Menu
حضارة

صفقة أم صفاقة؟

فريدة الشوباشي

على طريقة المسلسلات الامريكية، صدر أخيرا مسلسل» صفقة القرن« وهو عنوان شديد الدلالة على رؤية الرئيس الامريكى دونالد ترامب بالنظر الى كل الامور نظرة التاجر الذى يحسب الربح والخسارة من وجهة نظره هو، دونما أدنى اعتبار لأى عوامل او معايير اخري..فالرئيس ترامب لديه، كما يبدو، يقين بأن ساكن البيت الابيض هو سيد العالم بلا منازع، وهو المتحكم الوحيد والذى على العالم أجمع الانصياع لما يتفتق عنه ذهنه هو بكل خبرته فى اسواق المال ودائرة رجال الأعمال..فالرجل لا علاقة له بتاريخ او جغرافيا، وكذلك لا احترام له للقوانين والشرائع والحقوق خاصة الحقوق والأهم ان تكون حقوق شعوب..

السيد ترامب فى سابقة لم تحدث حتى من قبل أعتى قوى الاحتلال التى نهبت الثروات وأذاقت شعوب الدول الواقعة تحت سلطانها الأمرين، لم تجرؤ على منح مناطق جغرافية، هدايا منها لدول اخري، صحيح أنها مزقت الوطن العربى لكن ظلت المدن على حالها وبسكانها، إلآ بعد القرار البريطانى المدعوم من كل قوى الشر، بإنشاء دولة يهودية فى سابقة لم تعرفها البشرية حيث الدولة تضم أبناءها ايا كانت عقيدتهم الدينية وليس دولة عنصرية لا تسمح بالوجود فيها الا لاصحاب ديانة بعينها..فقد رأت بريطانيا العبقرية فى إيذاء الشعوب، اختلاق دولة يهودية تكون من حق يهود العالم على اشلاء الشعب الفلسطيني، والذى كان أجداد أجداده من اليهود او المسيحيين، قبل اعتناق المسيحية ثم الاسلام، كمرحلة اولى حيث لا تخفى اسرائيل مخططها بأن تكون إمبراطورية من الفرات الى النيل..

الجدير بالتوقف امامه ان الحجة فى إقامة اسرائيل كانت الجرائم النازية التى اقترفها هتلر ضد اليهود وغيرهم، ولكن بريطانيا رأت ان يدفع الفلسطينيون ثمن جرائم زعيم اوروبى كسبب ظاهر، اما المخطط المستهدف فقد كان تفتيت الوطن العربى على أساس دينى ومذهبى وهو ما حدث بتشكيل حسن البنا جماعة الاخوان المسلمين، وكأن بقية المصريين المسلمين كانوا من كفار قريش!..الاستمرار فى اغتصاب الحقوق العربية وتحدى جميع القوانين الدولية، وبعد ان آل الإرث الاستعمارى الى الولايات المتحدة الامريكية، قامت واشنطن بفرض سياج فولاذى حول اسرائيل بحماية أطماعها ليس بإغداق المال والسلاح فحسب، بل كذلك فى المحافل الدولية حيث انتهجت سياسة ثابتة بإبطال اى مشروع قرار لإدانة بربرية الدولة المحتلة.. وعندما جاء ترامب، رجل الاعمال المشهور، وهو يعرف ان اسرائيل هى حاملة طائرات امريكية فى الوطن العربي، خلع برقع الحياء فاعترف ب القدس المحتلة عاصمة للدولة اليهودية بتجاهل تام، حتى لا نقول بازدراء تام، للحقوق العربية التاريخية فى المدينة المقدسة بالنسبة لمئات الملايين من المسلمين والمسيحيين، ففى القدس، المسجد الأقصي، أولى القبلتين وثالث الحرمين، وكنيسة القيامة احد اكبر الرموز المسيحية..

دونالد ترامب وعلى ضوء رد الفعل الباهت لقراره المشين، تمادى ومنح الجولان السورى المحتل الى إسرائيل، وهذه كما نرى تصرفات رجل ليس لديه أدنى احترام لحقوق الشعوب ومقدساتها.. وإمعانا فى الصفاقة، اخترع تمثيلية هزلية مهينة اطلق عليها اسم «صفقة القرن»!..وكأننا فى سوق يتحكم فيها الرئيس الامريكي، ويطالبنا بأن نقول آمين لمشروعه التجارى الرهيب، فإذ بنا نسمع عن تسريبات من واشنطن تتحدث عن اقتطاع اراض من هنا او هناك، لتهجير المواطنين العرب اليها، وإمعانا فى المهانة قرر إقامة ورشة فى المنامة عاصمة البحرين ، تكون مهمتها الاساسية إقامة مشروعات رأسمالية لتوفير كسرة الخبز لنا. غاب عن ترامب قاموس الإنسانية منذ آلاف السنين، ويحتوى على مفردات مثل الوطن، والكرامة والحرية وقبل ذلك كله الدفاع عن الوطن، عن الأرض والعرض، أيا كانت الصفقة وايا كان جبروت وتهور صاحبها وصفاقته..إن الرئيس الامريكى سيدخل المنطقة فى نفق مظلم سيكون وبالا على الجميع وهو لن يفلت من تداعياته، وليت القادة العرب يبصرونه بأن صفقته خاسرة ويهدونه كتاب تاريخ.