Menu
حضارة

كيف توقف خطة تصفوية؟

بوابة الهدف

لا يوجد كتيّب إرشادي للشعوب يوضح بخطوات محددة سبل مواجهة المخططات التآمرية على وجوده، ذلك أن التاريخ أكثر تعقيدًا من إعطائنا تكرارًا كربونيًا للأحداث، والمكان الأساسي لاستقاء هذه الإرشادات هو الشعب، وغريزة وجوده الحي، وتاريخه في مواجهة التحديات، وهويته التي تعكس طبيعته ومكونات وجوده، وممكنات صموده.

في مواجهة شعبنا الطويلة مع الاستعمار الصهيوني عاش شعبُنا مدًّا وجزرًا كثيرًا، وواجه مؤامراتٍ ومساعٍ وضغوطًا وجرائمَ وحروبًا، هدفت جميعها لتصفية قضيته، أو تقليص مساحة وجوده و حزمة حقوقه، ولم يكن لينجو من هذه المخاطر التي أحاقت به لولا خبرة نضالية خاصة تراكمت من تجربة تلو الأخرى.

للمرة الأولى في تاريخ شعبنا نرى هذا الإصرار العجيب على تجاهل دروس التاريخ، فهذا الشعب يسارع بطبيعته للتسلّح بالوحدة الوطنية ورصّ الصفوف كلما ازدادت حمى المواجهة وحَمِيَ وطيسُ الحرب ضدّه، لكن في هذه المرحلة يبقى الانقسام متغلبًا حتى على كل تلك المحاولات الوحدوية والنماذج التي يقدمها هذا الشعب تعبيرًا عن إمكانيات هذه الوحدة.

وعلى نحوٍ متصلٍ تبدو الحالة العربية أكثر انقسامًا وشرذمة من أيّ وقت مضى، وتبدو النظم العربية الرجعية هي صاحبة المبادرة؛ فتتجرأ على المجاهرة بتحالفاتها وعلاقاتها مع الكيان الصهيوني، وذلك دون رادعٍ شعبيّ حقيقي، بل ان سفارات الدول المطبعة مع الكيان لم تشهد تظاهرةً حقيقيةً واحدة أمامها، أو فعلًا احتجاجيًا يغزو شوارعها، وهو ما يشي بمزيد من الخطوات والأدوار السلبية التي تستطيع هذه النظم لعبها دون رادع حقيقي، وبما يحدث خرقًا خطيرًا في العمق العربي للقضية الفلسطينية، الذي لطالما كان عنصرَ إسنادٍ أساسي لشعبنا في مواجهة الاحتلال.

الحالة الفلسطينية والعربية إجمالًا تجد مقتلها في غياب برنامج ثوري يتجاوز فكرة مواجهة المؤامرة، باتجاه تحقيق الحلم التحرري، ويضع في قائمة أهدافه انتزاع الحرية الوطنية والقومية لهذه الجموع من المحيط إلى الخليج، وهي مهمة ليست باليسيرة، لكنها المضاد الطبيعي للفصل التعسفي والتفرد في كل بلد عربي على حدة، ففي ظل التراجع الكبير في كفة ووزن القوى الثورية باتت هناك ضرورة خاصة لتجميع جهودها، وبرمجة تركيزها على أولويات محددة، وبأدوات خاصة تزيد من نجاعة دورها وتضاعف وزنها.

إنّ خطط التصفية القائمة حاليًا لا تستهدف الوجود الفلسطيني على خارطة فلسطين التاريخية كحيز للعمل الاستعماري، بل إنها تستهدف بالمقام الأساس كسر وتجاوز حدود هذه الخارطة، وإطلاق الهيمنة الصهيونية عبر كامل مساحات الوجود العربي في هذا الجزء من العالم.

هذا كله يتطلب البدء العاجل في إجراءات تنسيقية على المدى التكتيكي وأخرى على المدى الإستراتيجي، لردع هذه المحاولة وردها خائبة، فلا حل في مواجهة هذا التحالف الاستعماري مع قوى الرجعية العربية ومعسكرات الخيانة من مخلفات التاريخ، إلا بالوحدة، وبالردع الثوري والجماهيري الناجز لكل مركبات الهزيمة وملحقاتها.