Menu
حضارة

نفطُهم سيحرقهم!

حاتم استانبولي

خطوط نفط في الخليج - أرشيف

السؤال المُلحّ: لمصلحة مَنْ التصعيدُ التدريجيّ الذي شهده الملف الإيراني؟

منذ أن وقعت إيران اتفاقها النووي مع السداسية، والذي اعتُبِرَ انتصارًا للدبلوماسية الناعمة، كانت هنالك معارضة له من السعودية والإمارات و البحرين وإسرائيل.

بالإضافة إلى الصقور في الحزب الجمهوري، الذين قدموا ترامب كمرشح ذات مواصفات غير مألوفة، حيث كان يعلن صراحةً أنه سيدع الجميع يدفع فواتير مستحقة عليهم، إن كانوا أصدقاء أو أعداء.

لقد اتّبعَ ترامب سياسة بعيدة عن الدبلوماسية، في سابقة لم يشهدها العالم من قبل، إذ اندفع في كل الاتجاهات، على جبهة الحلفاء وجبهة الخصوم والأعداء، لإعادة صياغة العلاقات من على قاعدة المصلحة الأمريكية، تحت عنوان أمريكا أولًا.

اتّبعَ سياسة الخروج من الاتفاقات الدولية والإقليمية، فخرج من اتفاقية باريس للمناخ واتفاقية نافتا مع كندا والمكسيك والاتفاقيات التجارية مع أوروبا، وفرض رسومًا وضرائبَ على بعض السلع الأوروبية، ضاربًا بعرض الحائط اتّفاقيات التجارة الحرة.

أمّا فيما يخص الخصوم، فقسمهم إلى خصوم أقوياء اتبع معهم سياسة ناعمة وحذرة تحت عنوان العقوبات الاقتصادية تحت مبررات سياسية واقتصادية. أما الأعداء (محور الشرّ: كوريا وإيران) فقد رفع العصا الغليظة بمعنى التهديد باستخدام القوة لفرض التنازلات، وهنا كان عنوان كوريا الشمالية الذي خرج منه ترامب بخُفيّ حُنيْن، من خلال السياسة الهادئة التي اتبعتها القيادة الكورية، التي أصغت إلى النصائح الصينية والروسية، بفتح الحوار لاحتواء الاندفاعة الترامبية. ناهيك عن أن الكوريين الجنوبيين واليابانيين يدركون أن اشتعال فتيل الحرب سيدمر اقتصادياتهم وسيكون مدخلًا لسيطرة أمريكية مطلقة، لذلك لم يصفّقوا لعصا ترامب الغليظة، وسارعوا إلى التجاوب مع التموضع الجديد لكوريا الشمالية.

أما في ما يخص الشرق الأوسط، فإن السياسة الأمريكية كانت تتعاطى بوقاحة مع أصدقائها التي حولتهم الى أتباعٍ بلا أيّة قيمة، وطلبت منهم وبشكل معلن وفظّ دفعَ فواتيرَ حماية نظمهم. وأبلغتهم أن البريد المرسل لها يجب أن يمر عبر تل أبيب، التي ستصبح جزءًا من منظومة الحماية الأمنية لنظمهم.

هذا يتطلب أن تفتحَ- هذه الدول- أبوابَها لإسرائيل، أمنيًا وعسكريًا، والتدرج في السياسة ليتسنى لها الضغط من أجل احتواء الموقف الفلسطيني والأردني، لتمرير صفقة القرن عبر الإغراءات المالية.

وفي المقابل، يجب التعامل مع موقف قوى المقاوَمة المُقاوِمة لصفقة القرن، هذه القوى التي حققت تقدمًا في سورية وصمودًا في غزة و اليمن وانتصارًا في لبنان، وصنّفتها على أنها أذرع إيران في المنطقة.

ارتفاع درجة الضغط الاقتصادي على إيران والتطبيل الخليجي لدفع الصقور في الإدارة الأمريكية لتوريط ترامب بالذهاب بعيدًا إلى إعلان حربٍ على إيران؛ هذا الضغط لم يقبل به ترامب؛ خاصة وأنه يتناقض مع وعوده الانتخابية بأنه لن يرسل جنوده للتضحية بهم من أجل حماية نظمٍ ضعيفة لا تستطيع أن تدافع عن نفسها.

أما عن إيران، فقد رفعت درجة التأهب وسربت معلومات استخبارية مُضلِّلَة استفزّت الإدارة الأمريكية ودفعتها إلى التصعيد وإرسال أساطيلها وجنودها إلى منطقة الخليج، مما حدا بأطرافٍ لها مصلحة في إشعال الحرب للتصعيد عبر الاعتداء على ناقلات النفط السعودية والإماراتية والنرويجية- في حادثةٍ مشابهة لما جرى في بحر الصين واتهام فيتنام بالاعتداء على سفينة أمريكية- هذه الحادثة التي كانت سببًا في التدخل الأمريكي في فيتنام.

وهذه الحادثة جاءت لتضع التصريحات الأمريكية التي أشارت إلى أن واشنطن لن تسمح بالمساس بمصالحها أو مصالح أصدقائها على المحكّ، ولتشكل أساسًا لتوجيه فوهة المدافع إلى المدن الإيرانية، ولكن سرعان ما جاء حادثة ثانية في العمق السعودي لتشكل صفعة أخرى واختبارًا لجدّية تصريحات واشنطن، ولتؤكد أن المعركة لن تكون فقط مع ايران وإنما ستطال الإقليم الذي يعاني من حروبٍ مشتعلة تنهك مقدراته البشرية والمادية.

كان يُراد من الحادثة الأولى دفع الثور الهائج لفتح فوهات المدافع على إيران، أما الثانية فكانت لإعطاء تحذيرٍ من أن الحرب ستكون شاملة.

ولكن ما الذي حصل؟

لقد أدركت أجهزة الاستخبارات الأمريكية أن التسريبات الاستخبارية من العراق و سوريا ولبنان، التي التقطتها، كانت فخًا إيرانيًا لاستدراج الولايات المتحدة إلى منطقة الخليج، وهذا يعني رفع فواتير الدفع الخليجية، مما يثقل كاهل الخزائن الخليجية التي تعاني أصلا من عجزٍ في ميزانياتها (منها السعودية التي سجلت عجزًا قدره 7%)، ووضعت دول الخليج أمام حافة الهاوية، إذ أدركت أن مصيرها سيكون حرقًا جراء احتراق نفطها، ممّا جعلها تعيد حساباتها، ولكن بعد أن أدخلت الذئابَ إلى مدنها، التي يتوجب عليها دفع فواتيرها اليومية، إضافة الى الفواتير اليومية في حربها على اليمن.

ارتفاع درجة التصعيد إلى أعلى مستوياتها وضع العالم أجمع مصدومًا أمام صورته بعد انطلاق أول قذيفة، وما سيترتب على اقتصاديات العالم أجمع بعد ذلك.

السؤال الجوهري المطروح الآن: ما هي النتائج المترتبة على ما جرى؟ هل سيعود فريق الحرب للدفع نحو إشعالها؟ ما هي انعكاسات الحرب أو التهدئة؟

أولًا، القانون الأمريكي لا يسمح للرئيس بإعلان حالة الحرب بدون موافقة الكونغرس, مسموحٌ للرئيس الموافقة على عمليات عسكرية محدودة، على أن يبررها للكونغرس خلال 90 يومًا. وبما أن أي عمل عسكري ضد إيران ستحوله إلى حرب مفتوحة، هذا يعني أن أخذ موافقة الكونغرس المسبقة أمرًا مُلحًّا للبيت الأبيض، الذي يعلم أن الكونغرس لن يعطيه هذا التفويض.

التهدئة تعني أن فريق الحرب استنفذ كل ما في جعبته، وعلى رموزه أن يرحلوا، بما فيهم نتنياهو الذي عجز عن تشكيل حكومته. هذا دفع السعودية إلى أن تدعو إلى مؤتمرين: خليجي وعربي، للدفع باتجاه أخذ مواقف تصعيدية، وهي تعلم أن الوضع الخليجي لن يوافق على الذهاب إلى حربٍ مفتوحة مع إيران؛ خاصةً وأن حادثتيْ الفجيرة وأرامكو وضعتاهم أمام حقائق مادية، بأنهم لن يسْلَموا، وسيتحول نفطُهم إلى نقمةٍ عليهم ليحرقهم في عقر دارهم.

أمّا الوضع العربي، فهو مهترئ، ولن يخرج سوى ببيانِ تضامنٍ فارغٍ لأنظمةٍ منهكة، لا يُصرَف على الأرض، خاصة وأن الجماهير العربية أدركت عقم سياسات دول الخليج، المناهضة لتطورها والتي تستثمر في الفوضى الخلاقة في دولها.