Menu
حضارة

مأزق أردوغان في إسطنبول

محمد السعيد إدريس

نقلًا عن الخليج الإماراتية

يبدو أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان سيكون مطالباً بإعادة المعاني التي أوردها رائد علم الاجتماع العربي عبدالرحمن بن خلدون بخصوص صعود وهبوط الدول والإمبراطوريات، وهي ذات المعاني التي جددها عالم التاريخ الأمريكي بول كنيدي، والتي تؤكد أنه إذا تورطت الدول والإمبراطوريات في سياسة إنفاق باهظة عسكرية واقتصادية لإدارة أزمات خارجية، وإذا تفاقم تدخلها ودورها الخارجي، بما يفوق قدراتها على تمويل تلك العمليات التدخلية، فإن السقوط يكون حتمياً.

لم يستوعب الرئيس التركي على مدى السنوات الماضية تلك المعاني، وانقلب على الدور التركي التقليدي المتوازن في إدارة علاقات تركيا الإقليمية، ناهيك عن ارتباطاتها الدولية. ومنذ سعى لتجديد الحلم الإمبراطوري العثماني، وفرض تركيا قوة إقليمية ساعية للهيمنة، بدأ صدامات مع الجميع، مع القوى الإقليمية ومع القوى الدولية التي تقوم بأدوار مركزية في إدارة الشؤون الإقليمية، وزاد تورط تركيا في الصراعات والأزمات، خاصة الأزمتين السورية والليبية، وقبلهما التورط في الأزمة المصرية الناتجة عن دخول جماعة الإخوان المسلمين طرفاً مسيطراً على السلطة في مصر عقب انتفاضة عام 2011، فقد انحاز أردوغان إلى جماعة الإخوان، وتوحد مع مشروعهم، وحدث اندماج بين المشروع الإخواني لإحياء دولة الخلافة الإسلامية، وبين مشروع أردوغان «للعثمانية الجديدة»، وتبنى أردوغان المشروع الإخواني لفرض الإمبراطورية التركية في ثوب عثماني جديد، وكانت النتيجة مزدوجة، اضطراره إلى دفع نفقات باهظة لتورطاته وتدخلاته في الصراعات الإقليمية، وخسارة ولاء المواطن التركي بعد تفاقم الأزمة الاقتصادية الداخلية.

ثمن هذه السياسات دفعه أردوغان في الانتخابات البلدية التي جرت يوم الأحد (31 مارس/آذار الماضي)، إذ تعرض حزب العدالة والتنمية إلى خسائر، حيث تراجع عدد البلديات والولايات التي فاز بها الحزب عن عددها في الانتخابات السابقة. لكن الخسارة الأهم هي خسارة رئاسة البلديات الكبرى الأربع: إسطنبول (العاصمة الاقتصادية) وأنقرة (العاصمة السياسية) إضافة إلى بلديتي أزمير وأنطاليا كبرى بلديات تركيا.

خسارة حزب العدالة والتنمية لبلدية إسطنبول كانت مزدوجة، فهي خسارة لها أبعادها الرمزية والشخصية للرئيس التركي من ناحية، وهي خسارة مضاعفة، لأن مرشح حزب العدالة والتنمية الخاسر في هذه الانتخابات كان ابن علي يلدريم رئيس الوزراء التركي السابق الذي استقال من رئاسة البرلمان خصيصاً لخوض معركة رئاسة بلدية إسطنبول. كما أن لإسطنبول مكانة رمزية متفردة عند الرئيس التركي شخصياً ولمشروعه السياسي، فمن بلدية إسطنبول بدأ أردوغان عام 1994 طموحه السياسي، لذلك يقاتل أردوغان وحزبه لاستعادة رئاسة بلدية إسطنبول بالطعن في النتائج التي فاز فيها أكرم إمام أوغلو مرشح حزب الشعب الجمهوري المعارض بفارق 28 ألف صوت.

وإذا كان أردوغان وحزبه قد كسبا الطعن وأصدرت الهيئة الانتخابية العليا قرارها بإعادة الانتخابات في تلك البلدية بنفس الأشخاص، فإن هذا القرار كان «قراراً انقسامياً» بأغلبية 7 أصوات ضد 4 أصوات من الهيئة، ما يعني عدم التوافق داخل الهيئة على هذا القرار، وغياب التوافق داخل الهيئة هو انعكاس مباشر للانقسام السياسي داخل تركيا حول هذا القرار، ووجود كتلة كبيرة رافضة له تعتبره تحايلاً على النتائج التي أعلنت، لكن الأهم أن طموح أردوغان وحزبه لتجديد خوض التنافس على رئاسة بلدية إسطنبول من أجل استعادتها يعتبر مجازفة غير مأمونة النتائج والتداعيات، خصوصاً إذا تجددت خسارة حزب العدالة والتنمية لرئاسة بلدية إسطنبول، فمثل هذا الفشل سيكون بمثابة مؤشر له دلالاته بالنسبة لنتائج الانتخابات التشريعية التركية المقبلة، واحتمالات فشل حزب العدالة والتنمية في الفوز بنتائجها، خصوصاً أن الأسباب التي أدت إلى خسارة الحزب في الانتخابات البلدية مازالت قائمة ومستمرة، ومن الصعب تغييرها في أسابيع قليلة مقبلة، سواء كانت الأزمة الاقتصادية المستحكمة التي لها أسبابها الداخلية وأسبابها الخارجية، أو كانت الأزمة السياسية الناتجة عن تفاقم تسلطية الحزب واستبدادية رئاسة أردوغان، إضافة إلى حالة الانقسام والتذمر داخل حزب العدالة والتنمية الحاكم خاصة من جانب عبدالله جول رئيس تركيا السابق وأحمد داوود أوغلو رئيس حكومتها السابق، وتزايد الاتهامات للرئيس التركي داخل الحزب بالفردية والديكتاتورية، وهي كلها أسباب تحمل احتمالات فشل مرشح حزب العدالة والتنمية مجدداً في رئاسة بلدية إسطنبول، وهو فشل، إن حدث، سيكون أخطر وأسوأ مأزق وفشل يواجه رجب طيب أردوغان، لأنه سيمهد لفشل أهم قادم في الانتخابات البرلمانية بل وربما الانتخابات الرئاسية المقبلة.