Menu
حضارة

حول راهنية الفكر الاشتراكي والعمالي

محمد صالح التومي - المعروفي

مما لاشك فيه أن كارل ماركس كمفكر عمالي واشتراكي هو مفكر طبع زمانه والأزمنة التي بعده وترك كتابات فلسفية، وحقوقية، واجتماعية، واقتصادية، شدت الانتباه وتجمع حولها الأنصار وأسس بعضهم  الأحزاب والمنظمات، وكذلك الدول باسمها أو استلهاما منها؛ ورغم سقوط تجربة الاتحاد السوفييتي- وهي تجربة لعمري عظيمة - وتحول الحزب الاشتراكي القائد بالصين الشعبية للإشراف على نظام اقتصادي يغلب عليه الطابع الليبرالي، وتصدع أو تعثر بقية التجارب التي شهدها القرن العشرون باسم الاشتراكية؛ فإن نظريات هذا المفكر ورفاقه ما زالت ملهمة للنضال وللعمل، كما للأمل في غد أفضل بالنسبة إلى الطبقات التي يتم استغلالها كما بالنسبة للأمم وللشعوب المضطهدة.

ولكن هذا لا ينفي السؤال حول مدى راهنية الأطروحات التي بسطها، أو بكل تدقيق حول السبل التي تسمح تخصيصا بالمحافظة على راهنية الأهداف التي طرحها والمتمثلة في تخليص الحياة البشرية من استغلال الإنسان لأخيه الإنسان وفي القضاء على هيمنة الشعوب على بعضها البعض، وهي أهداف سابقة له والحق يقال، ولكنه أعطاها منهجية وزخما جديدين.

من المعروف هنا أن كل منظومة فكرية سرعان ما ينحو بعض معتنقيها من غير القادرين على الفكر الخلاق إلى تحويلها إلى منظومة جامدة ودوغمائية، فيقتلون كل إمكانية لها في التفاعل مع المتغيرات التي يفرضها تطور الزمان ويقطعون عليها السبل المؤدية إلى تحيين ذاتها وإلى استيعاب الإضافات العلمية التي يمكن لها ويجب عليها استيعابها حتى لا تتحول إلى مجرد جمل وكلمات جامدة تتم تلاوتها ويقع ترديدها في هذه المناسبة أو الأخرى، فهذا ما ينطبق على كل المنظومات لا على المنظومة الماركسية وحدها.

وهنا، لعل أهم ما أنجزته الماركسية كمنظومة تجاوزت شخص صاحبها، هي جملة الأفكار التي أضافتها إلى المنهجية المتوخاة في فهم العالم، أو تلك التي يمكن اعتمادها لتغييره نحو أفضل أحواله ارتكازا على حركية الطبقة العاملة المحتجة موضوعيا على اضطهادها، وهذا هو الشق الأول الذي اهتم به كارل ماركس وفريدريك أنقلز، كما على حركية الأمم والشعوب  الثائرة  موضوعيا ضد الهيمنة المسلطة على كياناتها القومية والوطنية... وهذا هو الشق الثاني الذي اهتم به كل من  الروسي فلاديمير إيليتش لينين والصيني ماو دزي دونغ على وجه الخصوص، وذلك عند إدراكهما أن الامبريالية هي أعلى مراحل الرأسمالية.

فهل ما زالت المادية التاريخية والمادية الجدلية صالحة لفهم العالم؟

 نجيب بنعم. ولكن شرط التدقيق والتعديل في بعض جوانبها فيما يتعلق بدور البنى الفوقية إذا تكلست في الوعي أو نضجت، وأصبحت هي بدورها قوة مادية قادرة على التأثير في المجريات الواقعية ما يجعلها بمثابة جزء من البنى التحتية، وهذا ما نحن شاهدون عليه في أيامنا هذه - في سياق التكلس مثلا- من خلال انبثاق أفكار ماضوية تريد إحياء أنماط اجتماعية وأنساق اقتصادية عفا عليها الزمن، ولكنها تتعنت في محاولة فرض نفسها على مسار التاريخ مرتكبة أشنع الجرائم الإرهابية في سبيل فرض تصوراتها. وهل مازالت الطبقة العاملة هي الطبقة العاملة كما عرفناها في القرنين التاسع عشر وفي جزء كبير من القرن العشرين؟ نجيب بنعم أيضا، ولكن فيما يتعلق فقط بكونها طبقة مضطهدة ومعنية دائما موضوعيا بتغيير العالم ورفع الاضطهاد المسلط عليها، ويبقى علينا بعد ذلك أن نأخذ بعين الاعتبار مجمل التغييرات التي أدخلتها الأوليغارشية (أي الطغمة) المالية العالمية على القوى المنتجة:

 من خلال اكتشافها أولا، للشركات متعددة الجنسيات وتعمدها تجزئة مسار إنتاج مصنوعاتها جغرافيا جريا وراء أرخص قوة عمل ممكنة في هذا المكان أو الآخر، مع تقديم امتيازات للطبقة العاملة بالمراكز الرأسمالية المتقدمة من فائض نهب خيرات الشعوب والأمم  الأخرى، كما من خلال اعتمادها ثانيا، على القوة الروبوتية وتزايد لجوئها إلى الكفاءات وإلى أصحاب الاختصاصات الدقيقة،  مع تسريح جموع غفيرة من العاملين تعسفيا، لا فقط لإلحاقهم بجيش البطالين التقليدي، بل باعتبارهم أصلا وحسب "فلسفتها": " زائدين عن الحاجة".

 كما من خلال تركيزها ثالثا، على المدينة وإهمالها للريف وأهله من المزارعين مع الاعتماد على هذا الريف - فقط وبكامل الانتهازية - في حدود ما يمدها به من منتوجات يمكن تحويلها إلى مواد يقع تغيرها جينيا، فتساهم في إفساد البيئة، وفي نشر الأوبئة والأمراض، وكل ذلك جريا وراء القيمة الوحيدة التي تؤمن بها، ألا وهي قيمة الربح على حساب كل القيم الأخرى، كما تكريسا من قبلها لعبادة المال على حساب إنسانية الإنسان وقيمه النبيلة.

فهذه المتغيرات قد أنتجت ضحايا جددا لرأس المال، هم المفقرون من الطبقات الوسطى، والمهمشون من الذين تم اعتبارهم باحتقار زائدين على الحاجة، بما فيهم المتقاعدون المستهدفة حقوقهم، أو المكرهون على التقاعد، وبما فيهم كذلك المحرومون في المدن، أو في العالم الزراعي الذين لا يستطيعون توفير أبسط حاجياتهم، حيث لا مأوى ولا طعام مستمر لهم أحيانا كثيرة، فضلا عن انعدام ما يسترهم من البرد، أو يمكنهم من العلاج والتداوي عند المرض والحوادث. وهذه الجموع من الضحايا غير المؤطرين في النقابات، وفي الأحزاب الاحتجاجية التقليدية، هم الذين يتعين على الفكر الاشتراكي اليوم التفكير فيهم وفي إمكانية تأطيرهم كقوى موضوعية موجودة هي الأخرى، ومن حق أصحابها إلى جانب الكادحين والعمال افتكاك حقوقهم التي تسلبها منهم الطغمة المالية العالمية (2). وأخيرا هل ما زالت الأمم والشعوب المضطهدة هي ذاتها؟

نجيب بنعم أيضا، ولكن بعد أخذنا بعين الاعتبار للمتغيرات أيضا؛ فالرأسمالية بعد إقدامها على الاستعمار المباشر لأراضي الأمم والشعوب الأخرى نهبا لخيراتها، قد غيرت مع نجاح ثورة ديمقراطية ذات أفق اشتراكي بروسيا القيصرية وملحقاتها، وبعد تأجج حركات التحرير الوطني، غيرت قلنا، شكل استعمارها، واتجهت نحو شكل  الاستعمار الجديد غير المحتاج إلى الاحتلال، والذي يمكنه ممارسة نفس النهب بواسطة علاقات جديدة مع المستعمرات السابقة؛ ثم إن الرأسمالية الليبرالية بعد تخريبها للاتحاد السوفييتي ولما كان يسمى بالمنظومة الاشتراكية، قد اندفعت إلى تحقيق حلمها القديم والمتجدد في خلق عالم موحد على مثالها، فكانت العولمة وسياسة القطب الواحد بمؤسساتها من كل طراز والتي من ضمنها مثلا منظمة التجارة العالمية ومحاكمها، وهي المؤسسات التي يمكن- واقعيا - اعتبار حتى منظمة الأمم المتحدة وتفرعاتها من أدواتها، وهكذا تم الانطلاق نحو فرض الاتفاقيات الجائرة على الشعوب ومحاولة خصخصة المؤسسات في كل مكان، كمحاولة إخضاع الجميع إلى نظام القروض وفوائضها المجحفة التي تقف وراءه الطغمة العالمية لرأس المال المالي، وهي التي ارتأت في نطاق بسط هيمنتها أنه لا يمكنها بلوغ أهدافها دون محو كل الحواجز الجمركية التي كانت قائمة في وجه "حركة السلع والأفكار والأشخاص" ثم تفتق ذهنها على محاولة ملاشاة الدولة- الأمة والدولة عموما، فكان أن تمكنت من  ملاشاة بعض الدول فعلا ( الصومال مثالا)... ولكنها خلقت ميكانيزمات مقاومتها المتمثلة في صمود روسيا بعد استعادتها لعافيتها، والصين والهند ( البريكس) وإيرن وشمال كوريا، كدول - أمم أبت الخضوع، والمتمثلة أيضا في سوريا كدولة أبت الانكسار، وهم ما زالوا يخشون بعد إخضاع مصر وتدمير العراق أن تكون هذه الدولة هي النواة لدولة- أمة عربية ترفض الامبريالية المتصهينة وبكل شدة انبعاثها ووجودها.

وهكذا فإن إحياء أحلام البشرية في عالم متخلص من الاستغلال والهيمنة من خلال استحضار بعض المفكرين الذين ساهموا في هذا المشروع العظيم مثل كارل ماركس من واجبه إخراجنا من كل تكلس فكري ومن كل  دوغمائية، ووضعنا دائما على درب التفكير العلمي الذي يحسن التعامل مع الواقع الحي، وينبذ الكليشيهات الجامدة، ويعرف كيف يخلق الأطر الكفيلة باستيعاب كافة ضحايا الطغمة المالية العالمية من كادحين ومفقرين ومهمشين ومحرومين بالمدن وبالأرياف ومن شعوب وأمم مضطهدة.

وهنا فإن المطروح استلهاما من جهود هذا المفكر هو أن نفهم أن مقاومة العولمة التي تسعى إلى خلق عالم على مثالها، وإلى إيجاد إنسان نمطي متخلص من قيمه ومتهافت على الاستهلاك، وخاضع للمسارات التي تفرضها عليه الطغمة المالية العالمية، مهما كانت تلك المسارات هي التهميش والحرمان وعدم الاعتراف بإنسانيته، لا يمكن أن تتم تحت شعار العولمة، أو العولمة البديلة، بل فقط تحت شعار الأممية بما هي النقيضة حقا للعولمة الرأسمالية، وبما هي أيضا نداء متواصل لإنجاز عالم خالٍ من استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، ولا مجال فيه لعلاقات هيمنة بين الأمم والشعوب. فحبذا انبعاث هذه الأممية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1/ خضعت هذه الكلمة المرتجلة بعد فقدان تسجيلها إلى إعادة كتابة مضامينها من الذاكرة.

2/ هذه المعاني قيلت في ربيع 2018 أي  قبل انطلاق حراك السترات الصفراء بباريس في خريف 2018.

  • كلمة ألقيت في الندوة المخصصة لإحياء المئوية الثانية للمفكر الأممي كارل ماركس (تونس).