Menu
حضارة

محاولة فهم الظاهرة الترامبية

محمد الصياد

في محاولة لفهم ما يجري من صراع داخل بيت النخبة الأمريكية الحاكمة، وتحديداً بين جناحي الحكم: الحزب الجمهوري الذي يسيطر على منصب الرئاسة، وعلى مجلس الشيوخ بأغلبية بسيطة، والحزب الديمقراطي الذي يسيطر على مجلس النواب، أيضا بأغلبية بسيطة - ذكرنا في مقال سابق (هل الصراع داخل مؤسسة الحكم الأمريكية حقيقي؟)، أن هناك فرضية تقول إن ما يجري لا يعدو أن يكون إعادة رسم سرية لخريطة الأدوار التي تضطلع بها مختلف أجنحة المؤسسة الحاكمة التي تتقاسمها نخبة الحزبين الحاكمين الجمهوري والديمقراطي، لمقابلة مخاطر وتحديات اضمحلال القوة الاقتصادية الأمريكية، وذلك برسم عدم وجود أي شكل من أشكال الممانعة أو الاعتراض على سياسة الرئيس الابتزازية المالية الصريحة والعلنية للعالم قاطبة. وهذه فرضية صحيحة إلى حد كبير، خصوصاً وأن صراع جناحي الحكم، هو محض صراع كيدي سببه اعتقاد الديمقراطيين بأن الجمهوريين سرقوا منهم كرسي الرئاسة بطريقة غير مشروعة، وأن هذا الصراع لا يطال السياسات الاقتصادية الوطنية والخارجية وعموم العلاقات الدولية الأمريكية إلا لماماً.

لكن الموضوع، على ما نرى أعقد بعض الشيء مما هو صراع تدوير وتنعيم للزوايا (الحادة). فالجناحان المتصارعان ينتميان لنفس النخبة التي تمثل وتدير مصالح الشركات وقطاعات الأعمال ومختلف جماعات الضغط (Lobbies) الحاضرة بقوة داخل مفاصل الدولة ومؤسساتها التنفيذية والتشريعية والقضائية. بل إن غالبية أعضاء الحزبين هم أنفسهم ينتمون إلى هذا الوسط المليونيري والبليونيري. ولذا فإن الإعلام الأمريكي الموازي، يخلع وصف «البلوتوقراطية» (Plutocracy)، أي حكم الأثرياء، على طبيعة الحكم السائد حالياً في الولايات المتحدة، وهو نوع من نظام الحكم تكون فيه الطبقة الحاكمة فاحشة الثراء. 

وقد عزز الرئيس ترامب مواقع ومكانة هذه النخبة «البلوتوقراطية»، حتى اعتُبرت حكومته الأكثر ثراءً بين كل الإدارات السابقة، فهي تزخر بالمصرفيين والمديرين التنفيذيين وأقطاب الإعلام من أصحاب الملايين، حتى أنه شبههم بالرياضيين الأثرياء. وعلى الرغم من سمة تغير وجوه الحكومة الأمريكية بسرعة خلال العامين الماضيين، إلا أن وزاراتها وإداراتها مازال يهيمن عليها المليونيرات. ويمكن التثبت من ذلك من خلال استعراض سريع لثروات ثلاثة منهم فقط، على سبيل المثال لا الحصر. فثروة وزيرة التعليم بيتسي ديفوس تبلغ 1.1 مليار دولار، لكنها قالت في جلسة الاستماع إنها سوف تتنازل عن مرتبها. وثروة وزير التجارة ويلبر روس 506.5 مليون دولار. كما تبلغ ثروة وزير الخزانة ستيفن منوشن 252 مليون دولار. 

الرئيس ترامب الذي تُقدّر ثروته هو الآخر بحوالي 3.1 مليار دولار، يختلف تماماً عن كل الرؤساء الآخرين الذين سبقوه، فقد كانت مهمتهم تنحصر في السير على منوال من سبقوهم، والالتزام الحرفي بخط «المؤسسة» (الاستابلشمنت) التي يُرمز لها أحياناً بالدولة العميقة، وهي الأجهزة الحكومية التي تسيِّر فعلياً أعمال ماكينة الدولة الرسمية. وهو أعلنها صراحةً إبان حملته الانتخابية، بأنه عازم كل العزم على تغيير المؤسسة في واشنطن، أي تغيير معادلة السلطة والدولة. وهذا ما يفسر إقالته المستمرة لكل من لا يؤمن بنهجه وينفذ أفكاره وأوامره الرئاسية. هو، في هذا السياق، يعمل بهدي من الأيديولوجيات القومية اليمينية الصاعدة اليوم في المجتمعات الرأسمالية وقاعدتها الشعبية من سكان البلاد البيض الذين جرفهم التيار «الكوزموبوليتاني» (مواطن في مدن وأحياء متعددة القوميات - مواطن عالمي) الذي اجتاح مدنهم وأحياءهم وغير مجرى حياتهم واقتنص وظائفهم. الدولة العميقة، من جانبها، تقاوم بقوة غير مسبوقة محاولة الرئيس وفريقه اقتلاع مرابضها، وهي انتقلت، في عديد الحالات من الدفاع إلى الهجوم. إنما يبدو أنها خسرت أهم ورقة كانت تعول عليها وهي تقرير المحقق ميلر الذي جاء على غير توقعاتها، وإن كانت المعركة لم تُحسم بعد. وإذا ما قُيّض للرئيس النجاح في مسعاه بعد سنتين لتجديد ولايته لسنوات أربع أخرى قادمة، وإذا ما تحقق لعناصر التيار الذي يقوده، هدفهم في تغيير النخب الحاكمة في أوروبا بإيصال ممثلي أحزاب اليمين القومي إلى السلطة فيها، فإن في الوسع القول إن المرحلة الترامبية سوف تفرض بصمتها على سيرورة النظام والمواثيق والعلاقات الدولية لفترة طويلة قادمة، إلا لو خسر المعركة مع الصين.