Menu
حضارة

البيئة في معادلة السياسية

الحسين الزاوي

وجدت الخطابات والأفكار المتعلقة بالبيئة طريقها نحو معترك السياسة في مرحلة كان فيها الحديث عن المحيط البيئي للدول يمثل نوعاً من الترف الفكري؛ لأن العالم كان قد بدأ يخرج من مرحلة طويلة من الحروب المدمّرة، وتمثل التحدي الأساسي لشعوب العالم حينئذٍ في كسب رهان التنمية، ومضاعفة الإنتاج، وتحقيق الوفرة، حتى وإن كان ذلك على حساب مستقبل التوازن البيئي لمجموع الكائنات، التي تتقاسم العيش المشترك على سطح كوكب الأرض. 

وقد نبّهت راشل كارسون منذ سنة 1951 في كتابها الموسوم: «البحر حول الولايات المتحدة الأمريكية»، إلى أهمية الحياة الطبيعية؛ من خلال التركيز على الصيد والصيادين، كما لفتت في كتابها: «الربيع الصامت»، انتباه المجتمع الأمريكي إلى التلوث البيئي باستخدام المبيدات، وبدأت خلال الفترة نفسها تتبلور الأفكار المتعلقة بفلسفة ونظريات البيئة (الإيكولوجيا). ويشير إمام عبد الفتاح إمام إلى أن مصطلح علم البيئة تمت صياغته من طرف الفيلسوف والعالم الألماني أرنست هيجل، ونحته من الكلمة اليونانية «أوإيكوس»، التي تعني المنزل وأصبحت الكلمة تشير إلى دراسة منزل الإنسان، وتحوّل المصطلح تدريجياً لدراسة علاقتنا بالبيئة بشكل عام، وأصبحت البيئة من أهم قضايا الفلسفة المعاصرة؛ من خلال دراسة ظاهرة انقراض بعض الحيوانات، واختفاء بعض النباتات، واعتبر الإنسان نتيجة لذلك، المسؤول الأول عن اختلال التوازن البيئي.

وبالنسبة للتصورات الفكرية بشأن مشكلات البيئة التي تنبثق منها جل المواقف السياسية، يشير لوك فيري إلى أن هناك موقفين رئيسيين بشأن هذه المسألة، الموقف الأول يمثله من يُطلق عليهم دعاة بيئة السطح، ويُنظر إليهم خصومهم على أنهم من المناضلين السطحيين؛ لكونهم يطالبون بالإصلاح وليس بالثورة، ويرى أصحاب هذا الموقف أن الإنسان لا يزال يمثل مركز الثقل في أي سياسة يجري اعتمادها بشأن البيئة، وبدونه يصبح كل تنظير بشأن البيئة مجرد خيالات فكرية لا يمكن ترجمتها على أرض الواقع. 

ما الموقف الثاني فإنه يرفض الحديث عن المحيط البيئي، ويفضل بدلاً عنه مصطلح الطبيعة ويؤكِّد ضرورة الدفاع عن كوكب الأرض، ويتبنى خيارات ترفض مبدأ مركزية الإنسان وفرضية تفوقه على باقي المخلوقات.

ويطالب هؤلاء بأن تتواصل عملية تحرير الكائنات، قياساً على نموذج تحرير السود والنساء، لتصل إلى تحرير كل الحيوانات والمخلوقات والموجودات على سطح كوكبنا، سواء وفق الرؤية الأداتية التي ينحصر دفاعها عن الكائنات التي تشعر باللذة والألم، أو بناءً على الرؤية الشمولية التي تدافع حتى عن الجمادات. وعليه فإنه إذا كان مثل هؤلاء الأصوليين يدعون إلى وقف النمو، فإن «لوك فيري» يدافع عن النمو المستمر؛ لقناعته أنه من المستحيل تجاوزه، ويندرج دفاعه في سياق يحرص على نزع التلوث وإغناء المحيط البيئي، وعلى إدماج علم البيئة ضمن منطق إعادة تدوير كل أشكال النفايات في سياق اقتصاد دائري وشامل داخل منظومة السوق. 

وتأتي هذه التصورات في سياق جو سياسي دولي تحوّل فيه المحيط البيئي، كما يقول فليب بولانجي، إلى مصدر للتوترات على المستوى العالمي وقد يؤدي إلى مواجهات مسلحة وبخاصة في بعض السياقات التي تكون فيها بعض الموارد الطبيعية شحيحة وغير مستغلة بطريقة عقلانية مثل الماء في الشرق الأوسط، الأمر الذي يؤدي إلى نشوب مواجهات يمكن تسميتها بالصراعات الخضراء، وبالتالي فإن البيئة تحوّلت مع مرور الوقت إلى عنصر للهشاشة الصاعدة، وبدأ الوعي بضرورة اتخاذ سياسات فاعلة تجاه البيئة، يتبلور بشكل جدي منذ السبعينات من القرن الماضي مع تزايد المخاوف الدولية بشأن الكوارث البيئية التي باتت تهدّد العالم. 

بيد أنه وبالرغم من الجهود والمبادرات الداعية إلى المحافظة على البيئة التي رعتها المؤسسات الدولية من قمة الأرض في ريو بالبرازيل سنة 1992 التي جمعت 110 من رؤساء العالم، وإلى غاية اتفاق باريس حول المناخ سنة 2015 الذي انسحبت منه أمريكا بعد وصول ترامب إلى السلطة، فإن البيئة لا تزال تمثل رهاناً هامشياً بالنسبة لأغلب الدول بالرغم من حساسية الموضوع وخطورته بالنسبة لمستقبل البشرية، كما أن الصراعات المسلحة الناجمة عن التحولات البيئية المتفاقمة، ستكون المصدر الأساسي لعدم الاستقرار في الكثير من مناطق العالم خلال العقود المقبلة.

ويشير الخبراء في هذا السياق إلى ثلاثة أنواع من الصراعات البيئية في العالم، يتعلق النوع الأول بالإكراهات المرتبطة بندرة الموارد الطبيعية والثاني بهوية مجموعة ما، كما حدث في إندونيسيا في جزيرة بورنيو؛ عندما اتهمت الأقلية المسيحية، الأغلبية المسلمة بالقضاء على أشجار الغابات، مما أدى إلى نشوب مواجهات سنة 2001، أما النوع الثالث فيتصل بحرمان مجموعات سكانية من بعض الموارد الطبيعية اعتماداً على سياسات تمييزية تتبناها الحكومات.