Menu
حضارة

عقد تدغدغه أشعة الشمس

انتصار الدنان

كان الليل قد تعب من السّهر في تلك اللّيلة، وكان أصحاب الأرض قد تعبوا من الأحلام العقيمة، من الانتظار طويلًا حتى يطلع فجر نائم بين أنياب العدو المتربص بهم.

ذلك البستاني الذي حفر المعول في أيديه تراب أرضه، كان في بستانه، تغمره أشعة الشمس الدافئة، وتدغدغ خدوده ريح خفيفة باردة تمسح عن جبينه عرق العمل، حين هجموا على بلدته، وقتلوا من قتلوا فيها.

وصلت إلى مسامعه أخبار الهجوم الذي شنه العدو على بلدته، وصوت الدم الذي غطى جدران الحوائط، وعويل النساء، ودموع الأطفال، فنحوها راح راكضًا. كان صوت الرّصاص يصل أزيزه إلى مسامعه، فأدرك أن اشتباكات تدور بين رجال البلد والعدو. انتظر خارج البلدة حتى حل الليل علّ الاشتباكات تخفّ وطأتها، وتنام مجددًا. حلّ اللّيل، فتعبت البنادق من السهر، فنامت، فتسلل إلى بلدته خفية. دق باب بيته، ودخل، وانتظر مع عائلته حتى يطلع الصباح من جديد.. لم تغف عيناه اللتان ظلتا ترتجفان طيلة الوقت بانتظار طلوع الصباح، ليرى ما الذي سيحل به وعائلته.

بدأت أشعة الشمس الواهية تضرب نافذة البيت التي تطل على البحر- كان منظرها يبعث على الحياة، تلك شمس فلسطين التي لم ينسها أبو علي طيلة أيام عمره- لتسقط آخر نجمة كانت قد التمعت في السماء.

كان يحسّ وقع أقدام الصباح على أديم الأرض، وكان يصغي بانتباه لوقع طلوع الصباح، بعد أن انسحبت فلول الظلام، وتحير في الوسيلة الممكنة في الخروج من البيت، تاركًا خلفه كل ذكرى من وطن، لكن شيئًا ما حدث فجأة، فالعدو كان أسرع من الصباح. هجم على البلد وطوقها من كل مكان، وطلب من الأهالي الخروج من البلدة. إنها بلدة الشيخ.

وقف حائرًا ينظر حوله، وفوقه، وتحته، دارت به الدنيا، وتلعثمت الحركات البهلوانية التي كان يصدرها. لقد ربط الأرض بالسماء. أمسك وزوجته أولادهما، وخرجوا جميعًا فزعًا، لا يحملون غير الحزن في صدورهم.

باصات عديدة كانت تصطف على البيادر، كانت تنتظرهم لتقلهم إلى مكان ما يجهلونه، ربما إلى مكان أكثر أمنًا كما ظنوا. ركب الناس الباصات، وكانوا من بين ممن ركبوا، الخوف أعمى قلوبهم، ونسوا ابنهم الرضيع في سرير القش الذي كان ينعم فيه بنوم دافئ، ضربت الأم كفيها ببعضهما البعض، وصرخت "راح الولد".

لقد نسوه وسط ضجيج الخوف. نزلوا من الباص، واستظلوا شجرة زيتون حتى يأتيهم الفرج. عادت ابنتهم الكبرى إلى البلدة، لتبحث عن أخيها. وصلت فكانت زوجة خالها في منزلها الذي لم تتركه، طرقت بابها وطلبت منها الذهاب معها إلى البيت، لتبحث عن أخيها، هجمت على السرير، فوجدته فارغًا. كان قد ترك في سريره زجاجة الحليب التي كان ممسكًا بها يرضع فيها حب الوطن، ولعبته الصغيرة التي كانت تغني له عندما كان يضربها بيده الصغرى "موطني، موطني".

خرجت الأخت باكية، سمع العدو أصواتًا غريبة في البيت، هجموا على بيت زوجة الخال، وراحوا يبحثون عن مصدر الصوت في البيت، ولكنهم لم يجدوا أحدًا، فقد خبأت زوجة الخال الابنة في برميل الطحين، إلى أن ذهبوا، وخرجت البنت من البلدة منكسرة، بلا أخ، وبلا وطن، وبلا حب.

صار لاحقًا كيس الطحين المأوى، وزجاجة الحليب الحياة، والطفل نسي ربما أهله، وعاش حياة جديدة.

وحدها جميلة "الابنة" بعد واحد وسبعين سنة ظلت لاجئة، بعد أن مات والدها حسرة على الأرض، وماتت الأم غمًا على طفلها، وتفرق الأخوة في أصقاع الأرض.

وحدها تشبه وطنها، تسكن بيتًا صغيرًا قرب شلال، تتسمع إلى صوت الماء يتحرك ليل نهار وتتساءل "هل من أجنحة تحملني إلى وطني، لأموت هناك؟"