Menu
حضارة

المُبادرات الشبابية.. منفذ الناس الوحيد للحياة في غزة

تعبيرية

خاص بوابة الهدف

يشهد قطاع غزّة حالةً من الركود الاقتصادي التام، عشية عيد الفطر وخلال أيام شهر رمضان، وهي الأيام التي عادةً ما تشهد حركةً اقتصاديّة وتجارية كبيرة، دونًا عن غيرها من الأيام. وقد باتت عشرات آلاف الأسر الفلسطينية تعتمدُ بشكلٍ كامل على المساعدات الغذائية والإنسانية، التي تُقدم من مؤسسات وجمعيات أو فرق شبابية ومبادرات مجتمعيّة، خرجت للنور كقشة أملٍ تُنقذ المجتمع من وضعه المأساوي.

برزت خلال الأعوام الماضية مجموعاتٌ شبابية ومبادرات خيرية بسيطة، عملت على إنقاذ المجتمع الفلسطيني من الوضع الذي يعيشه، بأقلّ ما يُمكن، وبما يُمكن أن يحفظ تماسكه ويقيه الانهيار التاّم، تعمل غالبيتها على التواصل مع المواطنين الفقراء لتقديم المساعدات لهم، وقد بات اعتمادُ الناس مؤخرًا على هذا الشكل من المساعدات كبيرًا إذ تتناول غالبية الأحاديث بين الناس أماكن الحصول على المساعدات من هُنا أو هناك، فيدُلُ الشخص أخاه أو صديقه على مكانٍ ما يُمكن أن يُساعده بما يسد رمق عائلته خلال أيام رمضان، أو بما يكسي جسد أبنائه خلال العيد.

حملة الإحسان التطوعية، حملة اللي إلنا إلك، فريق "بي آر سيز"، فريق "سفراء الخير".. كلها أسماءٌ لفرقٍ شبابية يقوم عليها جهدٌ شبابي خالص، يسعى لجمع التبرعات والملابس والمواد الغذائية، وتوزيعها على مواطنين وعائلات فقيرة في قطاع غزّة.

يتحدث محمد قويدر وهو أحد أعضاء حملة الإحسان الشبابية، عن دور فريقه التطوّعي قائلًا: "تعتمد الحملة في دعمها بشكلٍ أساسي على التمويل الذاتي وهو تبرع أعضائها ومساهمتهم في المبالغ التي تجمع للفعاليات، وتبرعات أهل الخير".

ولا شكّ أن الظروف التي يعيشها قطاع غزّة أثرت بشكلٍ كبير على دور المساعدات المقدمة من قبل الحملات والمبادرات الشبابية، فيرى قويدر آسفًا أنه خلال هذا العام كان الدعم المادي والمالي أقل لفريقه، كما كانت نسبة جمع التبرعات أضعف من الأعوام السابقة.

ويقول الشاب المتطوّع لـ "بوابة الهدف"، أن عدد الأسر التي تغطيها الحملة لهذا العام قلّت مقارنة مع الأعوام السابقة، فقد انخفضت مما يقارب 800 أسرة إلى نحو 300، خلال شهر رمضان كاملًا، معزيًا ذلك إلى ضعف التبرعات التي تأثرت بالظروف المعيشية العامة لسكان غزّة.

ويضيف قويدر أن ردود فعل الناس إزاء المساعدات تؤكّد حاجتهم لها، خاصّة عند التواصل معهم وإبلاغهم عن طرود غذائية أو ملابس للعيد.

ويتألف الطرد الغذائي من كيس فيه مختلف الأصناف من المواد الغذائية التي تساعد العائلات على سد حاجتها خلال شهر رمضان، ما بين "أرز وسكر وعدس وفول وجبنة ولحمة ومربى وطحينة وحلاوة وشاي وعصير"، وغيره من المواد الغذائية الأساسية.

يذكر أن حملة الإحسان التطوعيّة نشأت في رمضان 2011، عندما بدرت الفكرة لمجموعة من الشباب عبر "فيسبوك"، حيث قاموا حينها بتوزيع طعام الإفطار على بعض العائلات الفقيرة في مناطق غزة، ومن هنا تأسست الفكرة لديهم، وقاموا بوضع البذرة التي تمددت فيما بعد لتصبح حملة كاملة، لا تقتصر على توزيع الإفطار.

في هذا السياق، يُشير الخبير الاقتصادي ماهر الطباع أن 80 من سكّان قطاع غزّة باتوا يعتمدون على المساعدات الإغاثية المقدمة من وكالة "الأونروا" وغيرها من المؤسسات والجمعيات الخيرية، الدولية والمحلية.

وأوضح الطباع لـ "بوابة الهدف"، أنّ المساعدات الغذائية والإنسانية التي توزعها الجمعيات والمؤسسات، ذات دعم خارجي ودولي، وجزء بسيط يكون محليًا، مشددًا أن "هذه المساعدات يمكن أن تساهم ولو بتوفير احتياجات بعض الأسر، لكنها إغاثية لا تحل القضية، وليست دائمة، إذ تقوم بمساهمة بسيطة".

وعلى الرغم من ذلك، يُبين الطباع أن المساعدات الإغاثية انخفضت هذا العام كثيرًا عن الأعوام الماضية. مُؤكدًا أنها "لا تعد حل، إنما هي إغاثية ومتنفس بسيط لفترة محدودة، يمكن أن تبقى أسبوع شهر شهرين".

وأمام ذلك لا بُد من وجود حلولٍ جذرية لمشاكل المواطنين، كما يُشير الطباع، والذي يُبين أن الأوضاع في قطاع غزّة لا تُنذر بوجود أي بريق أمل، نظرًا لتراكم الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المجتمعة معًا على حياة السكّان.

وشدد الطبّاع لـ "الهدف" أن الأوضاع تزداد سوءًا عن الأوضاع السابقة في كل عام، نتيجة تراكم الأزمات، وذلك مع تواصل الحصار لـ 13 عامًا والذي تضمّن 3 حروب وهجماتٍ عسكرية مُتكرّرة على قطاع غزة، كان آخرها مع بداية شهر رمضان، والتي كان لها أثرٌ كبير على سكان القطاع.

وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن نسبة البطالة بلغت في القطاع 52% وهي الأعلى عالميًا، واصفًا الأمر بالكارثي. عدا عن وجود أكثر 300 ألف عاطل عن العمل، ونسبة فقر 52%، أي أكثر من نصف السكان.

وأوضح الطباع أن ذلك كله يؤدي إلى انعدام القدرة الشرائية، إضافة للانقسام وأثره على الوضع وتداعيات خصم الرواتب. متابعًا القول "أصبح للناس أولويات، منها توفير المأكل والمشرب أكثر من أي شيء آخر، لا يوجد أولويات من تجهيز للعيد أو شراء الملابس، هذه أصبحت كماليات".

ويعُاني قطاع غزة من حصار جائر يفرضه الاحتلال "الإسرائيلي" منذ عام 2006، وانقسامٍ داخلي منذ عام 2007، بعد فوز حركة "حماس" في انتخابات المجلس التشريعي، كما تفرض السلطة الفلسطينية سلسلة من العقوبات ضد القطاع منذ عام 2017، تضمنت خفض رواتب الموظفين وقطع بعضها، ووقف دفع فاتورة الكهرباء للقطاع، ومنع التحويلات العلاجية للخارج.

ولا شك أن هذه الأوضاع التي يُعانيها سكّان قطاع غزّة، جاءت نتيجة تراكماتٍ لأزماته المستمرة منذ أعوام، ووسط هذه الأزمات، تبرز المبادرات الشبابية والخيرية كبارقةِ أملٍ للمواطنين الذين انعدمت بهم السُبل أمام الواقع الذي لا يقدرون على حل أبسط عقدةٍ فيه؛ لكن هذه المبادرات تبقى شُعل صغيرة في عتمة غزّة، ستنطفئ حتمًا، إذا لم يتداركها أطراف الانقسام لينقذوا أهل القطاع، مما هو أصعب وأسوأ، والذي ينتظرهم مع تراكم الأيام.