Menu
حضارة

الكتاب الفلسطيني الأخضر

نبيل سالم

في خطوة غير مسبوقة في التاريخ النضالي الفلسطيني، المُعَمَّد بدماء الشهداء، ودموع الثكالى، وأنين المعذبين والأسرى، وآلام مئات آلاف الجرحى، من أبناء الشعب الفلسطيني، أطلقت وزارة التربية والتعليم في الضفة الغربية المحتلة كُتيب «قدوتنا رئيسنا» الذي يتضمن اقتباسات من كتب الرئيس محمود عباس ، ضمن مبادرةٍ بعنوان «لأجل فلسطين نتعلم».
واللافت أن الترويج لهذه المبادرة والكتاب الذي سيدرس للطلبة، هو بحجة أن الهدف منه «إبراز الهوية الوطنية وإحداث التطوير والتغيير المنشود» وفق القائمين على المبادرة.
وفي تصريح لوزير التربية مروان عورتاني، فإن الوزارة ملتزمة بطباعة هذا الكتيب وتعميمه على كافة مدارس الوطن، مضيفاً أن تدريس طلبة المدارس هذه الاقتباسات مبادرة مهمة لتنمية مهاراتهم الإبداعية لإبراز الهوية الوطنية.
أما عزام الأحمد عضو اللجنة المركزية لحركة فتح فبين، أن طباعة الكتيب جاءت بقرارٍ من الرئيس محمود عباس، على أن يتم توزيعه على كافة المؤسسات التعليمية في الوطن.
لكن هذه الخطوة غير المسبوقة، أثارت حفيظة مواقع التواصل الاجتماعي، باعتبارها تمثل سيراً على خطى الأنظمة الديكتاتورية، التي تُؤلِّه الفرد، وهي منهج لا يستقيم أبداً، ولا يتناسب والوضع الفلسطيني الخاص، في ظل خوض الشعب الفلسطيني ثورة تحرر وطني، يقدم من خلالها كل يوم المزيد من الشهداء والجرحى على مذبح حريته.
وبغض النظر عن المؤيدين لهذه الفكرة، وتبريراتهم لها، لكن السؤال المهم هنا هو: هل تمثل السياسة التي تنتهجها السلطة الفلسطينية تجسيداً لطموحات الشعب الفلسطيني المقاوم؟ وهل يقدم ذلك الكتيب إجابة مقنعة لجماهير الشعب الفلسطيني حول سياسات السلطة الفلسطينية، وعمليات التنسيق الأمني بينها وبين الاحتلال؟ ناهيك عن أسئلة أخرى كثيرة، قد تكون محرجة في هذا الإطار.
فالشعب الفلسطيني الصابر المقاوم، لا يحتاج إلى ديكتاتوريات، ولا إلى كتيبات خضراء، تخدم فهلوية مؤلفيها وأغراضهم الشخصية الضيقة، والتعليم في فلسطين، لا ينقصه مثل هذه الكتب، وإنما يحتاج إلى مبادرات ممنهجة تخدم الطموحات والأهداف الوطنية الفلسطينية، والوطن الفلسطيني السليب يحتاج إلى حركة سياسية مؤمنة بالحق الفلسطيني، قادرة على قيادة القوى الفلسطينية المقاومة، نحو تحقيق غاياتها وأهدافها في التحرر من نير الاحتلال «الإسرائيلي» البغيض، ولذلك فإن خطوة كهذه، لا تسيء إلى الشعب الفلسطيني المقاوم فقط، وإنما تسيء حتى إلى الرئيس الفلسطيني نفسه.
ولو أجيز لنا اقتباس بعض ردود الأفعال الشعبية على هذه الخطوة، لعرفنا حقيقة الموقف الشعبي منها، إذ يتساءل الكثير من المدونين والناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي، ماذا سيتعلمه طلبة فلسطين من الكتاب المذكور؟ هل سيتعلمون وصف الشهيد بالقاتل؟ أو أن التنسيق الأمني مع الاحتلال مهمة وطنية؟ إلى آخره.. من التساؤلات المحقة التي نشرها الناشطون الفلسطينيون وغيرهم.
وعلى الرغم من أن وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، أصدرت تعقيباً حول اللبس الذي حصل حول وضع كتيب «قدوتنا رئيسنا»، بأن هذا الكتيب، جاء نتاج مبادرة طلابية مدرسية في إطار مشروع «من أجل فلسطين نتعلم»، و أنه لم يكن هناك منذ إطلاق المبادرة أي توجه لدى الوزارة لاعتماد أي من نتائجها - بما فيها هذا الكتيب - كجزء من المنهاج، أو من المقررات المدرسية، فإن فكرة هذا الكتاب ومن وقف وراءه وأهدافه، معروفة أمام شعب كالشعب الفلسطيني، بوعيه الوطني والسياسي، ويعرف أيضاً أنه لا يحتاج إلى كتب خضراء أو صفراء، لتتبين له أهدافه التي حددتها بوصلة النضال الوطني المُشَرِّف على مدى أكثر من قرن من الزمن، منذ بداية المخططات الصهيونية لسرقة فلسطين، وحتى يومنا هذا.

المصدر "الخليج"