Menu
حضارة

الراحل رباح مهنّا عن قرب

محمد جميل المجدلاوي

رحيل الدكتور رباح مهنا ومع أهمية ما يمثله من خسارة تنظيمية وسياسية ولقيمة وطنية ومعنوية  لرفاقه، فهو أيضا غياب لواحد من أبرز أركان تجربة الحركة الوطنية الفلسطينية في داخل الأراضي المحتلة. أبو مروان كان حاضرا مثل كثيرين غيره في مشهد العمل السياسي والنقابي في قطاع غزة منذ السبعينات وربما قبلها، ولكن من واكب عملية انتقال مركز الثقل السياسي والجماهيري لحركة التحرر الوطني الفلسطيني من الشتات إلى الداخل في منتصف الثمانينات يعلم تماما أهمية الدور الذي اضطلع به الرجل سياسيا وتنظيميا وحتى عسكريا، وكيف أنه شكل منذ تلك اللحظة ترسا مركزيا في عملية الانتقال تلك، وفي شد عود وتصليب الحالة الوطنية والتنظيمية الوليدة في الداخل والتي بدأت تتشكل مع اندلاع الانتفاضة الأولى. 

كآلاف غيري أتيح لي شرف معرفة العم أبو مروان عن قرب، ولن أضيف شيئا جديدا لا يعلمه الناس عن مناقبه بتكرار التشديد على إخلاصه وكفاءته وشجاعته المقرونة باستعدادية عالية للتضحية والفداء، والتزامه الفولاذي بقضايا شعبه الوطنية وما يخص قيم العدالة الاجتماعية والفكر التقدمي. ولكن أنتزع هنا مساحة شخصية صغيرة لأتحدث عن كيف أن حبي وتقديري للدكتور رباح زاد في الأعوام الأخيرة.

فكشخص مهتم بتتبع سيرة الثورة الفلسطينية، كنت أستحث كل من أقابله من جيل قيادة العمل الوطني في الأرض المحتلة خلال الانتفاضة الأولى للحديث عن تجربتهم الشخصية، ومن أكثر الأشياء التي كانت تلفتني ويكبر قلبي بها هو ذكر الدكتور رباح في كل التفاصيل، لتتكشف لي استثنائية الرجل و عمق انغراسه في تربة تجربة الحركة الوطنية في الداخل، لأبتعد عن صورته في المخيال الجمعي كقائد وطني جبهاوي وأعيد رسم صورة ذهنية جديدة خاصة لأبو مروان كطبيب لامع شاب من خلفية اجتماعية ميسورة أتم تعليمه من جامعات هامة وأصاب نجاحا كبيرا في مسيرته المهنية، ولكنه آثر أن ينخرط في معمعان الثورة والنضال، ينقل الأسلحة في الثمانينات ومطلع التسعينات بسيارته الخاصة ويقود الخلايا العسكرية للجبهة الشعبية، ويشارك في قيادة الانتفاضة سياسيا وتنظيميا، يدخل المعتقلات ويخرج منها ويكون صاحب إسهام ربما هو الأكبر في وضع حجر الأساس لأبرز المؤسسات الخدمية والصحية التي عرفها القطاع في العقود الأخيرة.

محزن جدا رحيل الدكتور رباح، ولكن الرحيل هو طبيعة الأشياء، وعزائي أني عرفته وأملي أن نحافظ على سيرته كنموذج ليأتي جيل يوما ما ينتصر للمباديء التي جسدها الفقيد وينتصر بها.