Menu
حضارة

تصاريح العيد: اختراق احتلالي للوعي الوطني

حاجز ايرز شمال قطاع غزة

غزة_ بوابة الهدف

عشرات الآلاف من الفلسطينيين تدفقوا لأراضيهم المحتلة عام ١٩٤٨ خلال إجازة عيد الفطر، معظمهم اتجهوا إلى مدينة القدس أو سواحل البحر المتوسط التي يحرمهم الكيان الصهيوني من الوصول إليها عادة. هذا مشهد قد يبدو مبشرًا بإمكانية العودة، أو إثباتًا واضحًا لعلاقة الفلسطيني بكل فلسطين، ولكن المعضلة أن أغلبية هؤلاء دخلوا بتصاريح صادرة عن سلطات الاحتلال، وهو ما يجيد الاحتلال استخدامه في إطار تسويقه لفكرة إمكانية عيش الفلسطينيين تحت سلطته دون مشاكل، وطمس حقيقة الجريمة التاريخية المرتكبة بحقهم.

لقد كانت هذه حسنات المجرم تجاه ضحاياه لضمان طمس صورتهم الحقيقية، وكتم صوتهم، وإتمام تصفية قضيتهم وحقوقهم، هذه الحقيقة يدركها الكثير من أهلنا ولكنهم مع ذلك يواصلون استغلال أي فرصة سانحة للذهاب إلى أرضهم وزيارة أجزاء من بلادهم، التي حرمهم الاحتلال من رؤيتها دومًا.

مما لا شك فيه أن هذا التدفق قد خدم الاحتلال أكثر مما خدم قضيتنا، والذنب في ذلك ليس على أهلنا التواقين لمعانقة فلسطينهم ولو لبعض الوقت وتحت حراب الاحتلال، ولكن على المنظومة السياسية الفلسطينية، التي يفترض أن تقود كفاح هذا الشعب وتوجه نضالاته وآليات تعامله مع ما يطرحه الاحتلال. إذ غابت المنظومة الفصائلية عن أية تعليق على هذه المعضلة التي تتكرر سنويًا في مواسم الأعياد، بما لها من تداعيات سلبية على قضيتنا، أو على نظرة شعبنا ووعيه الجمعي بخطورة الاحتلال وسياساته، حتى تلك التي يقدمها تحت مسمى "تسهيلات".

فيما تشكل السلطة الفلسطينية والقيادة الرسمية بدورها نموذجًا سلبيًا في تطبيعها المستمر مع الاحتلال، وتسويغها لأنماط متعددة من العلاقات مع مختلف فروع السلطات المحتلة، وكذلك استمرار تعطيلها لقرارات المجلسين الوطني والمركزي الخاصة بقطع العلاقة مع الاحتلال، وهو ما يزيد من الانطباع السائد بأن السفينة الفلسطينية تتلاطمها الأمواج دون توجيه صحيح يخرجها من العواصف التي قد تمزقها وتغرقها. 

ليس الغرض من هذا النص نقد شوق أهلنا لبلادهم، لبحرهم، لمدنهم، ولكن أولًا البحث عن إجابة لغياب الموقف الوطني الواضح من هذه الفخاخ التي تخدم الصورة الإعلامية للاحتلال، وتستهدف اختراق وعي أبناء شعبنا الرافض لهذا المحتل ولكامل وجوده في أرضنا. وثانيًا إثارة التساؤل الوطني حول لجوء أهلنا إلى هذه الخيارات الفردية تعبيرًا عن مشاعر وطنية وإنسانية نبيلة في جوهرها وفي معظمها. 

واجبنا كشعب تحت الاحتلال، وحقنا، هو مقاومته، ورفض التعامل معه، وإظهار ما نستطيع من أشكال هذا الرفض بكل الطرق الممكنة، واستمرار هذه الثغرة التي تبدو كقبول بما يفرضه الاحتلال من نظم للفصل، والقمع، والتطويع، والترهيب، هو تعبير عن خلل وطني كبير، تتحمل مسؤوليته كل مكونات العمل الوطني، وإن كان هذا لا ينفي المسؤولية الفردية بضرورة الحذر الدائم من كل ما يطرحه الاحتلال، والتعامل معه بمنطق التصدي والمقاومة.