Menu
حضارة

سرقة أرض فلسطين من أهلها: نكبة أم مظلمة؟

محمد صالح التومي - المعروفي

من عام إلى آخر ومع حلول الخامس عشر من شهر مايو/أيار، بل ومن عقد  إلى آخر، تعود الذكرى الأليمة التي تم الاصطلاح على الإشارة إليها بذكرى "النكبة"؛ يؤلمني شخصيا هذا المصطلح لأنه ولئن كان هدفه التعبير عن المصيبة ذات الهول التي حلت حقا بكياننا الجمعي كقومية عربية ذات أرض معروفة ولسان موحد وخصائص نفسية وثقافية مميزة، فهو يَشي في بعض جوانبه باستبطاننا مسبقا لدرجة من الاستسلام ومن الهزيمة، والحال أن الحديث عن نكبة بالمفهوم الدقيق للكلمة غير جائز بالمرة مادام هناك ومنذ البدايات فعل رافض ومقاوم؛ فنحن هنا وبكل تأكيد أمام حرب مصطلحات، وهي حرب مستعرة على الدوام، وأعداؤنا يتقنونها لأنهم يعتبرونها جزءا من الحرب النفسية التي يخوضونها ضدنا، وقد يسقطوننا - بوعي منا أو بدون وعي – في أحابيلها ومطباتها ، فمن هنا يتوجب الانتباه عند استعمال المصطلحات أو صياغتها أو توليدها حتى لا نتوه في الدروب المركبة والمعقدة لأحداث الحياة.

إن ما وقع حقا يوم 15 مايو/أيار 1948 هو فقط  إعلان عن مظلمة متمثلة في قيام دولة للصهاينة تجسيدا بواسطة العنف والإرهاب والتهجير لقرار التقسيم غير المشروع ل فلسطين المتخذ قبل أشهر قليلة من ذلك وتحديدا يوم 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1947، ذلك القرار الحامل لرقم 181 والصادر عن الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة ! هو الذي يجب اعتباره مربط الفرس في حقيقة الأمر لأنه هو الذي توج بقوة "القانون الدولي" (ترى ما معنى القانون الدولي هنا !)... مرحلة كاملة من مراحل مخطط قديم وسري ومتواصل يرمي إلى سرقة فلسطين  وافتكاكها من أهلها ونهبها؛ وقد تجسم هذا المخطط عند النهاية  – ويا للعجب العجاب – على مرأى ومسمع من "الجميع" بل وبتزكية من هؤلاء "الجميع" تقريبا (1)، وذلك إذا ما وقفنا عند أسماء الدول التي شاركت من موقع متقدم في عملية اختلاس الأرض وسرقتها من أهلها ألا وهي: بريطانيا وأمريكا وفرنسا، وثلاثتها دول استعمارية معروفة، ولكنها فعلت ذلك بالتوافق التام – ويا للأسف الشديد –  مع دولة الاتحاد السوفييتي وهي دولة تعتبر سياساتها من حيث المبدأ نقيضة لسياسات تلك الدول، بل إن وقوع هذا "الأمر العجاب" لا يقف عند حدود دور الاتحاد السوفييتي وحده فيه، إذ يتعداه إلى دور أغلبية دول العالم المستقلة آنذاك والتي وافقت هي الأخرى عند التصويت على قرار التقسيم.

 والمهم أن الدول التي في المقدمة أي بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي هي التي  انتصرت آنذاك  مثلما هو معلوم في الحرب العالمية الثانية على النازية والفاشية لكنها انصاعت (ونحن نستعمل عبارة الانصياع هنا عن قصد) للدخول تحت مظلة "سيناريوهات" محكمة  نورامبارغ (2) التي رسمت "المحرقة"  أو "الشو- وا" أو "الهولوكوست" في المخيال الجماعي العالمي كما أراد أن يرسمها " القائمون على شؤون "فئة فقط من ضحايا هذه الحرب الماحقة، ونعني بهذه الفئة من الضحايا صغار اليهود في حين نعني بالقائمين على شؤونهم من يسمون أنفسهم بكبار اليهود (3) وهم الصهاينة بمعنى آخر، الذين استغلوا ما وقع لليهود الصغار (كما يسمونهم هم بأنفسهم)... من مآس لا يجب ولا يمكن نكرانها من قبل أي شخص عادل وناشد للإنصاف، فنفخوا في بعض تفاصيلها وأعملوا فيها زيادة ونقصانا حتى باتت الحرب العالمية الثانية عنوانا يكاد يكون حصريا لتلك المآسي وحدها، ومثلما حاولوا هم رسمها زيادة على ذلك في محكمة نورامبارغ بغاية إعطائها طابعا قانونيا نهائيا، والحال أن هذه الحرب الظالمة قد خلفت في الحقيقة كوارث أخرى، لعل أكثرها فظاعة – نوعيا- ما وقع في هيروشيما وناقازاكي  باليابان.

أين جرب بعض المجرمين القنبلة النووية لأول مرة في التاريخ البشري تاركين مئات الآلاف من الضحايا من الأطفال والأمهات والشيوخ والمدنيين؟  أما- كميا - فلقد كانت هذه الكوارث عديدة، ولعلها لا تحصى ولا تعد، فيكون من الظلم أن يقع حصرها في "ضحايا الهولوكوست" وحدهم.

وما دمنا في هذا النطاق، فإننا حتى إذا سلمنا بصحة رقم الستة ملايين ضحية يهودية الذي أقرته محكمة نورامبارغ، وهو رقم أصبح موضع شك، بل موضع مراجعة من قبل جمهور المؤرخين الموضوعيين ومنهم حتى بعض المؤرخين اليهود الخارجين عن الفكر الصهيوني... وذلك لأن هؤلاء المؤرخين كلهم وجدوا في هذا الرقم نزوعا نحو المبالغة والتضخيم، فأقدموا على هذه المراجعة، رغم أن هذه المراجعة تم تجريمها من قبل التشريعات الجزائية بألمانيا وفرنسا وبريطانيا، وهو تجريم غريب لأنه لا دخل مبدئيا لقانون العقوبات الجزائية في ميدان حرية البحث التاريخي والأكاديمي، وخاصة في البلدان التي ترفع عاليا يافطة حقوق الإنسان (!)

 قلنا، وحتى إذا سلمنا بصحة هذا الرقم فإنه من المعروف أن ضحايا تلك الحرب - التي تبقى أسبابها العميقة غامضة وتستحق البحث عنها بعناية – كانوا في الحقيقة بعشرات الملايين من كل شعوب الأرض التي دارت فوق أرضها رحى الحرب، ومن ضمنهم أكثر من عشرين مليونا بالاتحاد السوفييتي وحده (أي بروسيا وملحقاتها القيصرية كما تشكلت بعد الثورة البلشفية). وهؤلاء العشرون مليونا هم الذين تصدوا ببسالة نادرة كما هو معلوم للدفاع عن روسيا وعن الاتحاد السوفييتي، وهم الذين ستبقى معركة ستالينغراد (4) شاهدة أبدية على بطولاتهم وتضحياتهم؛ فلماذا لم يقع الحديث عن "هولوكوست" في شأن كل هذه  العشرات من الملايين من غير اليهود؟ أليسوا آدميين مثل غيرهم؟

إن كل بشر ولو كان فردا واحدا سقط في الحرب الكونية الجائرة يعتبر ضحية، ولا فرق بينه وبين غيره أكان يهوديا، أم مسلما، أم بوذيا، أم مسيحيا، أم  ملحدا، أم منتميا لغير ذلك من المعتقدات، وإن التفريق بين الضحايا على أساس اللون، أو المعتقد، أو المذهب الفلسفي، أو الانتماء القومي، أو القبلي، أو الإثني، لا يمكن التعامل معه إلا كعمل تشوبه لوثة العنصرية والتمييز.

فيبقى السؤال عند النهاية: لماذا ركزت محكمة "نورامبارغ" إذن على الضحايا اليهود بصورة أساسية وتجاهلت غيرهم؟

فلعله يمكن أن يكون واضحا للجميع هنا وجوابا على هذا  السؤال أن الأمر تم فقط من أجل خلق أسطورة جديدة تجبر ما يسمى بالضمير الأوروبي على  المساهمة في *سرقة أرض فلسطين* وتقديمها نهبا إلى"الصهاينة"، أي إلى كبار اليهود الذين سيحصلون عليها نيابة عن الضحايا الفعليين من صغار اليهود، تكفيرا عن الذنب الذي "ارتكب" في حق هؤلاء الصغار، من طرف النازيين. ما يعني أنه لم يرتكبه طبعا أهل فلسطين، فلماذا يدفع شعبنا بفلسطين الثمن؟

 وبطبيعة الحال فإنه لا يهم البتة في هذا السياق الأسطوري من هو الذي ارتكب ذلك الذنب تخطيطا وتنفيذا؟ أو بأي هدف خفي أو ظاهر قد يكون ارتكبه؟ فهذا ليس من مشمولات محكمة نورامبارغ التي لو كانت هيئة قضائية نزيهة ومستقلة، لكان هدفها البحث عن الحقيقة في كامل تجلياتها وعدم الاكتفاء برواية بعض "الغالبين".

ولكن هذه المحكمة كانت مفتقرة إلى عنصري الاستقلالية والنزاهة، فأصبح ما يهمها إنما هو الوصول فقط إلى الأهداف المرسومة مسبقا؛ فمن رسمها يا ترى؟ وأين وكيف رسمت؟

و هكذا فإنه حال انتهاء هذه المحكمة غير المستقلة من أعمالها في تشرين الأول 1946، تم استصدار القرار " الأممي" القاضي بالتقسيم في تشرين الثاني 1947، ثم تطبيقه على أرض الواقع بواسطة الإرهاب الفظيع يوم 15 مايو 1948، وذلك بإعلان قيام الكيان الصهيوني على حساب شعب آمن ظل يعيش  في تلك الأرض زمانه، وعليها شيد في التاريخ عمرانه، وهناك زرع  زيتونه وبرتقاله وتفاحه ورمانه، وأبدع في رحابها أدبه وأشعاره و ألحانه ، ألا وهو الشعب الكنعاني- الفلسطيني، الذي تم ظلمه بهذه الصفة ظلما تاريخيا لن يتأتى لكل الكلمات بكل لغات الدنيا حتى مجرد وصفه وبيانه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

(1) من جملة 52 دولة عضوة آنذاك ب"الأمم المتحدة" صوتت 30 دولة لفائدة قرار التقسيم  و13 دولة ضده، في حين امتنعت 9 دول فقط عن التصويت ومن ضمنها تمويها المملكة المتحدة أي بريطانيا (بوصفها كانت دولة انتداب!) لذلك نحن نحتسبها في حديثنا هنا من الدول الكبرى الموافقة.

(2) محاكمة نورامبارغ، هي من أشهر المحاكمات التي شهدها التاريخ المعاصر، عقدت أولى جلساتها بقصر العدالة بنورمبارغ بألمانيا يوم 20 نوفمبر/ تشرين الثاني 1945، وآخر جلساتها كانت يوم غرة أكتوبر 1946، واهتمت تحديدا بالفظائع النازية ضد اليهود، وكل دولة من الدول المنتصرة المشار إليها  زودت المحكمة بقاض من عندها.

(3) التقسيم بين "اليهود الكبار" و"اليهود الصغار" هو تقسيم شائع ومعتمد اصطلاحا عند مفكرين كثيرين بما فيهم مفكرون منتمون إلى الصهيونية، وقد شاع استعماله  منذ الحرب العالمية الثانية، وربما أثناءها.

(4) معركة ستالينغراد هي معركة بطولية فاصلة جرت فوق الأراضي الروسية، ودارت شارعا فشارعا وبيتا فبيتا وشهدت انتصار القوات السوفييتية، وأشارت إلى لبداية التراجع الألماني في الجبهة الشرقية، وتبددت معها أحلام ما يسمى بالرايخ الثالث.