Menu
حضارة

تداعي الفرص التاريخية

محمد السعيد إدريس

توافق كثيرون من المتابعين والمعنيين بالشأن «الإسرائيلي» حول اعتبار أن نتائج الانتخابات العامة الأخيرة التي أجريت داخل كيان الاحتلال كانت نتائج «تاريخية»، سواء من منظور التفوق الذي حققه تكتل الليكود اليميني بزعامة بنيامين نتنياهو (36 مقعداً) على منافسه تكتل «أبيض- أزرق» (35 مقعداً) الذي يقوده عدد من كبار الجنرالات المتقاعدين على رأسهم رئيس الأركان الأسبق بيني جانتس، أو من منظور الخلفية الأمريكية غير المسبوقة في التأثير على نتائج هذه الانتخابات، وهي الخلفية التي ربطت بين مصير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وخطته لتسوية الصراع الفلسطيني «الإسرائيلي»، وبين مصير بنيامين نتنياهو وتمكينه من تشكيل الحكومة الجديدة.
التوافق حول هذا التقييم اندفع خطوات أخرى إلى الأمام من خلال الأخذ في الاعتبار بعامل ثالث هو انسجام سيطرة تيار اليمين المتشدد في «إسرائيل»، واحتمال نجاح نتنياهو في تشكيل ائتلاف حكومي يميني جديد بقيادته عقب إعلان نتائج تلك الانتخابات الأخيرة مع التوجه الأيديولوجي اليميني في القارة الأوروبية المدعوم شخصياً من ترامب الذي يعتبر نفسه رمزاً لهذا التيار السياسي اليميني الذي يتوافق حول قضيتين: العداء للإسلام والعداء للمهاجرين.
المعنى الذي كان يمكن استخلاصه من التوافق حول أن فوز اليمين في الانتخابات «الإسرائيلية» يعتبر فوزاً تاريخياً هو أن تشكيل حكومة «إسرائيلية» تُمثل هذا اليمين أضحى أمراً مفروغاً منه، بل هناك من تطرف في تقييم هذا الفوز، بالزعم أن الكيان الصهيوني بات يشهد استقراراً سياسياً غير مسبوق حول سيطرة اليمين بعد تهميش المجتمع «الإسرائيلي» الذي أضحى غارقاً في تطرفه ويمينيته لتيار اليسار ويسار الوسط، وحاول الداعمون لمثل هذا الاستنتاج العزف على معزوفة أن «إسرائيل» كيان مختلف أو «دولة سوبر» في قوتها العسكرية وفي تماسكها السياسي- الاجتماعي وكونها أضحت عصية على الانكسار سواء من الداخل أو من الخارج.
تجاهل كل هؤلاء للوجه الآخر لهذا الاستنتاج، أي الوجه القاتم لمقولة «الانتصار التاريخي» المتمثل في صيرورة اندفاع دولة بهذه المواصفات حتماً نحو مصيرين في مقدورهما تهديد وجودها وليس فقط استقرارها، وهما التوجه الحتمي نحو العنصرية بالتوسع في احتلال الأراضي الفلسطينية وإلغاء أي وجود سياسي للشعب الفلسطيني، والتوجه نحو الاستبداد والتسلطية وتفكيك مقومات ما كان يزعم الكيان تأسيسه على مقومات ديمقراطية، هذا الاستنتاج الآخر أكده «ألوف بن» رئيس تحرير صحيفة «هآرتس» بشكل غير مباشر عندما قرر أن حكومة نتنياهو الجديدة سيكون لها هدفان رئيسيان: الأول هو فرض قانون يصدره الكنيست يقضي بتحصين نتنياهو من الملاحقة القانونية وإزاحة لوائح الاتهام المرفوعة ضده، والثاني ضم المنطقة «ج» من الضفة الغربية التي تشكل حوالى 60% من الضفة إلى السيادة «الإسرائيلية».
كل هذه الرهانات تتداعى الآن. فحتى مساء الأرعاء الفائت (29 مايو/أيار 2019) لم يتمكن نتنياهو من إعلان تشكيل حكومته، وذلك يعني إذا ما تأكد الفشل أن الكيان سيكون معرضاً للدخول في أزمة حكومية عميقة، قد تنتهى بأحد احتمالين؛ إما أن يعهد الرئيس «الإسرائيلي» رؤوفين ريفلين إلى عضو آخر في الكنيست بتشكيل الحكومة، وسيكون صاحب الفرصة الأبرز هو بيني جانتس زعيم تكتل «أزرق- أبيض» المعارض، وإما الذهاب إلى انتخابات عامة جديدة بعد صدور قرار بحل الكنيست، قبل انقضاء شهرين على إجراء الانتخابات العامة السابقة، وهو احتمال يؤكد، أن دولة الاحتلال لم ولن تكون «دولة سوبر» محصنة من الأزمات التي تواجه الدول الأخرى، بل إنها ستكون معرضة لأزمة بنيوية ربما تؤجل لأجل غير مسمى مشروع «التسوية» الأمريكي، ولعل هذا ما حفز الرئيس ترامب للتدخل لإنقاذ حليفه نتنياهو من السقوط عندما اضطر أن يكتب على «تويتر» أثناء زيارته لليابان (25 مايو/أيار 2019) ما نصه «آمل أن تسير الأمور على ما يرام بالنسبة لتشكيل ائتلاف «إسرائيلي»، ونتمكن أنا وبيبي (لقب نتنياهو) من مواصلة جعل التحالف بين أمريكا و«إسرائيل» أقوى من أي وقت مضى.. أمامنا الكثير لنفعله.»

وإذا ما خسر ترامب رهانه على نتنياهو سيخسر رهانه على صفقته للتسوية، وربما يخسر حتى رهانه على نفسه. فانخراط الاحتلال في انتخابات عامة جديدة سيمتد إلى النصف الثاني من هذا العام، وبعدها سيجد ترامب نفسه مدفوعاً إلى معمعة الانتخابات الرئاسية الأمريكية مع بداية العام المقبل، وعندها ستكون صفقته في مهب الريح خاصة إذا لم تأت الانتخابات «الإسرائيلية» بالنتائج المرجوة، أو إذا فشل نتنياهو في إعلان حكومته.