Menu
حضارة

التطبيــــع مع الكيـان: سياسـة تحويـل اللا طبيعـي إلـى طبيعـي

ابو علي حسن

   ظاهرة التطبيع مع الكيان الصهيوني ليست جديدة, أو مفاجئه, بقدر ما هي صادمة جراء إقدام أنظمة عربية بمستوى من الفجاجه والوقاحة على التطبيع علانية, وصلت إلى حد الاستقبالات الرسمية, والأغاني البروتوكولية المرحبة "بالضيف الاسرائيلي" كما حصل في استقبال قابوس لرئيس وزراء الكيان الصهيوني.

     فالساحة العربية منذ سنوات وهي تشهد عمليات تطبيع مع الكيان, منها ما هو سري ومن تحت الطاولة, ومنها ما هو علني ورسمي, وتحت مسميات مختلفة سياسية واقتصادية وثقافية ورياضية واستخباراتية وتجارية, فقد مارست دول عربية عديدة التطبيع مع الكيان منذ أن فتحت اتفاقات كامب ديفيد أتوستراد "السلام مع الكيان".

   إن التطبيع بمعناه الممارس منذ عقود هو عملية "process" ممنهجة ومبرمجة وفق متطلبات كل مرحلة سياسية, تستهدف إزاحة الوطنية الفلسطينية من الوعي والوجدان العربي,  والتطبيع يعني فيما يعنيه, إقامة علاقات مع أركان الكيان الصهيوني تأخذ بعداً أكبر وأشمل من البعد السياسي والرسمي, فالاصطلاح يحمل في معناه الاعتراف بـ "اسرائيل" كدولة طبيعية بالمنطقة, لديها شعب ومجتمع ومؤسسات وجغرافيا وتاريخ... يمكن التعامل والتواصل معها... وعقد اتفاقات مختلفة مع مؤسساتها كأي دولة في العالم.

   والتطبيع بدأ سياسياً ورسمياً, وأخذ مجراه العملي على مراحل, غير أنه بدأ من قمة الهرم السياسي في أي دولة عربية، ولم يأتِ اعتباطاً، أو بمبادرة شعبية، أو شخصية، إنما هو ممارسة سياسية من رحم بيئة سياسية وثقافية تم إنشاءها وإنتاجها على مر عقود من الزمن عبر تلك الأنظمة العربية التي تريد التخلص من عبء القضية الفلسطينية. هذه البيئة التي تنمو فيها تلك الطحالب التطبيعية, وعليه فالتطبيع قرار واعي وهادف ومستوحى من ضغوط إقليمية ودولية وفق رؤية سياسية متكاملة الأهداف البعيدة المدى، ولا يمكن فهمها إلا في إطار الاستجابة لبيئة انهزامية، تلك البيئة لا تستطيع أن تفكر في كيفية الخروج من مربع الهزيمة, بقدر ما تفكر في كيفية التعايش والتسليم والتأقلم مع واقع وتداعيات الهزيمة.

    وعلى هذا الأساس فإن "التطبيع" هو حالة انكسار سياسي ووطني ثقافي أمام العدو الصهيوني، وحالة ضعف في الانتماء، وفي الرؤية الاستراتيجية لمخاطر الكيان الصهيوني، وكيفية مواجهته. هذا الضعف يفضي إلى سلوك أسهل الطرق للتحلل من عبء استحقاق الحق الفلسطيني سياسياً واقتصادياً وكفاحياً.

   إن دولة الكيان الصهيوني، هي كيان استيطاني غربي وعنصري غريب عن المنطقة في تاريخها وحضارتها وثقافتها، وحتى دينها، وهو كيان وافد من الغرب الاستعماري بقوة السلاح، ويمثل قاعدة متقدمة للغرب، وثكنة عسكرية تعمل على تهديد الحالة العربية باستمرار في سياق رؤية استعمارية لإخضاع المنطقة أو احتلال جزء منها، وتأبيد التبعية السياسية والاقتصادية.

     إن هذا التوصيف للكيان يعني فيما يعنيه أنه كيان غير طبيعي مستولد من رحم الاستعمار، وحين يقدم البعض على التطبيع معه، فهو يسعى لجعل هذا الكيان كياناً طبيعياً بالمنطقة...!! وكياناً أصيلاً ذو جذور تاريخية وله حق الوجود، وأن الصراع معه اليوم هو صراع مفتعل ولا يعبر إلا عن حالة استثنائية يجب أن تنتهي وتعود العلاقات الطبيعية معه...!!! أي أن الطبيعي هو الكيان واللا طبيعي هو الصراع معه...!!! واستطراداً فإن الحق الفلسطيني تباعاً ليس طبيعياً، وأن الفلسطينيون تكمن مشكلتهم في إيجاد حل وتسوية لهم...!!! وأن التضحيات التي قدمت على مدار سبعون عاماً من أجل الحق ليست إلا عبثاً ومجافية للوجود الطبيعي للكيان...!!! واستنزاف لمقدرات الأمة في حروب ليست منطقية أو عادلة...!!!

     إن هذا الفهم والتنظير المتواتر من بعض رجال إعلام وكتّاب ودبلوماسيون عرب، يؤشّر على مدى الخطورة التي يمثلها أصحاب ودعاة التطبيع على الوطنية الفلسطينية، وضرب القضية في الصميم، فخطورة التطبيع مع الكيان لا تنحصر في الخطر السياسي فحسب، إنما تمتد إلى طبيعة الممارسة والعلاقات المتنوعة مع الاحتلال، حيث يفرخ التطبيع السياسي تطبيعاً اقتصادياً وثقافياً وسياحياً واستخباراتياً ورياضياً، وشبكة من العلاقات المتنوعة مع الكيان ومؤسساته، وصولاً إلى قبول الشعوب العربية للكيان في الوعي والوجدان الشعبي، ويزول الحق الفلسطيني تباعاً...!!

      لم يكن ممكناً الوصول إلى هذه الحالة من الهرولة التطبيعية مع الكيان لولا علاقة الأنظمة بالكيان "واتفاقات الإذعان" من كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو، وعقد الاتفاقات والتفاهمات ورسم خطوط تماس وخطوط حمر... إلخ، ومن نافل القول أن هذا التطبيع الرسمي لم يكن ليطمئن "إسرائيل" إلى سكون الحالة العربية تجاهها، ولا يمثل لها حلاً لشرعيتها في المنطقة؛ فالأمر من وجهة نظر سياسيي واستراتيجيي الكيان، أن الحل يكمن في تغيير بنية الوعي العربي الشعبي تجاه الكيان، أي خلق حالة وعي مضادة للوعي السائد، وخلق حالة وجدان عربية قابلة بالوجود الصهيوني. فالتطبيع الشعبي والثقافي مع الكيان ومؤسساته وأفراده واقتصاده وثقافته، يمثل العامل الأهم والأكثر ضمانة من التطبيع السياسي الرسمي المهدد دائماً من الحالة الشعبية.

     وعليه فالعمل يجري على اختراق الحالة الشعبية العربية بوعيها، ووجدانها، وتفكيرها، لإحداث التحوّل البنيوي في النظرة إلى الكيان، ليس بوصفه عدواً، إنما بوصفه مكوناً من مكونات المنطقة، وهذا التحول يحتاج إلى دعاة ومنظرين ومثقفين وإعلاميين وطلائعيي تطبيع. وفي هذا السياق وضمن رؤية مبكرة، كانت فاتحة التطبيع الإعلامي قناة الجزيرة التي بادرت باستضافة "إسرائيليون" على فضائيتها، حيث تحول ظهور "الإسرائيلي" على برامجها كمشهد عادي بعد سنوات من تكرار المشاهدة ولا يثير الدهشة أو الاستغراب لدى المواطن العربي، ولاحقاً بدأ مسار التطبيع يأخذ مساراً آخر؛ إذ ظهر فريق من المثقفين والإعلاميين، وبعض من صناع الفن والمسرح والرواية على سطح المشهد التطبيعي، حيث عملوا وساهموا على قلب المفاهيم واليقينيات حول أصل الصراع ومساره، وجوهر الحق الفلسطيني في سياق رؤية مبرمجة وممنهجة لخلق بيئة ثقافية مغايرة عن الواقع العربي، والتحول التدريجي في المزاج الشعبي تجاه الكيان.

   وبالتوازي مع هذا الاختراق، كانت المناهج الدراسية لعموم المستويات التعليمية في المدارس الحكومية والخاصة عرضة للحذف والتبديل فيما يخص القضية الفلسطينية، فقد حذف كل ما يؤشر  على طبيعة الصراع مع الكيان وأصله ومساراته والحق الفلسطيني، وأزيلت من المناهج الدراسية مادة التاريخ الفلسطيني والجغرافيا والثقافة الفلسطينية، وتم العبث في الخارطة الفلسطينية، وظهرت كلمة "إسرائيل" كما لو أنها دولة طبيعية، وبديلاً عن فلسطين التاريخية، كل ذلك كان يجري في سياق حرمان الأجيال الفلسطينية والعربية من معرفة وإدراك ووعي القضية الفلسطينية، كي لا تحمل الأجيال الناشئة الإرث الوطني من الأجداد والتاريخ، وأن لا تورث الوطنية الفلسطينية التي تشكلت عبر قرون، وهذا بالمحصلة هو تحقيقاً لقول رئيسة وزراء الكيان "أين هم الفلسطينيون...الكبار يموتون والصغار ينسون..!!!".

تاريخيـــة التطبيـــع:

    بما أن التطبيع هو عملية سياسية، فإن ممارسة التطبيع وأشكاله ومضامينه، لم تأتِ فجأة من بطن المرحلة التي نعيش ما فيها من تداعيات وأحباطات، إنما هي عملية تاريخية ومحصّلة التراكمات من فعل التطبيع العربي والفلسطيني الذي تمثل في عقد "الهدن السياسية والعسكرية"، وعقد التسويات مع الكيان في محطات تاريخية مختلفة، الأمر الذي أعطاه مزيداً من القوة والعنجهية والمنعة العسكرية، فكل هدنة أو اتفاق مع الكيان كان مقدمة للتطبيع، وكل تسوية مع الاحتلال، كانت مفردة سياسية دالّة على معنى التطبيع، وكل قرار أممي التزم به العرب، ولم تلتزم به "إسرائيل" كان تطبيعاً غير مباشر مع دولة الاحتلال. وهنا فإن ظاهرة التطبيع لم تنشأ من فراغ، إنما كانت وتكونت ونضجت من رحم المراحل المختلفة، تحت الضغط "الاسرائيلي" والرؤية "الإسرائيلية" والهزائم العربية.

    إن هزيمة 1948 وما رافقها من أهداف عسكرية ورسم للحدود وعلاقات سرية بين الكيان وأنظمة عربية، مما يؤشّر على أن عملية التطبيع كانت مبكرة، وتحمل فعل الخيانة، غير أن الحالة الفلسطينية والوجدان العربي، وحداثة ضياع الحق الفلسطيني، لم يكن يسمح للأنظمة أن تقدم على فعل التطبيع علانية، فأصبع الاتهام جاهز باتهامهم بالخيانة، بل كان سيفاً مسلطاً على رقاب كل من فكر بفعل التطبيع.

    غير أن كل المطبعين الرسميين كانوا يتفلتوا مع كل هزيمة عربية أو فلسطينية من تابوهات الوعي والوجدان العربي، ويطرحوا المشاريع التي هي بالمحصّلة خطوة نحو الاعتراف والتطبيع، ومع كل اجتماع للقمم العربية أو الجامعة العربية كان الخطاب والقرار السياسي الصادر عنهما يمثل هبوطاً عما قبله من القرارات، والمخرجات السياسية كانت تهبط تدريجياً إلى دفع الفلسطيني للاعتراف والتطبيع مع الكيان.

    ومن هنا فإن التسوية بمضامينها والتطبيع كانا مساراً زمنياً وسياسياً في سياق تنازلات متدرجة ومتعددة، الهدف منها الوصول إلى طي الملف الفلسطيني بمضمونه "الحق الفلسطيني" وهنا لا يهم إن كان البعض العربي أو الفلسطيني قد وافق على المخرجات بحسن نية أو بنية ممارسة التكتيك في تعاطيه مع هذه التسويات والقرارات؛ فالأهم أن التنازلات كانت تأخذ مجراها وتتحول الى واقع موضوعي، وتمثل سيرورة التداعي نحو الاعتراف والتطبيع.

    إن اتفاق كامب ديفيد بين مصر و "إسرائيل" مثّل البلدوزر الذي شق جبل الرفض العربي للكيان، وفتح أتوستراد خلفي للوصول إلى حالة عربية وفلسطينية مفارقة للمألوف، من حالة الصراع إلى حالة السلام! وشكّلت دافعاً وحماساً لمن يريد أن يزيح عن كاهله عبء الحق الفلسطيني، وأنعشت أحلام الكثيرين من العرب لتسيير بلدوزرات جديدة على "أتوستراد السلام" فكان العدوان "الإسرائيلي" على لبنان عام 1982 استثماراً لخروج مصر من جبهات المواجهه عبر كامب ديفيد, وتلا ذلك اتفاق 17 أيار الذي قبره الشعب اللبناني وسوريا، وأعقب ذلك مبادرة الملك فهد، ثم كان التنازل الفلسطيني في طبعته المتفائلة بإقرار وثيقة الاستقلال عام 1988، وكانت مدريد وكانت أوسلو الفلسطينية. تلك المحطة التي شكّلت أخطر محطة في تاريخ الصراع مع الكيان، والتي فكّت القيد، وأحلّت المحرمات لدى العرب اللاهثين للاعتراف والتطبيع، وسلّحت هؤلاء بمقولة "لسنا ملكيين أكثر من الملك الفلسطيني"، ولم تنفذ "إسرائيل" بنداً واحداً من اتفاق أوسلو رغم تعدد وتوالي الاتفاقات اللاحقة، غير أن الفلسطيني أبقى على التطبيع بكل مكوناته من سياسي واقتصادي وأمني...إلخ، ولا يزال يشكّل دافعاً لكل مطبّع عربي.

عملية التطبيع ومشروع الشرق الأوسط الجديد:

    ما هي علاقة التطبيع وممارساته بمشروع الشرق الأوسط الجديد؟ لأول وهلة قد يبدو أن لا علاقة بين هذه وتلك! إن الإجابة على هذا السؤال تكمن في محاولة قراءة التفكير الاستراتيجي للقادة "الإسرائيليين" وخبراء السياسة الاستراتيجيين بالإدارة الأميركية و"إسرائيل" ومحاولة التأمل فيما يقولونه، أو يصرحون به في مراحل معينة، ودائماً هناك رابط بين أولوياتهم الراهنة وهدفهم الاستراتيجي.

    والشرق الأوسط كمشروع استعماري لم يغب يوماً منذ عقود من التفكير الاستراتيجي لدى الساسة الأمريكيين و"الإسرائيليين"، ولكن الأولويات تأخذهم بعيداً، دون أن تنفي العودة إلى مشروع الشرق الأوسط الجديد، وبعد أن انطوت طبعات مشروع الشرق الأوسط القديم، بدءاً من مشروع حلف بغداد عام 1955 بين العراق وإيران وتركيا وباكستان في مواجهة الشيوعية، ومحاولة ضم لبنان إليه، إلى مشروع كونداليزا رايز "الشرق الأوسط الجديد" لإدماج "اسرائيل" في المنطقة، كان لا بد أن تختلف آليات وطرائق تدشين الشرق الأوسط الجديد، بعد أن واجهت كل طبعاته الملونة الفشل الذريع؛ فالأنظمة وحدها ليست ضامنة لبقاء هكذا مشروع، والقوة وحدها ليست قادرة على دفع هذا المشروع إلى الأمام، فيكون الحل هو اللجوء إلى سحر العامل الاقتصادي كمقرر ومحفّز عبر الدعوة إلى سوق شرق أوسطية تحدث موجات من التفاعلات التجارية والعلاقات البيئية بين الأنظمة العربية ودول المنطقة ودولة الاحتلال، وهنا يصبح التطبيع الرسمي والشعبي وسيلة أخرى في تشييد الشرق الأوسط الجديد الذي يلبي الحاجة والرغبة الأمريكية الاستراتيجية، والتي تتجلى في إدماج "إسرائيل" في المنطقة كشريك ومكوّن أساسي في سوق شرق أوسطية تكون مدخلاً وبوابة الدخول إلى مشروع الشرق الأوسط الجديد.

    وعليه فالتطبيع سياسة  وليس فعل عشوائي معزول عن عالم صناعة الأحداث، فكل الاتفاقات والتفاهمات والمعاهدات تستهدف فعل التطبيع، فقد وقّعت مصر أكثر من تسعة اتفاقات مع الكيان لأجل تفعيل عملية التطبيع، منها ما يعالج مناهج التعليم الدراسية، ومنها ما يتعلق بتزويد الكيان بمياه النيل والغاز، ومنها اتفاق "كوينز" في المناطق الصناعية...إلخ، ولم تشذ الحكومات الأردنية عن القاعدة التي رسمتها كامب ديفيد في العلاقات مع الكيان، فقد فتح اتفاق وادي عربة بوابة العلاقات الاقتصادية على مصراعيها، كما قامت الحكومة بتأجير أراضي أردنية للكيان الصهيوني.

    وحين تقدم قطر والإمارات وسابقاً موريتانيا واليوم مسقط على إقامة علاقات اقتصادية واستخباراتية أو رياضية، هي في الواقع فعل تطبيعي لكنه يهدف إلى الوصول وإلى بلوغ الهدف الاستراتيجي في إقامة شرق أوسط جديد، يدمج دولة الاحتلال في المنطقة، وإسدال الستار عن "الوطن العربي الكبير من المحيط الخليج"، وهنا تتحول دولة الكيان إلى دولة طبيعية في منطقة أشمل وليس في المجال الحيوي العربي.

ولعل في قول رئيس وزراء "اسرائيل" الأسبق السيد بيريز بعد أن فرغ من توقيع اتفاق أوسلو، ما يؤشر على الهدف الاستراتيجي الأبعد من تسوية مع العرب أو الفلسطينيين، قائلاً في كتابه (الشرق الأوسط الجديد: غلب عليّ التفكير...!! أكثر من السعادة، فقد اجتزت مرحلة الاحتفال إلى الخطوة التالية، وهي: كيف يمكن بناء شرق أوسط جديد؟ فالاتفاق في أوسلو، والاحتفال في واشنطن، لم يكونا سوى العتبة التي يمكن أن نقفز من عليها إلى الأعلى والأبعد...) وكان يقصد بالأعلى والأبعد مشروعه لشرق أوسط جديد، وهو أيضاً القائل (يجب أن يكون التفاوض قبل الاعتراف) أي اعتبار التفاوض مفردة تطبيعية يجب أن نبدأ بها قبل أن تعترف بالآخر الفلسطيني!

التطبيع وعلاقته بالفكر السياسي الفلسطيني

    كما أسلفنا فإن التطبيع مع الكيان هو فعل سياسي، وليس فعل مقطوع عن الأهداف المتوخّاه، وعليه فإن تحولات الفكر السياسي الفلسطيني على أيدي النخب السياسية أو الفكرية الثقافية، لا يمكن إلا  اعتبارها استجابات لواقع عصي على الكسر، وإن الخروج منه لا يمكن إلا بتطويع الأهداف والكلمات، وممارسة التكتيك، وتسجيل الأولويات المتوهمة قبل التحرير.

    فالفكر السياسي الفلسطيني بدأ من التأكيد على عروبة فلسطين ونوعية المعركة عبر ثلاث شعارات (الوحدة الوطنية، والتعبئة  القومية، والتحرير من خلال الميثاق القومي الفلسطيني.)، إلى تعديله بالميثاق الوطني الفلسطيني في محاولة لتأكيد الوطنية الفلسطينية لم يكن إلا استجابة لمنطق ورؤية قطرية بغيضة، لا تريد أن تغرق في المحيط العربي ونتاجه السياسي والفكري. وبعد سنوات ليست بعيدة في عام 1974 تبنت م.ت.ف ما سمي بالنقاط العشر التي أقرّت في المجلس الوطني الفلسطيني والتي جوهرها إقامة سلطة فلسطينية على أي أرض يتم تحريرها. لا معنى لهذا الهدف دون أن تكون لديك أي أرض محررة، فالأصل هي رسالة إقليمية ودولية تحمل معنى التنازل والقبول بسلطة على ايّ أرض فلسطينية..!

    وكذا الأمر فإن الانتقال من أن الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين كـ استراتيجية إلى منطق أن م.ت.ف تناضل بكافة الوسائل وعلى رأسها الكفاح المسلح، هو محاولة لإفساح المجال لتسويات ومقاربات وأشكال سياسية، والتعاطي مع المجتمع الدولي ومن ثم الكيان. بيد أن كافة النقاط العشرة بعد ذلك جرى تجاوزها ونفيها، وتفسيرها بغير مضمونها الأساسي، حيث تم الاعتراف بقرار (242) ووصف الكفاح المسلح بالإرهاب، وحتى الميثاق الوطني وصف بالكادوك، وتم الاعتراف بالكيان الصهيوني بالرغم من أن البند الثالث في النقاط العشرة يمنع ذلك عبر النضال والمقاومة. ولم تقف الأمور عند هذا الحد، فقد ألغيت معظم بنود الميثاق الوطني، وتحول الفكر السياسي من فكر مقاوم إلى فكر مساوم، ومن تحرير إلى إدارة سلطة تحت الاحتلال، فكانت أوسلو ثالثة الأثافي التي حطمت كل البرامج الوطنية السابقة، ومقررات الإجماع الفلسطيني، هذا المنحى من التنازلات لم يكن سوى محطات تطبيعية مع واقع الحال، ومن ثم مع الكيان الصهيوني. إنها رسمت البدايات للوصول إلى النهايات.

ومن المفارقات الفكرية للنخب الفلسطينية أن ينبري لفيف من المثقفين والمفكرين في البحث عن رؤى سياسية مختلفة تماماً عن برامج م.ت.ف حتى وهي في انحدار عن مساراتها، من نمط الدعوات إلى دولة ثنائية القومية، أو دولة المواطنة، أو دولتين متعايشتين، أو كونفدرالية ثلاثية الأبعاد، أو كونفدرالية مع الأردن، أو فصل غزة عن الضفة...إلخ، من الإرهاصات التي ابتعدت كثيراً عن أهداف ومضامين الميثاق الوطني الفلسطيني، ومن المفارقات أيضاً أن من يتمسك بالميثاق الوطني الفلسطيني يطلق عليه "بالقوى الخشبية"، أما من عبث في كل برامج م.ت.ف وميثاقيها يطلق عليهم "قوى الاعتدال والواقعية".

    في مقابل هذه التنازلات كسياق تطبيعي مع الواقع المجافي، وبالنهاية تطبيع مع واقع الاحتلال وكيانه الغاصب كانت "إسرائيل" متمسكة بكل كلمة سياسية أطلقتها عبر المراحل السياسية التي مرت بها، ومتمسكة بثوابتها، لا للعودة إلى حدود 4 حزيران، ولا للقدس عاصمة للفلسطينيين، ولا لدولة فلسطين، ولا لوقف الاستيطان. وفي مجال التفاوض والتسوية ترسم لنفسها شعارات تتمسك بها أمام المفاوض العربي الفلسطيني، لكنها شعارات كلما تحقق التنازل العربي والفلسطيني كلما كان الشعار صاعداً إلى التمسك بالأهداف الاستراتيجية الصهيونية؛ فمن شعار "الارض مقابل السلام، ضاعت الأرض، ومن شعار السلام مقابل السلام، ضاع السلام، إلى شعار التطبيع مقابل التوقيع"، وبعد التطبيع تضيع فلسطين، وهكذا كل شيء يتحقق للاحتلال دون التزام بأي حق للفلسطيني، واليوم تصبح "صفقة العصر" هي الخطوة  الأخيرة للملف الفلسطيني، عبر التطبيع والإلزام، والقوة الأمريكية، والاستجابة العربية، فهل تنجح قوى التطبيع على طي الملف الفلسطيني؟