Menu
حضارة

عروبة عن عروبة تفرق!

حاتم استانبولي

مرة أخرى يحاول البعض استخدام مصطلح العروبة للتجييش من أجل الدفاع عن مصالح أنظمة عبثت وتعبث بالمصالح الوطنية والقومية لدول المنطقة، وفي مقدمتها المصالح الوطنية للشعب الفلسطيني.

العروبة كانت شعار ناظم لحركة التحرر الوطني العربي بكل فصائلها وتياراتها، عندما كانت القضية الفلسطينية معيارًا لها، وكانت عواصم العروبة القاهرة وبغداد وصنعاء ودمشق والجزائر وبيروت وطرابلس.

برحيل الرئيس جمال عبد الناصر(أمير الفقراء)، وبغض النظر عن الملاحظات التي رافقت حكمه، لكن نستطيع أن نسجل أن ضربةً موجعةً وُجِّهت لحركة التحرر الوطني العربي وللنظام الوطني العربي وعواصمه، ونتائجها ظهرت سريعًا في اتفاقات كامب ديفيد التي كانت مدخلًا إلى التغيّر الجذريّ للمعيار الناظم لحركة التحرر الوطني العربي، وأدخلتها في تعارضٍ بين نظمها الوطنية، وتناقض مع حركة الجماهير العربية، وفتحت الباب لاختراقها تحت شعارات زائفة تهدف إلى تغييرٍ واعٍ للوعي العربي عامةً والفلسطيني خاصةً، ونجحت في توجيه ضربات موجعة لحركة التحرر الوطني الفلسطيني لتفسح المجال لتيار (المساومة التاريخية) للانقضاض والاستيلاء على القرار السياسي الفلسطيني، والذهاب إلى توقيع أوسلو، كما فتحت الباب لوادي عربة، وأصبحت منظومة (كامب وادي أوسلو) هي التحالف الجديد.

هذا فرَضَ النقيضَ لهذا التحالف، إن كان عربيًا وفلسطينيًا وإقليميًا، فكانت بيروت ودمشق وطهران وطرابلس والجزائر وبعض الفصائل الفلسطينية بالمعنى السياسي في مواجهة الرياض والقاهرة وعمان وتل أبيب.

هذا التحالف الذي عملت على بنائه دمشق لمواجهة الحصار الذي عاشته بعد توقيع اتفاقيات أوسلو ووادي عربة، بدعمٍ خليجيّ، هذا التحالف الذي حقق انتصارات، إن كان في لبنان أو فلسطين.

ولم يكن هناك إمكانية لمواجهة هذا المحور، سوى باستحضار الخلاف الشيعي- السني، ورغم أنّ عنوان معركة هذا المحور الوطني العروبي كان موجهًا نحو العدو الإسرائيلي، كان هذا الشعار في جوهره يحمل تحريضًا شعبيًا على مُوقّعِي وادي عربة وأوسلو وكامب ديفيد.

لمواجهة هذا المحور، تم التحشيد إلى خطر الهلال الشيعي، مع استغلال الموقف الإيراني الرافض للاتفاقيات والمتناقض مع وجود إسرائيل، هذا الموقف الذي شكّل صفعةً لعواصمَ تحملُ رايةَ الدين الإسلامي، إذ اعتبرت الموقفَ الإيراني من على الأرضية الإسلامية تقويضٌ لشرعيّتها الدينية. لذا استخدمت كل الأدوات والوسائل واستحضرت كل المقولات التي تغذي هذا الصراع، وفتحت المعركة السياسية والعسكرية مع هذا التحالف على الأرض السورية بعد أن فشلت محاولات العدو الإسرائيلي في إنهاء المقاومة في لبنان.

شعارُ العروبة الذي كان ينطلق من القاهرة وبغداد ودمشق وبيروت و اليمن وطرابلس، بدأ يصدح من الرياض والبحرين وقاهرة كامب ديفيد، واسُتبدِل المعيار الناظم لها، كما استُبدِل الخطرُ الإسرائيلي بالخطر الشيعيّ.

عروبة العواصم العروبية كانت تُصرَفُ بمواقفَ عمليةٍ، ودفعت نظمُها وجماهيرُها أثمانًا باهظةُ نتيجةَ هذه المواقف الوطنية التحررية.

كل المشاريع الوطنية الإستراتيجية، كالسدّ العالي ومصانع الصلب وزراعة القمح والتقدم العلمي والتأميم، جميعها تم إنجازُها في مرحلة عبد الناصر وحلفائه وتحالفاته في كل العواصم الوطنية. في حين كانت كل الاستثمارات الخليجية تُرسَل إلى العواصم الغربية، التي كانت تعلن ليل نهار ولاءها لإسرائيل ومشروعِها في الشرق الأوسط.

المليارات صرفت إلى الحكومات الغربية وشعوبها، في الوقت الذي كانت فيه شعوب المنطقة ترزح في أزمةٍ اقتصادية واجتماعية وسياسية نتيجة السياسات الخليجية. بل قامت بإعلان حربٍ ظالمة على مصدر العروبة في اليمن، التي قدّم شعبُها، ونظاماها شمالًا وجنوبًا- بغض النظر عن اختلافهما- كل الدعم إلى فلسطين، فضلًا عن الوقوف مع القضايا العربية.

مع كل ذلك تريد هذه النظم أن تحشد الشارع العربي تحت شعار العروبة، وهنالك منظومة إعلامية وكتاب تستخدمهم النظم للترويج لمفهوم العروبة الجديد، الذي يهدف إلى الحفاظ على المنظومة الحاكمة وكلاء الرأس مال المالي والحربي في الولايات المتحدة، بل وبدؤوا يُعلنون تحالفهم مع إسرائيل، ويقدّمون عواصمهم كمكانٍ لورشاتِ تآمرٍ على القضية الفلسطينية.

نستطيع القول إنّ عروبةً عن عروبةِ تفرق كثيرًا، فالجماهير ليست مع عروبة النظم الكمبرادورية التي تفتقد بنيتها للعروبة، كون العروبة بمفهوم الجماهير في البلدان العربية هي تلك التي معيارُها وناظمُها هو الموقفُ الوطني الواعي من القضية الفلسطينية، التي اعتبرتها قضيتها المركزية كقضية وطنية نضالية وقضية التقدم والتنمية والديمقراطية والانفتاح الاقتصادي بين الدول العربية، والاستثمار في البنية التحتية لدولها لإنشاء سوق عربية متكاملة، تؤمن فرص عمل لمواطنيها.

في حين نرى أن الأموال الخليجية تنفق وتستثمر في نوادي كرة القدم في العواصم الأوروبية، وصفقات السلاح، وتقدم المليارات إلى الولايات المتحدة من أجل حمايتها، في حين أن الحامي الحقيقي للنظم هي جماهيرُها إذا كانت هذه النظم تعبر عن مصالحها الوطنية.

إن هذه النظم تتعامل مع الأموال كوسيلةٍ لشراء الولاء والذمم، كونها لا تملك أيّة رؤيةٍ ومشروع وطني ديمقراطي.

وتقديمها الأموال من على أرضية سياسية تخدم تمرير مشاريع بعناوين سياسية هدفها تصفية القضية الوطنية الفلسطينية، وتُجهِض جهود حركات التحرر الوطني التقدمي.

إن إسرائيل هي المكون المعيق لتقدم وتطور المنطقة بكل مكوناتها التاريخية، إذ تحولت وظيفتها إلى الحفاظ على النظم الكمبرادوية وإعادة إنتاجها إذا ما تطلب الأمر ذلك.

هذا يتطلب إعادة بناء مفهوم العروبة الوطني التقدمي، المتربط بعملية البناء الديمقراطي الشعبي، والخروج من منظومة النظم الكمبرادورية ومشروع الدين السياسي، هذان المشروعان المتعارضان من حيث الشكل لكنّهما يتوحّدان في المنعطفات التاريخية ضد حركة الجماهير التحررية التقدمية.

لذلك نستطيع أن نقول عروبة عن عروبة تفرق.