Menu
حضارة

خرافة "اليسار الإسرائيلي"

كميل أبو حنيش

لعل أبرز ما يميز الكيانات الاستعمارية الاستيطانية أنها كيانات محكومة لطبيعتها العدوانية والتوسعية يؤسسها ويقودها ويحكمها قادة وحركات وأحزاب يتسلحون بأيديولوجيات يمينية عنصرية محافظة تغلب عليها الأساطير والخرافات وتتمسح بالدين بهدف تبرير جرائمها وإبادتاها للسكان الأصليين واغتصاب أراضيهم، وبالتالي فإن الماركسية وثقافة اليسار لا يمكن أن تنمو وتتجذر في هذه الكيانات؛ لأن ثمة خلاف وتناقض جوهري بين الفكر الماركسي وما يحمله من مضامين إنسانية واجتماعية وثقافية وسياسية وبين الفكر الاستعماري الاستيطاني التوسعي الرأسمالي، فالكيانات الاستيطانية ببساطة كيانات عدوانية تقوم على أنقاض الشعوب الأصلية وتنهب ثرواتها وتضطهدها وتشكل خطراً على الدول المجاورة وهي لا يمكن أن تعتنق الماركسية، وإن وجد تياراً ماركسياً أو يسارياً في هذه الكيانات فإنه في الغالب يكون ضعيفاً ومشوهاً، ولا يتعدى بعض الحلقات والتيارات الصغيرة التي تعوزها الإيديولوجيا المتماسكة، وفي العادة يجري قذفها إلى الهامش السياسي كما يوصفون عادة بالراديكاليين، فيما تستمر عملية ملاحقتهم وحصارهم وتهميشهم، وبالطبع دولة الكيان الاستعماري الاستيطاني الصهيوني ليست استثناءً لهذه القاعدة.

والفكر الماركسي عموماً هو فكر إنساني عابر للقوميات والأديان والثقافات ولا يمكن أن يتقاطع مع الفكر الفاشي العنصري، وهو أيضاً فكرٌ منحاز للطبقات الشعبية الفقيرة العمال والفلاحين، ولا يشجع على الثراء واقتناص الفرص على حساب وجود ومصالح الآخرين، وهو كذلك فكرٌ ديمقراطي اجتماعي والأهم من كل ذلك هو فكرٌ ثوري يسعى دائماً للثورة والتغيير ولا يميل إلى المحافظة والحفاظ على المصالح القائمة.

وإذا أمعنا النظر فإننا لن نجد أي سمةٍ من هذه السمات تنطبق أو تلتقي مع ما يسمى "اليسار الإسرائيلي" وأحزابه المختلفة ليست بالوقت الحاضر فحسب وإنما أيضاً منذ انطلاق المشروع الصهيوني قبل أكثر من مئةٍ وعشرين عاماً.

فالمشروع الصهيوني وُلد من رحم المشروع الإمبريالي الرأسمالي العالمي، وتولته ورعته في بداياته بريطانيا رأس الإمبريالية في ذلك الحين، والآن تتولاه وترعاه وتسانده الولايات المتحدة رأس الإمبريالية العالمية هذه الأيام، ولم يقدم أحدٌ نفسه من قادة المشروع الصهيوني على أنه ماركسياً ولم تكن أصلاً أهداف المشروع الصهيوني تحمل أي مضمون إنساني أو أخلاقي، بل جرى الكشف عن مضامينه وأهدافه منذ البداية بوصفه تشكيلاً استيطانياً يهودياً مرتبطاً بالمنظومة الاستعمارية العالمية ويشكل أداة وظيفية لها. ومع توالي الهجرات اليهودية إلى فلسطين في بدايات القرن العشرين والبدء في ترجمة المشروع الصهيوني على الأرض ظهرت بعض الحركات والتيارات المتأثرة بالفكر الاشتراكي وتعتنق فكراً هلامياً يدمج بين الأفكار الصهيونية العنصرية والإيديولوجيا الاشتراكية، لتقوم على أساسها لاحقاً أحزاباً وحركات صهيونية ستتولى الإشراف على المستعمرات اليهودية وتشكل رأس الحربة في السيطرة على الأراضي الفلسطينية وارتكاب الجرائم وطرد الشعب الفلسطيني وتتولى إقامة الدولة وحكمها لسنوات طويلة.

في الواقع لم يتبنَ أي من الحركات والأحزاب الصهيونية "الماركسية" أي أيديولوجيا في خطابه وممارساته السياسية، باستثناء الحزب الشيوعي الذي ضم عرباً ويهوداً قبل أن يتساوق مع المشروع الصهيوني وينخرط في نظامه السياسي بعد إقامة الدولة العبرية.

أما بقية الأحزاب كالماباي والمابام والتي أثمرت لاحقاً أحزاب العمل وميرتس وبعض الحركات الأخرى والتي اعتبرت في التصنيف السياسي الإسرائيلي الداخلي بأنها أحزاب تنتمي إلى معسكر اليسار فإن قيادتها للدولة الصهيونية وسياساتها العدوانية الفاشية في الداخل والخارج ينفي عنها إطلاقاً صفة اليسارية.

وقد شكل الكيبوتس والموشاف اليهودي الذي قام على أسس تعاونية وعلى شكلٍ من أشكال الاشتراكية قاعدةً مهمة لهذه الأحزاب، وربما كانت هذه المستعمرات ونمط العمل فيها هي إحدى العوامل التي أدرجت هذه الأحزاب في خانة اليسار، إلا أن هذه الصيغة من العمل الاشتراكي والتعاوني ليست دليلاً على ماركسية ويسارية هذه الأحزاب أو الدولة أو المجتمع؛ لأن الكيانات الاستعمارية الاستيطانية في مختلف التجارب الاستيطانية انتهجت هذا الشكل التعاوني حتى قبل ظهور الماركسية والاشتراكية بقرون. فهذه الكيانات مع بدايات تجربتها الاستيطانية وتشكل مجتمعها والتي عادةً ما تبدأ كمستعمرات زراعية تسعى إلى نهب أراضي السكان الأصليين وذبح أو طرد سكانها فإنها تنتهج الشكل التعاوني الجماعي لظروف وأسباب مختلفة، وتنشأ الحاجة لمثل هذا الشكل لاعتبارات وضرورات استيطانية وأمنية وعسكرية، ولا تعبر عن رؤية إنسانية وفكرية وأخلاقية وهذا ما حدث مع مختلف التجارب الاستيطانية كالولايات المتحدة وكندا واستراليا ونيوزيلاندا وجنوب افريقيا وزيمبابوي قبل أن تتحول الدولة والمجتمع إلى النمط الإنتاجي الرأسمالي بعد أن تكون قد أتمت مهمتها بالقضاء على السكان الأصليين أو طردهم والسيطرة على أراضيهم وثرواتهم وهذا أيضاً ينطبق على المشروع الصهيوني في بداياته وما يعرف بحقبة "اليشوف".

كما أن اشتراكية الدولة وسيادة القطاع العام فيها على حساب القطاع الخاص لا يدل على يسارية أو ماركسية الدولة أو الحزب الذي يقود حكومتها، وقد تعارف على مثل هذا الشكل من الاقتصاد في ألمانيا في عهد النازية وأيضاً طُبق في عددٍ من الدول التي تعتنق الأيديولوجيا القومية وهذا الشكل من الاشتراكية يسمى بالاشتراكية الوطنية.

لقد قام الاقتصاد الصهيوني في بدايات المشروع الصهيوني على الملكية الجماعية لأن ضرورات بناء الدولة تقتضي مثل هذا الشكل الجماعي التعاوني، وهذا الأسلوب لا يعبر عن ماركسية أو اشتراكية المستعمرات اليهودية، ومنذ البدايات قام هذا المشروع باستهداف وطرد الفلاحين الفلسطينيين من أرضهم، وعلى أساس التمييز العنصري بين العامل اليهودي والعامل العربي، ولاحقاً وبعد الإعلان عن الدولة والمباشرة في عملية بنائها اقتضت هذه الضرورة أن يقوم القطاع العام بتولي هذه المهمة لأن مثل هذا التحدي لا يمكن أن يعهد به إلى القطاع الخاص، وبهذا فإنه نتيجةً لهذه السياسات التي اقتضتها غايات الاستيطان والأمن والحروب جرت تسمية هذه الحركات والأحزاب الصهيونية التي قادت هذه العملية بالأحزاب اليسارية وأطلق على المعسكر الذي كان يتولى تشكيل الائتلاف الحكومي باليسار الإسرائيلي، ولاحقاً صار كل من يؤيد التسوية والسلام مع العرب، ويطالب بانسحابات من الأراضي الفلسطينية والعربية يجري إلحاقه بهذا المعسكر ويطلق عليه "يساري".

إن هذه الدولة وفي ذروة حكم هذا "اليسار" كانت متحالفة مع الإمبريالية ومعادية للشيوعية وفي عهد هذا "اليسار" خاضت دولة الكيان معظم الحروب وارتكبت المذابح والتطهير العرقي وكانت صاحبة المشروع الصهيوني في الضفة و غزة والجولان بعد احتلال عام ٦٧، ومن المعروف أن ما يطلق عليه "اليسار الإسرائيلي" قد تراجع في العقود الثلاثة الأخيرة بصورة ملحوظة وهذا التراجع له أسبابه الخاصة بتحولات الاقتصاد الإسرائيلي وانتهاجه الطريق الليبرالي، بالإضافة إلى موجات الإجراءات المتلاحقة التي أخذت تندمج مع أسس الاقتصاد الجديد، علاوةً على جفاف قواعد حزب العمل بعد تراجع أهمية الكيبوتس والموشاف في الاقتصاد والمجتمع والثقافة الصهيونية لصالح المدن الكبرى والحياة الفردية واقتصاد السوق وتراجع القطاع الزراعي الذي يشكل العمود الفقري لاقتصاد الكيبوتس والموشاف لصالح الصناعات التقنية الدقيقة والمتطورة.

ولا يعبر "اليسار الإسرائيلي" عن أيديولوجيا متماسكة ولا يمثل طبقات محددة كما يحاول حزب العمل أن يزعم أنه يمثل طبقات العمال والفقراء وكانت نتائج الانتخابات الأخيرة كارثية بالنسبة لحزب العمل الذي حصل على ستة مقاعد وهو ما ينذر بتلاشيه واندثاره في المستقبل، أما حزب ميرتس الذي يعتبر نفسه أنه ممثلاً لليسار الحقيقي في إسرائيل فهو يعد ممثلاً للطبقة الوسطى العلمانية ويحمل أيديولوجية هلامية تشكل خليطاً من أفكار علمانية وليبرالية وهو حزب أقرب إلى أحزاب الوسط السائدة في أوروبا، ولعل من أبرز ما يميزه عن بقية الأحزاب الصهيونية هو دعوته المثابرة للسلام مع العرب والفلسطينيين مع إن رؤيته للسلام والتسوية لا تقل عن سقف الإجماع الصهيوني في قضايا الحل النهائي.

ومن اللافت للانتباه أن كلمة يساري تحولت إلى شتيمة وإتهام في السنوات الأخيرة وكان نتنياهو هو من دشن هذا العهد بعد أن أخذ يتهم الصحافة والقضاء وخصومه السياسيين وكل مَن ينتقد سياساته باليسارية، وطالت هذه التهمة عشرات الصحفيين والأكاديميين والمثقفين والقادة السياسيين.

ففي انتخابات العام ٢٠٠٩ اتهم نتنياهو حزب كاديما وزعيمته تسيفي ليفني القادمة من الليكود باليسارية، وفي انتخابات عام ٢٠١٣ وانتخابات عام ٢٠١٥ اتهم منافسيه أيضاً باليسارية، أما في الانتخابات الأخيرة التي جرت في نيسان الماضي من هذا العام فقد اتهم حزب "أزرق أبيض" وزعمائه باليسارية، رغم أن هذا الحزب يضم قادة وعناصر يمينية متطرفة كموشي يعلون ومؤيدوه، وفي سياق هذه المعركة الانتخابية الماضية انتقلت هذه التهمة والشتيمة إلى معسكر اليمين ذاته، حيث اتهم قادة معسكر اليمين بعضهم بعضاً باليسارية حتى أُتهم نتنياهو ذاته باليسارية لكسب الدعايات الانتخابية بإحدى الحركات اليمينية، وقد وصلت هذه التهمة ذروتها في الأزمة الأخيرة التي قادت إلى تحديد موعد انتخابات جديدة بعد إصرار ليبرمان على مطالبه عندها استشاط نتنياهو غضباً واتهم ليبرمان بأنه يساري، وهو ما جعل ليبرمان في اليوم التالي يسخر من هذا الاتهام لأنه ليس بحاجة إلى نفي هذه التهمة ولإثبات يمينيته العنصرية التي تُزكم الأُنوف، ولكنه اكتفى بمطالبة قيادات حزب الليكود وعلى رأسها نتنياهو أن يذهبوا إلى أطباء نفسيين.

وربما كان ليبرمان محقاً بهذه السخرية، لأنه يدرك أن الكيانات الاستيطانية العنصرية لا يمكن لها أن تشكل دفيئة لنمو الأفكار اليسارية، فالمستوطن القادم من أصقاع العالم جاء ليستوطن ويضطهد غيره ومحركه الأساسي هو الثراء واقتناص الفرص، ولا يأتي بأهداف إنسانية، وإذا كان محركه أيديولوجياَ لا يمكن أن تكون هذه الإيديولوجية يسارية وإنما إيديولوجية يمينية عنصرية. وإذا كان اتهام نتنياهو لليبرمان باليسارية ينضوي على دلالات ومفارقات ساخرة وبليغة، فإننا نكتفي بالقول بأن يسارية الأحزاب الصهيونية تشبه تماماً يسارية ليبرمان، وهذه إحدى غرائز المجتمع الصهيوني الاستيطاني الذي يفتقد القدرة على تعريف القوميات: يبني دولته في الشرق ويدعي أنه ينتمي للغرب، ويتفاخر بعنصريته ويطلق عليها ديمقراطية، ويخوض الحرب ويتحدث عن السلام والبقاء.. إلخ، وما اليسارية إلا إحدى هذه المفارقات التي تبعث على الدهشة وتنضوي على سخريات مضحكة.