Menu
حضارة

«الصفقة» ليست نبتاً شيطانياً

علي جرادات

في ذروة انتفاضة 87 الشعبية الكبرى، وحتى قبل انعقاد «مؤتمر مدريد للسلام»، عام 1991، وفقط لأن الولايات المتحدة، بقيادة إدارة بوش الأب، وافقت، عام 1988، على مبدأ إقامة قناة اتصال مع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، وافقت الأخيرة على الاعتراف بالقرار 242، وعلى «نبذ الإرهاب»، (المقاومة)، واعتبار الميثاق الوطني متقادماً، (كادوك). هنا، نجحت الولايات المتحدة في تجريد القيادة الرسمية الفلسطينية من أوراق قوتها السياسية والميدانية، تحت ستار، أو قُل: خديعة ضرورة طمأنة ربيبتها «إسرائيل»، وتشجيعها على الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، وقبول التفاوض معها، وفق معادلة «الأرض مقابل السلام»، علماً أن الأرض المقصودة، هنا، هي ليست سوى الأراضي التي اُحتُلت عام 67، أي الضفة وقطاع غزة. ومن المفارقات، هنا، أن يستخدم جون كيري، كوزير للخارجية في إدارة الرئيس أوباما، عام 2014، الخديعة ذاتها التي استخدمتها إدارة بوش الأب، عام 1988، لتمرير ما سماه، أي كيري، في حينه، «اتفاق إطار» أو «إطار اتفاق»، يُسقط قضايا اللاجئين و القدس والمستوطنات والحدود والمياه، ويُقدَّم باسم «اللجنة الرباعية الدولية».
مقصود الكلام أعلاه القول: منذ انطلاق «مؤتمر مدريد للسلام»، عام 1991، وحتى إعلان الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة ل«إسرائيل»، عام 2017، لم تكفّ الولايات المتحدة عن ترويج فكرة أن ثمة إمكانية لتسوية جوهر الصراع العربي- «الإسرائيلي»، القضية الفلسطينية، عبر التفاوض الثنائي المباشر تحت الرعاية الأمريكية، بل وترويج فكرة أن التوصل إلى هذه التسوية بات في متناول اليد. والأنكى، هنا، هو أن الولايات المتحدة لم تكفّ، أيضاً، عن الضغط على القيادة الرسمية الفلسطينية، لتقديم المزيد من أوراق قوتها، وصولاً إلى محاولة انتزاع اعترافها ب«إسرائيل»، (غير محددة الحدود أصلاً)، «دولة للشعب اليهودي»، بما يعني تصفية القضية والحقوق والرواية الوطنية الفلسطينية، وهو الأمر الذي تجرأت الإدارة الأمريكية الحالية، برئاسة ترامب، على الإفصاح عنه في خطة أمريكية- «إسرائيلية»، ما انفك الثلاثي كوشنر وغرينبلات وفريدمان يعمل على تمريرها. 
لقد بددت القيادة الرسمية الفلسطينية 27 عاماً في البحث عن تسوية «الأرض مقابل السلام»، ليتضح للجميع أن موانع التوصل إلى «تسوية متوازنة»، ولا نقول عادلة، إنما تكمن في لاءات النظام السياسي العدواني التوسعي ل«إسرائيل»، وليتضح، أيضاً، أنه على الرغم من التمايز النسبي بين حكومات «إسرائيل» هذه، فإنها جميعاً تتبنى ذات اللاءات، وليتضح، أيضاً، أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة تتبنى هذه اللاءات، وأن التمايز بينها هو مجرد تمايز نسبي كمي ليس إلا، بما يؤكد أن خطة الإدارة الأمريكية الحالية لتصفية القضية الفلسطينية، ليست نبتاً شيطانياً، بل حصيلة 27 عاماً من الرهانات الفاشلة والمُدمرة على الولايات المتحدة التي تتبنى لاءات حليفتها الثابتة «إسرائيل»، وهي:
لا للاعتراف بحق اللاجئين في العودة إلى ديارهم الأصلية، ولا للإقرار بمسؤولية «إسرائيل» التاريخية والسياسية والأخلاقية عن تشريدهم؛ ولا للتخلي عن (القدس الموحدة عاصمة ل«إسرائيل»)؛ ولا لإخلاء الكتل الاستيطانية الثلاث الكبرى في شمال ووسط وجنوب الضفة، أي لا لوضعها تحت أي سيادة غير السيادة «الإسرائيلية»، بل ولا لإخلاء أية مستوطنة تقع خارج هذه الكتل الثلاث التي صارت أربعاً بعد أن أضاف نتنياهو «كتلة بيت إيل» إليها؛ ولا لانسحاب الجيش «الإسرائيلي» من المعابر والحدود الشرقية للضفة، ولا لإزاحة جدار الفصل والتوسع بما يحوله، مع ما التهم من أرض، إلى حدود سياسية؛ ولا لوقف أو حتى تجميد عمليات الاستيطان والتهويد الماضية على قدم وساق في أراضي الضفة، بما يعني إنكار اعتبارها «أرضاً محتلة»؛ ولا للإقرار بقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالصراع خارج القرار 242، بل واعتبار هذا القرار قراراً للتفاوض، وليس للتنفيذ؛ ولا لإبرام أي «اتفاق نهائي» قبل الاعتراف ب«إسرائيل» «دولة للشعب اليهودي»؛ ولا، وهنا بيت القصيد، لاستمرار المطالب الفلسطينية بعد التوصل إلى «اتفاق نهائي» وفق اللاءات السابقة.
هذا يعني أن هذه المعادلة لم تكن سوى الستار أو الخديعة لتجريد الطرف الفلسطيني من عوامل قوته، والضغط عليه، بأشكال مختلفة، في السر حيناً، وفي العلن حيناً، لانتزاع قبوله ب«اتفاق نهائي» يلبي لاءات «إسرائيل» آنفة الذكر، بما يؤكد أن حديث الولايات المتحدة عن جاهزية ربيبتها «إسرائيل» واستعدادها للتسوية السياسية، كان، منذ البداية، مجرد ذرٍّ للرماد في العيون، وأن مشروعها، أي الولايات المتحدة، لتسوية الصراع، كان منذ البداية، أيضاً، مشروعاً لفرض الاستسلام على الشعب الفلسطيني.