهذه الصفقة يتمثل فى ارتكازها إلى القوة وإدارة الظهر لمبادئ القانون الدولى والعلاقات الدولية، المتمثلة فى ميثاق الأمم المتحدة وقراراتها أو فى الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، والتى تمثل عصب النظام الدولى الحديث والمعاصر, خاصة حق تقرير المصير والتحرر من الاستعمار وحظر العنصرية والتمييز وعدم جواز الاستيلاء على الأراضى بالقوة والعدوان، واعتبار الاحتلال لأراضى الغير حالة مؤقتة تنتهى بانتهاء الاحتلال، ولا تبطل سيادة الشعب على أراضيه بل توقفها مؤقتا.

والحال أنه إذا كانت هذه الصفقة تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية التى تنطوى منذ نشأتها على مكون دولى واضح وأساسى، فإن آثار الصفقة تتجاوز فى تقديرى القضية الفلسطينية، حيث إنها ــ أى الصفقة ــ ترسى سابقة خطيرة فى تاريخ النظام الدولى والعلاقات الدولية والتى تتمثل فى تسوية نزاع وصراع كالصراع العربى ــ الإسرائيلى والفلسطينى ــ الإسرائيلى، وفقا للإرادة الأحادية والمنفردة لأحد الأطراف فى النزاع، دون الأخذ بعين الاعتبار مصالح الطرف الآخر واستنادا إلى معيار القوة وليس معايير القانون الدولى والعدالة الدولية.

وإذا كان من الصحيح أن الشعب الفلسطينى قيادة وشعبا وفصائل مع الظهير العربى والإسلامى هو المعنى بمقاومة هذه الصفقة ورفضها، فإن العالم برمته لن يستطيع تجاوز آثار هذه الصفقة، إذا ما تمكنت من التحقق ولن يستطيع العالم والقوى الفاعلة فيه اليوم الصمت إزاء هذه الصفقة، وإذا ما حدث ذلك فإن الطريق سوف يفتح ويمهد لتهميش قواعد ومبادئ القانون الدولى والعلاقات الدولية والتنظيم الدولى الحديث والمعاصر، ويعود المجتمع الدولى القهقرى إلى الوراء، إلى إباحة حق الفتح والغزو وفقا لمعيار القوة والضعف وشريعة الغاب حيث يعصف الأقوى بالأضعف والأكبر بالأصغر، دونما اعتبار للمعايير القانونية والأخلاقية التى توافقت الدول على احترامها، وظل انتهاك هذه القواعد والمعايير يمثل استثناء من القاعدة ومدانا وخارجا عن هذه المعايير.

فى هذا السياق، فإن الموقف الأوروبى أى موقف الساسة والدبلوماسيين الأوروبيين السابقين قد استند إلى ذلك فى موقفهم من الصفقة، حيث أجمع رموز السياسة والدبلوماسية والحقوق والحريات والمسئولون السابقون من مختلف الدول الأوروبية فى وثيقة تعزز العمل الأوروبى وصياغة صورة أكثر قوة لرفض الموقف الأمريكى، وتأكيد القيم والمعايير الأوروبية للتعامل مع القضية الفلسطينية، جمعت هذه الوثيقة الموقعة من 37 مسئولا أوروبيا من بينهم وزراء خارجية ورؤساء وزراء سابقون ومفوضون عن المفوضية الأوروبية بين المعايير الأوروبية وقواعد القانون الدولى وحل الدولتين المتوافق مع هذه المعايير.

تتجاهل الإدارة الأمريكية قدرة الشعب الفلسطينى الذى دافع عن قضيته طوال ما يفوق القرن على بلورة وصياغة استجابة بمستوى التحدى الذى سيطرح المتمثل فى هذه الصفقة المشئومة، وهو الشعب الذى فجر الانتفاضة الثانية فى مواجهة مشروع باراك- كلينتون فى عام 2000 والذى كان يفوق ما تقدمه له هذه الصفقة بيد أن هذه القدرة الفلسطينية بحاجة إلى ظهير عربى رسمى وشعبى لتعزيزها وبحاجة لضغوط دولية سياسية ودبلوماسية لتفعيل هذا الرفض وإفشال هذه الخطة وصياغة بديل آخر يحفظ للشعب الفلسطينى حقوقه غير القابلة للتصرف.