Menu
حضارة

النكبة من منظور رواية غسان كنفاني "عائد إلى حيفا"

حاتم استانبولي

الأدباء العِظام لا يكذبون! لذلك فإن لوحة الإجلاء القصري عن حيفا رسمها الشهيد غسان كنفاني في رائعته الأدبية عائد إلى حيفا، حيث كانت من أصدق اللوحات التي تحدّثت عن التآمر البريطاني على الشعب الفلسطيني، من خلال تسليم حيفا للهاغاناه، وإغلاق المسارب والطرق، وترك مسرب واحد للسكان الفلسطينيين باتجاه الميناء حيث تنتظرهم القوارب لتبحر بهم بعيدًا عن حيفا.

وفي مكانٍ آخر يصف غسان أن الاحتلال لم يقاوم، وكانت المجابهة فردية، حيث خلع بعض الرجال لباسهم الرسمي وقاتلوا المحتل، ومرّ على جثث الجنود الثلاث الذين قاتلوا وحدهم لمدة يومين في القدس وأشار غسان على لسان اليافاوي بقوله لفارس، سأشرح لك كيف سقطت يافا وكيف انسحبوا أولئك الذين جاؤوا لينجدونا!

وأشار غسان إلى أنّ بوابة المندلبوم كان يجب أن لا تفتح من الجهة الأخرى، وأن استعادة البيت تحتاج إلى حرب، حيث كررها في حواره مع مريام ام دوف، وشرحها لصفية أم خلدون، وأعادها في سياق حواره مع دوف، واستمع إليه عندما سأله لماذا لم تحاربوا لتستردّوا البيت وابنكم خلدون الذي حولوه خلال عشرون عامًا إلى دوف جندي الاحتياط.

هذه اللوحة أراد غسان أن يجمع فيها التآمر البريطاني- الصهيوني الرجعي العربي على الشعب الفلسطيني، عبر إلغاء الهوية الفلسطينية من خلال إحلال دوف مكان خلدون، ومريام وافرات كوشن مكان سعيد وصفية.

حيث وصف حالة الهجرة القسرية لسعيد وصفية في ذات الوقت الذي يأتي افرات كوشن مع زوجته مريام (العاقر)، التي تحصل على الطفل خلدون الذي كان سببًا في العدول عن فكرة العودة إلى بولونيا موطنها الأصلي.

العلاقة بين الزمان والمكان وظّفها غسان بإبداع في التغيرات التي طرأت على عائلتين؛ الأولى فلسطينية رحلت بوحشية جسدتها نسيان الأم لابنها الرضيع، والثانية لعائلة بولونية حلّت مكانها قادمة من بولونيا عبر إيطاليا من خلال وسيط بريطاني.

في سياق الحديث مع مريام ودوف، ان استعادة البيت تتطلب حرب، في إشارة إلى أن الـ67 لم تكن حربًا بل هي تكرار للنكبة، فالواقع يقول أن استعادة البيت تتطلّب انتصارًا في آية حرب.

إشارته لشرط الحرب لاستعادة البيت، هي مدخل لشرط الانتصار، وأكد ذلك في إشارته لبوابة المندلبوم، التي أشار إلى أنها يجب أن لا تفتح من الجهة الأخرى، في إشارة إلى أن ما حصل لم يكن حربًا، وأكد ذلك في إشارته إلى الجنود الثلاثة الذين قاتلوا ليومين لوحدهم، قبل أن يستشهدوا، وإلى الرجال الذين خلعوا لباسهم الرسمي وقاتلوا في إشارة إلى أن خلع اللباس الرسمي هو خلع للنظام الرسمي المسؤول عن النكبة والهزيمة.

وفي اللوحة الثانية التي سردها سعيد لزوجته صفية، عن فارس اللبدة ابن بلدة يافا، الذي أصرّ على إيقاف السائق أمام منزله في يافا ليواجه من فيه ويقول له أن هذا المنزل هو منزله، وكانت الصدمة أن من كان يسكن المنزل هو فلسطيني، وفي سياق الحديث، أراد غسان أن يوضح وبشكلٍ لا لبس فيه أن من حافظ على منزل فارس وكل ما يحتويه وخاصة صورة أخيه الشهيد بدر هي عائلة فلسطينية يافاوية، شغلت المكان عبر الزمان وحافظت عليه وعلى ما فيه وتبنت أشياءه، وسمّت ابنها باسم الشهيد بدر. في هذه اللوحة أراد غسان أن يؤكد على دور جماهير شعبنا في فلسطين 48، في الحفاظ على الهوية والمكان وكل ما يحمله من إرثٍ نضاليٍّ (في إشارة إلى تسمية ابنه بدر تيمنًا باسم الشهيد بدر)، رغم كل المعاناة التي تعرضوا لها، وهذا يشير إلى أن الشهيد غسان كان مدركًا لدور جماهيرنا الفلسطينية في 48، في الحفاظ على الهوية الفلسطينية والمكانية.

وفي إشارة إلى مكانة الشهداء ورمزيتهم ساطعة البياض عندما خلع فارس صورة أخيه من مكانها، والأثر الباهت الذي خلفته على الحائط، ناهيك عن الألم في نفوس زوجة اليافاوي وأطفاله بدر وسعد. إذ أشار إلى أن ندمه بالسماح لفارس بأخذ صورة أخيه، حيث وفي تأكيدٍ آخر، أراد غسان أن يقول من خلال كلمات اليافاوي، الذي قال لفارس إن هذا الرجل لنا، نحن عشنا معه وعاش معنا، وأخبره أنه قال لزوجته إنه كان عليكم- إن أردتم استرداده- أن تستردوا البيت ويافا ونحن، في إشارة واضحة إلى أن قدومك بهذه الحالة وإنزال الصورة وأخذها هو إهانة لبدر ولكل الشهداء الذين قاتلوا من أجل المكان في إشارة إلى البيت بكل ما يعنيه من رمزية مكانية، وليافا في إشارة إلى الوطن، ونحن في إشارة إلى الإنسان الفلسطيني الذي ترك وحيدًا في مواجهة المستعمر الاستيطاني.

في هذه اللوحة، ربط غسان بين المكان والإنسان، ولم يعطِ اسمًا لساكنِ بيت فارس اللبدة وزوجته، لتعميم الصورة الرمزية لعموم من تبقى في فلسطين، وتقصد إعطاء أسماء لأطفالهم، وخاصة لبدر، في إشارة إلى استمرارية الشخصية الوطنية المقاوِمة. وعندما أشار إلى استرداد البيت ويافا ونحن، في علاقة بين البيت والوطن والإنسان.

في اللوحة الثالثة..

عندما اختلط عليه مفهوم الوطن، وتساءل في حوارٍ مع الذات ما معنى الوطن، ودخل في صراعٍ مع الذات حول مفهوم الأبوّة والأمومة، ورضخ لمنطق العدالة الزائفة عندما طلبت منه مريام الاحتكام لرأي "دوف" أو خلدون، ووجه سخطه بوجه زوجته صفية، عندما تعاملت مع منطق مريام بدافع أمومي "ساذج"، وقال لها عن أيّ خلدون تتحدثين، لقد علّموه كيف يكون على مدى عشرين عامًا، ويومًا بيومٍ وساعةٍ بساعة. أراد غسان أن يوضح من خلال التغيير الذي طرأ على خلدون، من حيث تغيير الاسم والثقافة والديانة ووظيفته ودوره، وربط كل ذلك بالعدالة وحرية الاختيار، أن هذا تضليل وعبث واستخدام المصطلحات خارج سياقها الطبيعي.

وفي حوارٍ له أبعاد فلسفية حول الظلم وتبريراته، والأخطاء لا تبرر ارتكاب أخطاء، و"خطأ عن خطأ يفرق"، فلا يمكن اعتبار أخطاءٍ نتيجة جهلٍ وخوفٍ وقسوةٍ وإرهابٍ تبرر أخطاء واعية، مورست بوعي مستغلة ضعف وجهل وقلة حيلة وطيبة وصلت إلى حد السذاجة، عبّر عنها غسان في الوهم الذي استمر عشرين عامًا، بأن تجد صفية ابنها خلدون وهي مقتنعة أنه سيختارها إذا خُيِّر، وقبلت بالعدالة الزائفة الماكرة التي اقترحتها مريام بجعل دوف يختار.

هذا الفخّ الماكر الذي نصبته مريام لصفية.

اللوحة الرابعة..

من خلال الحوار بين دوف وسعيد، حول فكرة الإنسان، قضيةٌ قادت سعيد إلى مأزقٍ ذاتيّ عندما وجّه له دوف الأسئلة المتتالية حول عجزه وعدم محاولته العودة لاسترداد ابنه وبيته، والاكتفاء بالبكاء، هذه الأسئلة الشرعية التي طرحها خلدون في وجه أبيه سعيد، وأظهره عاجزًا، وأدخل سعيدًا في دوامةِ المفارقة بين دوف أو خلدون وبين ابنه خالد، الذي تمنى أن يكون التحقَ بالمقاومة، وندم على منعه وتهديده بالحرمان من أبوّته إذا التحق بالمقاومة.

هذا التغير الذي طرأ على سعيد، والذي أشار إلى أنه الآن أكثر إدراكًا لمعنى أن الإنسان قضية.

وفي ردّه للكرة في ملعب دوف، وجّه له سؤالًا مباشرا "وأنت تعتقد أننا سنظل نخطئ؟ وإذا كففنا ذات يومٍ عن الخطأ فما الذي يتبقى لديك؟".

هذه الاسئلة تحمل اعترافًا بالأخطاء، وواجب تصحيحها، والتي تحمل أبعادًا ثقافية وسياسية ومَسلكية!

في السياق العام، أراد غسان أن يقول أن استعادة الوطن والإنسان تحتاج إلى حربٍ، وأن فارس اللبدة أخيرًا وجد مكانه في المقاومة، وتمنى أن يعود إلى رام الله ويجد ابنه خالد قد استغل غيابه ليلتحق بالمقاومة، وأراد أن يؤكد على أن اليافاوي وزوجته هم أيضًا طرحوا سؤالًا جوهريًا حول صورة الشهيد بدر والبيت ويافا ونحن، وأن بدر يخصّنا نحن الذين حافظنا عليه من خلال حفاظنا على البيت وهو جسرُكم إلينا.

عائدٌ إلى حيفا، لوحةٌ أدبية بأبعادٍ فلسفية، وظّفت عامل الزمان والمكان ودور الإنسان من زوايا مختلفة، اختلطت وتداخلت فيها صورٌ واقعية مركبة، استطاع تفكيكها وإعادة تركيبها في إبداعية حوارية بين المتناقضات حول ناظمٍ حواريّ جامع ناظمه أن استعادة البيت ويافا وحيفا ونحن شرطُه الانتصارُ في الحرب. الحرب التي رسم ملامحَها من خلال الحوار بين سعيد ومريام وصفية ودوف وفارس واليافاوي، هذا الحوار الذي أخذ أبعادًا ثقافية وسياسية وتاريخية.