Menu
حضارة

اثنان وخمسون عاماً على النكسة

يوسف مكي

صادف هذا الأسبوع، ذكرى مرور 52 عاماً على نكسة الخامس من يونيو/ حزيران 1967م، حيث كانت خسائر العرب فادحة. فقد سقطت شبه جزيرة سيناء بأكملها، كما سقطت الضفة الغربية، ومدينة القدس ، ومرتفعات الجولان السورية. ما يهم في هذا الحدث هو تداعياته على الأمة العربية، التداعيات التي ظلت ماثلة وملقية بثقلها على الواقع العربي حتى يومنا هذا.

إن حدة تلك التداعيات بلغت حد اعتبار النكسة، نقطة تحول فاصلة في تاريخ العرب، بحيث بات التاريخ، يفصل بشكل واضح بين النكسة وما قبلها. وقيلت بعد النكسة قصائد الرثاء والنعي، للأمة العربية، نُخُباً، وقيادات وللثقافة والفكر الذي ساد قبلها. وكان الأبرز بين تلك المرثيات القصيدة الشهيرة، لنزار قباني، «هوامش على دفتر النكسة»، لتتلوها سلسلة طويلة من جلد الذات، والمطالبة بانتقال رئيسي في سياسات العرب وتوجهاتهم الفكرية.

ويجدر في هذا السياق، أن نشير إلى أن ما اتفق على تسميتها بحرب يونيو/ حزيران، لم تكن حرباً حقيقية، ذلك أن المقاتل العربي، لم يتمكن فيها من الكشف عن قدراته القتالية. فعلى الجبهة المصرية، على سبيل المثال، حسمت الحرب لصالح الكيان الصهيوني، في الساعة الأولى، بعد الهجوم الجوي على المطارات والقواعد العسكرية المصرية. 

وعلى الجبهة الأردنية، كان واضحاً منذ البداية، افتقار الجيش الأردني للسلاح القادر على مواجهة العدو. فبعد عدة سويعات من القتال، نضب السلاح الأردني، وبدأت المواجهة بالسلاح الأبيض. وانسحب الجنود الأردنيون، إلى الضفة الشرقية لنهر الأردن. فكان سقوط الضفة الغربية، بأكملها، ومعها المدينة المقدسة، تحت براثن الاحتلال «الإسرائيلي».

وبالنسبة لسوريا، سقطت مرتفعات الجولان الحصينة، في اليوم الرابع للحرب. وإذا أخذنا عدد الخسائر في الأرواح بين السوريين، على تلك الجبهة، والتي لم تتجاوز ألفاً ومئتين من الشهداء، أمكننا القول، إنه لم تجر حرب حقيقية بين الجيش السوري، والجيش «الإسرائيلي» على تلك الجبهة. 

ولا شك أن انهيار الجبهة المصرية، في الساعات الأولى للحرب، تركت آثاراً نفسية عميقة، وندوباً كبيرة، على الجنود المقاتلين بالجبهتين، الأردنية والسورية. ويعزو الكثير من المحللين، الانهيار السريع على جبهتي سوريا والأردن، إلى انهيار جبهة مصر، الذي لم يكن وارداً مطلقاً في حسابات العسكريين، الأردنيين والسوريين، وبشكل أدق لم يكن في حسابات الشعب العربي بأسره. 

كان الأمل، أن تكون تلك الحرب، معركة تحرير لفلسطين، فإذا بها تضيف مساحات كبيرة، من الأرض العربية، إلى الاحتلال الصهيوني. وكانت تلك المقدمات هي بوابات سيادة فكر الهزيمة، والانتقال في السنوات اللاحقة، إلى تغيير طبيعة الصراع، من مشروع تحرير لفلسطين، إلى مشروع إزالة آثار العدوان، ومن صراع وجود إلى صراع حدود، ومن مقاومة، تعتمد الكفاح المسلح، استراتيجية لتحرير فلسطين، من النهر إلى البحر، إلى كفاح سياسي، من أجل إقامة دولة فلسطينية، مستقلة، على الأراضي الفلسطينية التي تم احتلالها في حرب يونيو/ حزيران عام 1967م، وتكون مدينة القدس عاصمة الدولة الفلسطينية المرتقبة.

ينبغي في كل الأحوال، الاعتراف، بأن العرب، وبشكل خاص دول المواجهة لم تمتلك استراتيجية عملية، لردع العدوان. وربما كان التعويل قوياً على المساندة الدولية للعرب، في حال عدم مبادأة العدو بهجوم استباقي على مواقعه، كما حدث في العدوان الثلاثي على مصر عام 1965. لكن مثل هذا التعويل، يغفل التحولات الكبيرة، التي طرأت على السياسة الدولية. 

فالعدوان الثلاثي، عام 1956، وجد معارضة قوية من زعامة الاتحاد السوفييتي، ومن إدارة الرئيس الأمريكي أيزنهاور، كل منهما لأسبابه الخاصة. فروسيا، خرجت منتصرة في الحرب العالمية الثانية، وقد دخلت في حرب باردة - ساخنة، مع الغرب، ورأت في الوقوف ضد العدوان، ما يعزز طموحاتها العسكرية، وتوجهاتها العقائدية، وسياساتها الداعمة لحركات التحرر الوطني، في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية. أما الرئيس أيزنهاور، فقد وجد برفضه للعدوان الثلاثي، فرصة لاستكمال خطة الرئيس روزفلت لما بعد الحرب، من إزاحة للاستعمار التقليدي، وبداية عهد الاستعمار الجديد.

حين حدثت حرب يونيو/ حزيران، كان هناك انتقال في الفكر السياسي للقيادة السوفييتية، بعد وصول الثلاثي، بريجينف، وكوسيجن، وبدجورني، للحكم، عماده تعزيز التنافس السلمي مع الغرب، والعمل على التوصل إلى معاهدة للحد من إنتاج الأسلحة النووية. وبالنسبة للولايات المتحدة، فإن منطقة الإزاحة الذي رسخته سياسات ما بعد الحرب، اقترب من تحقيق أهدافه النهائية. والكيان الصهيوني، كان منذ تأسيسه حليفاً وأسطولاً عسكرياً ثابتاً للولايات المتحدة. 

كانت هناك في الواقع ثغرات كبيرة، في السياسات العربية، كما كان هناك ارتجال في بعض الخطوات العسكرية، في المواجهة مع العدو، لكن ذلك لا ينبغي أن يكون نهاية المطاف، فالمقاتل العربي، على الجبهة المصرية، قام بعمليات بطولية ضد العدو، بعد أيام قليلة، بدأت بإغراق مدمرة «إسرائيلية» في ميناء إيلات، ليتبعها بعد أشهر قليلة، حرب استنزاف، أثبت فيها الجندي المصري، قدرته على القتال، وكسرت أسطورة العدو الذي لا يقهر. وكانت تلك مقدمات معركة العبور العظيمة في أكتوبر/ تشرين عام 1973م. 

وهنا يجدر التذكير، أن الخسائر في الحروب ليست دائماً مدعاة لتغيير في الفكر السياسي. دليلنا على ذلك أن أوروبا خاضت حربين عالميتين، مدمرتين، لكن إرث الحرية والديمقراطية، والاقتصاد الحر، بقي على ما هو عليه، حتي يومنا هذا. ينبغي البحث دائماً عن عناصر القوة لدينا، والتوقف عن جلد الذات، وممارسة السياسة من غير تفريط في الحقوق، والتأكيد على أن السلم، لا ينبغي أن يكون على حساب حق الشعب العربي الفلسطيني، في الحرية وتقرير المصير.