Menu
حضارة

من دروس "الانتفاضة" في ذكرى "النكسة"

علي جرادات

تحل الذكرى السنوية ال52 ل«نكسة» 67، في ظل إعلان الولايات المتحدة وربيبتها «إسرائيل» إسقاط حق عودة اللاجئين عبر توطينهم، وحسم أمر سيادة الأخيرة على القدس ، (وعلى هضبة الجولان السورية)، بل وإعلان عزمهما، أي الولايات المتحدة و«إسرائيل»، ضم أغلب أراضي الضفة، واعتبارها ليست أرضاً محتلة، ولا حتى متنازعاً عليها، وذلك جنباً إلى جنب مع إمعان أكثر حكومات الاحتلال تطرفاً وعنجهية في تنفيذ مخططاتها لمصادرة واستيطان وتهويد ما تبقى من هذه الأراضي. كل ذلك في إطار التطبيقات الجارية للخطة الأمريكية الهادفة لفرض الاستسلام على الشعب الفلسطيني وتصفية قضيته الوطنية من جميع جوانبها، وبالمعنى الوجودي للكلمة. 
هنا، وإن كان تمرير هذه الخطة بمثابة أحلام يقظة، أو قل: مجرد حرث في البحر، طالما أن الشعب الفلسطيني، رغم ما بين نخبه القيادية من انقسامات وخلافات واختلافات، قد رفضها، ويعمل في السياسة والميدان، وبكل ما أوتي من قوة، في الوطن والشتات، على إفشالها، إلا أن ثمة ما يستدعي المراجعة واستخلاص الدروس، في ظل ما يواجهه هذا الشعب، قضية وحقوقاً ونضالاً ورواية، من مخاطر وتحديات يفرضها هذا التمادي «الإسرائيلي»- الأمريكي. 
ولعل أول ما ينبغي مراجعته هو النتائج الكارثية لرهانات استعادة الضفة والقطاع عبر المفاوضات الثنائية المباشرة تحت الرعاية الأمريكية، على مدار 27 عاماً. وفي هذا السياق فلنشر إلى: لقد ثبت، بما لا يدعُ مجالاً للشك، وحتى لمن لا يعرف سوى ألف باء السياسة وطبيعة الصراع، أنه لم يكن هنالك مجال لرحيل الاحتلال حتى عن الأراضي التي احتلت عام 67 إلا بالمقاومة، بأشكالها المختلفة والمتكاملة، ذلك أن انتزاع هذا الهدف، كهدف مباشر للنضال الوطني هو، أولاً، وفي الأساس، مهمة كفاحية للشعب الفلسطيني، وتلعب فيها الطلائع القيادية، الرسمية منها والشعبية، دور التعبئة والتحشيد والتأطير والتنظيم لعموم أبناء هذا الشعب في الوطن والشتات. وفي دروس انتفاضة 87 الشعبية الكبرى ما يلخص الأمر، ويشي بجوهر المراجعة المطلوبة. 
بعد مرور أربعين عاماً على النكبة، وعشرين عاماً على «النكسة» وانطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة، وأربعة عشر عاماً على حرب 73 المجيدة، وفي نهاية العام 1987 اندلعتْ شرارة تلك الانتفاضة من قطاع غزّة بشكلٍ عفويّ. بيْد أنّ الوضع كان مختمراً لاستمرارها وتطورها؛ اتصالاً بجهوزيّة قواعد الفصائل والأطر الجماهيرية والمنظّمات الشعبيّة التابعة لمختلف هذه الفصائل، والمنتشرة في طول البلاد وعرضها، كانت كفيلةً بتحويل تلك الانتفاضة إلى كيانٍ منظّم، حتى أصبحت الأرض المحتلة، آنذاك، هي مركز الثقل والركيزة الأولى للنضال الوطني، بعد إخراج قوات المقاومة الفلسطينيّة من لبنان عام 1982.
كان البُعد الكفاحيّ للانتفاضة يتمّ، بشكلٍ رئيسي، عبر التنظيم الشعبيّ الشامل، ما عنى أنّ الفصائل قد دفعتْ بأعضائها إلى الميدان. وتكلّل ذلك بإنشاء «قيادة وطنيّة موحّدة» وفاعلة، من قادة ميدانيين، خبروا الكفاح الجماهيريّ؛ كما أنّ تفاعلَهم الميدانيّ واليوميّ مع الجماهير أدّى إلى بروز نوع من الديمقراطيّة المباشرة بينهم وبينها. لذلك لم يكن غريباً أن ترفع قيادة تلك الانتفاضة، إضافةً إلى شعار «الحريّة والاستقلال الوطنيّ»، شعاراتٍ اجتماعيّة - اقتصاديّة، قامت على الخطوط الآتية: ترشيد الاستهلاك، والعودة إلى الأرض والإنتاج الزراعيّ، ومقاطعة البضائع «الإسرائيلية» التي لها بديل وطني، والتوازن في المصالح بين العمّال وأصحاب العمل.
وكان محرك تلك الانتفاضة التوق للحريّة والاستقلال الوطنيّ، أما هدفها المباشر فطرد الاحتلال من الضفة والقطاع، كهدف ممكن التحقيق، وغير مفصول عن بقية أهداف النضال الوطني، لكنّ مسار مفاوضات «مدريد -أوسلو»، أجهض تلك الملحمة الشعبية الكبرى، وقطع سياقها. أما محاولة انتزاع هذا الهدف في انتفاضة الأقصى المسلحة عام 2000، فتم إجهاضها من خلال «خارطة الطريق» التي فرضها، آنذاك، الرئيس الأمريكي بوش الابن عبر زيارات مكوكيّة استهدفت نزع سلاح المقاومة، والدفع نحو استئناف المفاوضات، كخيار ثبت أنه ليس فاشلاً، فقط، بل ومُدمِّر، أيضاً. هذا ناهيك عن أن مقومات ومسالك محاولة انتزاع هذا الهدف في الانتفاضتين كانت مختلفة على شتى الصعد، اتصالاً باختلاف الظروف الميدانية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية. تلك هي دروس انتفاضة الحجارة المجيدة التي يتوجب على النخب القيادية الفلسطينية استلهامها، ولا نقول استنساخها، لمواجهة الخطة الأمريكية - «الإسرائيلية». أما درس تلك الانتفاضة الذي لم يأخذه بالحسبان أصحاب هذه الخطة فهو أنه لم يعد ممكناً القفز على الهوية الوطنية الفلسطينية التي نشأت، وتبلورت، وتعمقت، وتجذرت في معمعان محطات المقاومة والنضال على مدار قرْنٍ ويزيد من الزمان.