Menu
حضارة

الدولة والأمن

عبد الإله بلقزيز

لم يتزيّد الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبس حين رَبَط قيام الدولة بالحاجة إلى الأمن وإلى حِفظ البقاء الإنسانيّ؛ فالأمن كان من الديناميّات الدافعة إلى قيام الدول، والهاجس الرئيسي لدى كلّ سلطةٍ في عمليّة الهندسة الاجتماعيّة والسياسيّة: قديماً وحديثاً. لكنّ قارئ أعمال هوبس في الفلسفة السياسيّة الحديثة -وهو مؤسّسُها- يَلْحظ أنّ الأمن وحده، عنده، دافعٌ إلى الانتقال من حالة اللادولة، أو ما قبل الدولة (يسمّيها هو حالة الطبيعة)، ووحده الذي يعيد تهذيب الطبيعة الإنسانيّة العدوانيّة وترويضها على العيش في كَنَفٍ اجتماعٍ إنسانيّ تحفظ قوانينه المدنيّة وقوانينَ الطبيعة، وفي القلب منها قانون حِفْظ النوع الإنسانيّ (القانون عينُه الذي برّر به ابن خلدون - قبل هوس بقرابة ثلاثُمئة عام - الحاجة إلى الدولة). في الأنثروپولوجيا السياسيّة الهوبسيّة تهجُّس قويّ بالحرب (الحرب داخل المجتمع) واتّصالها بغريزة العدوان والأنانيّة في الإنسان. لكنّ الحرب، كما يفترضها هوبس، ليست حربَ فريقٍ على فريق تنتهي بغلبة الأقوى؛ بل «حرب الجميع على الجميع» لأنّ الطبيعة مَنَحَتِ الناس كافّة المَلَكَات البدنيّة عينَها والحقَّ عينَه في الأشياء كافّة. ولذلك فهي «حربٌ دائمة» تهدِّد البقاء الإنسانيّ وبالتالي، ما من سبيلٍ إلى الخروج منها وإقرار السّلم إلاّ بالخروج من حالة الطبيعة، رُمَّةً، والذهاب إلى إقامة مجتمعٍ مدنيّ.

إن ما كتبه هوبس دفاعاً عن الدولة لم يكن إنشاءً نظرياً مجرّداً؛ بل تأسّس على معايَنة ما تُحْدِثه الحروب من فظاعات وشروخ في العلاقات داخل الجماعات الإنسانيّة. كانت وراءَه - وفي عصره- موجاتٌ دمويّة من الحروب الدينيّة التي مزّقت أوروبا، بين العام 1524 والعام 1648، ومنها حرب ال30 عاماً الأشدّ شراسة (1618 - 1648). وكانت وراءَهُ، وفي عصره، الحرب الأهليّة الإنجليزيّة بين الملكيّين، وهو منهم، وأنصار البرلمان. وليس صدفةً أن كتبه الثلاثة في الفلسفة السياسيّة ألَّفها أثناء الحرب الأهليّة بين العامين 1642 و1651.

تعرّضت أطروحة الربط الماهويّ بين الدولة والأمن لنقدٍ حادّ من فلاسفة السياسة اللاحقين (جون لوك، خاصّةً، وسبينوزا، وروسو، وكَنْت...)؛ الذين لم يُجارُوهُ في تشديده على مركزيّة مسألة الأمن في سيرورة تكوُّن الدولة، والذين رأوا في أفكاره تبريراً للسلطة المطلقة. ومنذ جون لوك - الذي كان من أنصار البرلمانيين بعد سقوط الملكيّين في إنجلترا- بات مألوفاً، عند فلاسفة العقد الاجتماعيّ، أن يربطوا قيام الدولة بالحاجة إلى حماية الحرّية وحماية الحقّ في المُلكيّة، وأن يشدّدوا على وجوب تقييد السلطة بالقانون والإرادة العامّة للمواطنين. وحين تقدّمت أوروبا في إحراز التقدُّم السياسيّ وبناء الدولة الوطنيّة الحديثة - بعد إعلان الدستور الأمريكيّ ونجاح الثورتين الإنجليزيّة الأولى والثانية ثم الثورة الفرنسيّة - سينتصر مهندسو هذه الثورات لجون لوك وجان جاك روسو وأفكارهما، على حساب توماس هوبس، وستتّجه سياساتُهم إلى إقامة أنظمة تصون المُلكيّة والحرّية، ليستتبّ بذلك الأمرُ للنظام الديمقراطيّ الحديث. 

هذه صورةُ تطوّر الدولة الحديثة من حيث مشهدُها الخارجيّ؛ من حيث الخطابُ لنخبها الحاكمة وأيديولوجيّي تلك النخب، وأحياناً، حتى من حيث الدساتيرُ وما تنصّ عليه من «مقدّسات» سياسيّة، ومنها الحرّية وحقّ التملك واستقلاليّة المجتمع المدنيّ...إلخ. ونحن لا نبغي تكذيب هذه الرواية وتبهيت تلك الصورة، أو الإيحاء بأنّها محضُ فعْلٍ أيديولوجيّ؛ بل نصادق على القول إنّ حرّية التملّك، مثلاً، مقدَّسٌ سياسيّ في تلك الديمقراطيات الغربيّة؛ وإنّ الحرّية فيها محاطة بالكثير من الضمانات القانونيّة التي تحميها من الهدر أو من التضييق؛ وإنّ للمجتمع المدنيّ قدراً من استقلاليّة القرار والإرادة بحيث يملك التأثير في السياسات العليا، أو يملك أن يحْملها على أخذ إرادة قُواهُ في الحسبان. ومع ذلك كلّه، من قال إنّ هاجس الأمن، والخوف من المسّ به، تَرَاجَع إلى الخلف أو اضْمحلّ، في تلك الدول الوطنيّة الحديثة، أو لم يَعُدْ من أساسيّات السياسة والهندسة السياسيّة والاجتماعيّة فيها؟ مَن يقول غير ذلك، لا يَعْرف معنى الدولة!

ليس الأمن القوميّ للدول ما نعنيه، هنا، بالأمن؛ وإن كان هو من الأساسات التي تحفظ للدول سياساتها؛ وهي الأسُّ الأساس في كياناتها. الأمن الذي نقصِده هو الأمن الاجتماعيّ؛ الأمن الذي يستتبّ أو يتزعزع لأسباب من داخل الجماعة الوطنيّة. الأمن هذا خطٌّ أحمر في الدول جميعاً؛ التي تحكمها أنظمة ديمقراطيّة أو أنظمة تسلّطيّة: لا فرق. إذا كان مألوفاً أن يُنْظَر إلى الردّ على انتهاكه بالعنف، في الدول غير الغربيّة، بوصفه فعلاً تأتيه أنظمة تسلّطيّة ضدّ معارضيها، فماذا عن الردود العنيفة التي تلجأ إليها أنظمةُ الديمقراطيّات الغربيّة؛ أليستْ تشبه الأولى في القسوة والشدّة وأحياناً، في الشطط؟ انظروا، مثلاً، إلى الكيفيّة التي ردّت بها حكومات الولايات المتّحدة، وإسبانيا، وبريطانيا، وفرنسا على العمليّات الإرهابيّة التي نفّذها بعضُ مواطنيها فيها؛ وانظروا إلى الطريقة التي أخمدت بها الحكومة المركزيّة في مدريد محاولة انفصال إقليم كاتالونيا؛ ثم تأمّلوا في مشهد العنف اليوميّ في الردّ الفرنسي على انتفاضة «السترات الصفراء»...؛ ألم تَغْلُ في إبداء حزمٍ أمنيّ صارم بلغَ من القسوة في العنف مبلغاً؟ ومع ذلك، نحسبها - مثل الأولى - أفعالاً مشروعة؛ لأنّها مصروفة لحِفظ الأمن الاجتماعيّ الذي من دون استتبابه لا هو دولةٌ ولا مجتمعٌ ولا سلمٌ مدنيّ، وإنّما عودةٌ إلى ما حذّر منه هوبس؛ إلى حالة الطبيعة أو إلى ما قبل الدولة: الفوضى والتقاتُل.