Menu
حضارة

حول أزمة الجبهة الشعبية التونسية

محمد صالح التومي - المعروفي

انطلق النقاش لبناء الجبهة الشعبية التونسية في أواخر 2011 وبدايات 2012 على خلفية فشل تجربتين سابقتين انبعثتا على كرتين تحت مسمى "جبهة 14جانفي"...

كان واضحا منذ البداية أن دافع بعض المكونات المؤسسة هو فقط تجاوز الفشل الذريع الذي مُنيت به أحزاب" اليسار" في انتخابات " المجلس التأسيسي" التي جرت آنذاك في شهر أكتوبر 2011...أي أشهرا بعد إجبار رأس النظام على الخروج من البلاد في ملابسات كثيرة التعقيد اختلط فيها ماهو داخلي مع ماهو خارجي.

ولكن بعض المكونات المؤسسة الأخرى كانت تحدوها الرغبة في إيجاد إطار سياسي جامع يخدم أهداف الحركة الشعبية وانتفاضاتها المتتالية و هي الأهداف التي وقع التعبير عنها في انتفاضة 17 ديسمبر/كانون الأول 2010 من خلال ذلك الشعار الخالد الذي رفعته جماهير الشعب وبذلت من أجله دماء غزيرة من دماء شبابها ألا وهو شعار:

" شغل،حرية ،كرامة وطنية"؛

ذلك التباين في الدوافع هو ماخلق صراعا خطيا داخل الجبهة الوليدة بين من يريدون أن يكون الإطار مجرد تنسيقية انتخابية يتعاون أطرافها طبقا لموازين القوى بينهم على تحقيق أفضل النتائج الممكنة في كل المحطات الانتخابية وبين من يريدون أن يكون الإطار تنسيقية سياسية بأتم معنى للكلمة يمكن أن تحافظ فيها المكونات على وجودها ولكنها تكون تنسيقية مشاهَدة بذاتها وتعبر عن نفسها عبر دوائر مركزية و هياكل جهوية ومحلية وأبواب مفتوحة للانخراط تمكنها من الانتشار والانغراس بصفتها جبهة تعمل ميدانيا وفي اليومي من أجل معانقة كافة مطامح الحركة الشعبية المتنوعة؛

وكان مفهوما أن الخط الانتخابوي يمكن أن يؤدي إلى جعل الإطار الجامع الوليد إطارا للمحاصصة ويكون بطبيعة الحال في خدمة المكونات الحزبية فقط مع إمكانية أن يصبح أكثر من ذلك مجرد مطية لتحقيق طموحات بعض الأفراد لا غير،

في حين أن الخط النقيض كان يوجب امتثال الأفراد والمكونات الحزبية التي سميت آنذاك بالدكاكين إلى موجبات العمل المشترك تحقيقا لأهداف الحركة الشعبية، وهي الأهداف التي كان يحملها المنتظمون في أحزاب الجبهة ولكن كذلك غير المنتظمين الذين لا يقلون عنهم نضالية وحماسا...خاصة وقد اقتضت موجبات تاريخية متعددة أن يكونوا أكثر عددا من المنتظمين.

في نقاش عابر مع الرفيقة ليلى خالد المناضلة الفلسطينية المعروفة قالت لي في غمرة التفاؤل بانبعاث الجبهة الشعبية التونسية وهي في زيارة لبلدنا آنذاك :

إن جبهتكم ستكون مثالا يحتذى للقوى التقدمية داخل الوطن العربي بأكمله،

فأجبتها بشيء من الاحتراز : يمكن أن يكون هذا صحيحا ولكن شريطة أن تتجاوز هذه الجبهة الوليدة إشكالياتها... وهذا ما نرجوه لها.

أدى الصراع بين الخطين إلى انتصار الخط الانتخابوي بقيادة حزبي العمال والوطني الديمقراطي الموحد، ثم أفضى بعد ذلك إلى طرد بعض الأطراف المؤسسة (1) وإلى استقالة (2) أو انسحاب بعض الأطراف الأخرى(3)

ورغم بعض الألق الذي حصلت عليه الجبهة في الانتخابات التشريعية لسنة 2014 وتمكنها من تشكيل كتلة برلمانية معتبَرة وتحقيقها بعض الإنجازات النسبية من خلال الدفاع عن التنوير ومعارضة المصالحة مع الفساد والتقدم بمشروع قانون يرمي إلى تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني ، فقد اتضح بجلاء أن الخط الانتخابوي عاجز عن تحقيق الانتشار والانغراس ميدانيا وعن توحيد الجهود في مجاميع الشبيبة والطلبة والنساء وفي تحقيق أفضل النتائج في الأطر النقابية العمالية...

هذا فضلا عن عجزه الفادح في التوجه نحو جموع المزارعين الصغار والمتوسطين...حتى إن التجربة الرائدة التي تحققت بواحة " جمنة" لا يمكن نسبتها إلى تخطيط من "الجبهة" بل إلى حيوية الأهالي هناك وانضباطهم وراء قياداتهم المحلية.

ثم بدا عند النهاية وكنتيجة حتمية لكل هذا المسار أن "الجبهة" بخطها الانتخابوي أصبحت تعيش من خلال نشاط نوابها بالبرلمان فذلك ما انعكس على نتائجها الضعيفة في الانتخابات المحلية لسنة 2018 حيث عجزت عن التقدم في كل الدوائر ولم تحقق إلا نتائج لا يمكن وصفها إلا بأنها هزيلة إذ أظهرت ضعفها وأبانت عن سلوكيات انتهازية لدى بعض عناصرها حيث عقدوا تحالفات لا مبدئية من أجل الحصول على المواقع والمناصب...وهو ما كان موجودا من قبل ولكن ليس بالصفة التي انكشف بها مع هذه الانتخابات.

أما مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية المزمع إجراؤها سنة 2019 فقد استفحل الصراع المحموم على المواقع الانتخابية بدون أدنى نقاش للظروف التي ستقع فيها هذه الانتخابات أو للشروط الكفيلة بتحقيق انتخابات نزيهة حيث المال الفاسد يتدفق من كل صوب بدون رقيب ، وحيث المحكمة الدستورية يتم تعطيلها عن البروز وهي التي لها الكلمة الفصل في بعض الأمور المتعلقة بالتصويت ، وحيث يتلكأ القضاء ونتيجة "سياسة التمكين " التي طالته في الوصول إلى الحقيقة حول اغتيال الشهيدين شكري بلعيد والحاج محمد البراهمي...

وقد أدى هذا الصراع المحموم إلى انكشاف التناقضات التي كان يتم التستر عليها فأصبحت هذه التناقضات واضحة وبينة أمام ما بقي من أنصار "الجبهة " وأمام خصومها وأعدائها وحتى أمام عموم الشعب...

وتدنت مستويات الجدال بين الأطراف التي أصبحت متناحرة بعد اتحادها ظاهريا فيما سبق، مفصحة هكذا وفي بعض الأحيان عن نقص فادح في التكوين الإيديولوجي وحتى الأخلاقي وعن غياب ثقافة النقد والنقد الذاتي لديها و انعدام القدرة عند أفرادها على القراءة العلمية للمعطيات الواقعية وتقييمها التقييم الصحيح دون اتباع أعمى لرأي القيادات الذي يحتمل الخطأ منطقيا بمثل ما يحتمل الصواب...

ومع.بدايات شهر جوان / حزيران 2019 تفجرت الجبهة... "جبهة الأمل والعمل" و" جبهة الشهداء" كما كانت تسمى وذلك مع استقالة أغلبية النواب وعددهم تسعة من الكتلة البرلمانية (4) على خلفية النزاع حول من سيترشح باسم "الجبهة" للانتخابات الرئاسية...وهو نزاع بائس في الحقيقة ...لأنه لا أمل مطلقا لأي مرشح للجبهة في الوصول إلى هذا المنصب، هذا فضلا عن أن دستور2014قد صير النظام برلمانيا وأفقد رئيس الجمهورية صلوحياته ماكان يقتضي من طرف الخط الانتخابوي المراهنة على المجلس التشريعي وعدم التناحر على المنصب الرئاسي؛

وهكذا أصبحت "الكتلة" اليوم منحلة وذلك لمضي أجل الخمسة أيام التي تسبق الإعلان رسميا عن انحلالها من طرف رئاسة المجلس التشريعي...بقطع النظر عن إمكانية تكوين المستقيلين - في حالة إذا ما اتفقوا - لكتلة جديدة عناصرها أقل عددا من الكتلة الأولى.

ولم يبق بكتلة 2014 غير ستة نواب(5) أحدهم استقال فقط من منصبه كرئيس للكتلة(6)...وهي استقالة فاقدة للمعنى باعتبار أن الكتلة إذا انحلت لا يبقى بها رئيس بالضرورة.

فماذا بقي أن نقول؟

نقول إنه من الواجب التفريق بين الحركة الشعبية الحاملة للطموحات الواجب تحقيقها في لحظة تاريخية معينة وبين الأطر التي تنبعث من أجل تحقيق تلك الطموحات،

كما نقول إن الطموحات التاريخية لا تزول بزوال تلك الأطر أو بتفجّرها- مهما كانت أهميتها مرحليا- وإنما تبحث لنفسها عن أطر جديدة لتحقيق ذاتها،

ولعلني أريد هنا أن أعود إلى كلام كُتب في نهايات سنة 2013( أي 6سنوات قبل الآن) باسم "شبكة المناضلين الجبهويين"،وهي طرف مؤسس للجبهة،ونُشر على صفحات التواصل الاجتماعي لأن جريدة " المغرب" اليومية لم تنشره آنذاك،

جاء ذلك الكلام تحت عنوان،: " الجبهة الشعبية بين الرهانات الخاسرة ووجوب التمسك بالثوابت الوطنية والديمقراطية والاجتماعية" ، وقد ورد ببعض فقراته مع شيء من التحيين مايلي(7):

"إن الجبهة الشعبية (كانت عند انبعاثها) جبهة كل مناضل ساهم في بنائها، وكل فرد من أفراد الجماهير الغفيرة وضع فيها آماله ورأى من خلالها القدرة على تجسيم طموحات التحرر الوطني و الانعتاق الاجتماعي والديمقراطي للشعب،

وهكذا فإن ( هذه الطموحات) لا يمكن أن تظل أسيرة لأي طرف ( أو إطار تنظيمي) خرج بها عن مسارها أو أدّت أخطاؤه إلى ( ما عليه تنفيذها ) من أوضاع سلبية....

( ولا بد هنا من إطلاق) نداء في اتجاه كل المعنيين باستكمال اهداف ( الحركة الشعبية) وذلك بضرورة التوحد ورصّ الصفوف من جديد استرجاعا لما تآكل من الرصيد المعنوي (...) ، ومواصلة للعمل تحت مختلف الظروف ( والصعوبات) وصولا إلى :

إبداع الأشكال التنظيمية والمضامين النضالية الكفيلة استراتيجيا وتكتيكيا ( من داخل إطار الجبهة الشعبية كما من خارجها) باستكمال اهداف المسار الثوري وتحقيق الشعارات التي رفعها الشعب في آخر انتفاضاته والمنادية :

- بالشغل... كسبيل للحياة الكريمة وللعدالة إلاجتماعية،

- وبالحرية...كشرط ( ضروري) للوجود الإنساني،

وبالكرامة الوطنية ...كطريق لخلاص تونس نهائيا وبوصفها جزءا من الوطن العربي من هيمنة الدوائر المالية والسياسية الأجنبية."

----------------------------------------------------------------------------

(1) الأطراف المؤسسة المطرودة هي: حزب "الوطد" الثوري وأمينه العام آنذاك جمال الأزهر، وحزب تونس الخضراء (عبد القادر الزيتوني) والجبهة الوحدوية(عمر الماجري).

(2)الحزب المستقيل هو حزب النضال التقدمي( محمد الأسود).

(3)الطرف المنسحب من الموقع القيادي للجبهة على ضوء تحالف "الجبهة " مع حزب النداء آنذاك هو شبكة المناضلين الجبهويين، ومنسقها هو كاتب هذه الأسطر.

(4)النواب المستقيلون من الكتلة البرلمانية هم : فتحي الشامخي ،ونزار عمامي، وهيكل بلڨاسم،وعبد المؤمن بلعانس،وأيمن العلوي وزياد لخصر، ومنجي الرحوي، ومراد الحمايدي ، وشفيق العيادي...و ينتمون إلى الحزب الوطني الديموقراطي الموحد وإلى التيار التروتسكي وإلى المجموعة المنشقة عن حزب العمال.

(5)النواب غير المستقيلين هم: الجيلاني الهمامي ومباركة البراهمي وسعاد الشفي وعمار عمروسية وطارق البراق وينتمون ألى حزب العمال والتيار الشعبي.

(6)الذي استقال من رئاسة الكتلة هو النائب أحمد الصديق وينتمي إلى حزب الطليعة العربية التقدمية.

(7)يشمل التحيين الكلمات الموضوعة بين قوسين فقط.