Menu
حضارة

عن الموقف البريطاني من قرار التقسيم (ج3)

عبد الرحمن البيطار

في الحلقة السابقة، بَيَّنتُ كيف أن السلوك الرسمي لإدارة الانتداب البريطاني على فلسطين فيما يتعلق بالعمل على توفير شروط تطبيق قرار تقسيم فلسطين كان سلبياً، وأن مسؤولين في إدارة الانتداب كانوا بالفعل يضعون العثرات أمام عمل “لجنة الأمم المتحدة” المُشَكَّلة بموجب أحكام القرار والمُفَوَّضة من الأُمم المتحدة بتسلم المهام والمسؤوليات -تدريجياً خلال الفترة الانتقالية ما قبل الانسحاب البريطاني من فلسطين- من سلطات الانتداب البريطاني في فلسطين في سياق عملية وضع قرار التقسيم مَوْضع التطبيق.

ورأينا أيضا أن سلوك إدارة الانتداب في فلسطين وموظفيها على أرض الواقع كان يَشي بوجود انقسام في أوساط المسؤولين البريطانيين هناك بين مُتعاطفين مع الحركة الصهيونية ويؤيدون التقسيم، وبين غير متعاطفين معها ويعارضونها، وأن هذا الانقسام جعل هؤلاء المسؤولين يتعاطون مع الأمور في تلك الفترة بشكل مختلف، وفي أحيان كثيرة بشكل لا يعبر عن الموقف الرسمي للحكومة البريطانية.

لنَستأنف الآن رحلة الإبحار في تفاصيل الموقف البريطاني من قرار التقسيم في ذلك الوقت، أي خلال الفترة الممتدة من تاريخ صدور القرار في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧ وحتى ١٥ أيار ١٩٤٨، وذلك كما يعرضها دان كيرزمان في كتابه المعنون “جِينِيسس ١٩٤٨”، أي ” التكوين ١٩٤٨”.

يقول كيرزمان، أن أعضاء اللجنة الخاصة بتطبيق قرار التقسيم والمُشَكَّلة من قبل الأُمم المتحدة بموجب أحكام القرار نفسه، قَدَّموا تقارير لمجلس الأمن يتهمون فيها بريطانيا بالإحجام عن التعاون مع اللجنة، وأنها لا تَمتثل لقرار الأُمم المتحدة المذكور، وأعلمت اللجنة مجلس الأمن أنه ما لم يقم المجلس بتوفير قوة مسلحة لتطبيق القرار، فإن اللجنة سوف لا تستطيع القيام بمسؤولياتها عند انقضاء مدة الانتداب البريطاني على فلسطين.

وفي سياق ذلك، ذكرت اللجنة بأن ذلك سيؤسس لتشكيل سابقة خطيرة وكارثية (في تاريخ الأُمم المتحدة) وذلك في حال أنَّ القوة، أو التهديد باستعمالها لفرض إرادة الأمم المتحدة لم (تنجح في أن) تُشكل رادعاً كافياً (للمعنيين بالأمر لتطبيق القرار وعدم وضع عثرات في طريق تطبيقه).

وبالرغم من ذلك، يقول كيرزمان، فإنَّ البريطانيين كانوا ما زالوا يأملون في أن يفوز اليهود بدولة أصغر بكثير من تلك التي رَسَمها قرار التقسيم لهم، أي دولة، افترض البريطانيون أن اليهود سيقبلوها كثمن لقاء توفير حماية لهم من مَذْبحة (كان يبدو أنها ستحيق بهم)  .

ويُضيف كيرزمان، أن وزير الخارجية البريطاني تباحث حول هذا الأمر في أواخر شباط ١٩٤٨ في مكاتب وزارة الخارجية البريطانية في لندن مع رئيس وزراء شرق الاْردن (ترانس جوردان كما أسماها كيرزمان في كتابه في ذلك الوقت) “توفيق باشا أبو الهدى” ، وأن “چلوب باشا” عمل في ذلك الاجتماع مُترجماً ما بين الرجلين.

وحول وقائع هذا الاجتماع التاريخي، يورد كيرزمان ما يلي:

قال توفيق؛

“إن اليهود (في فلسطين) قد أنهوا ترتيبات تشكيل حكومة لهم، وأن تلك الحكومة ستكون جاهزة لممارسة أعمالها فور انقضاء الانتداب (البريطاني على فلسطين، أي في ١٥ أيار ١٩٤٨). وأنهم أيضا يَمتلكون قوة بوليس فَعّالة تم تدريبها من قبل (هيئة) “بوليس فلسطين ”، وأنَّ الأهم من هذا كله، هو أن لديهم جيشاً(مُحْتَرِفاً) من قوات الهاچاناه”.

وقال؛

“وبالمُقابل، فإن العرب (الفلسطينيين) لم يقوموا بعمل أي تحضيرات لحكم أنفسهم بأنفسهم (عند انقضاء الانتداب البريطاني على فلسطين) وهم لا يملكون قوات مُسَلَّحة ولا أيضا أية وسائل لإنشاء جيش لهم”. ولذلك، شَدَّدَ أبو الهدى على أنه “وفِي حال عدم معالجة الأوضاع في فلسطين، فإن فلسطين ستقع إما؛ في يد اليهود الذين سيحاولوا أخذها كلها، أو في يد المفتي (أمين الحسيني)، الذي سيعود، وسيحاول أن يحكم الجزء العربي من فلسطين”.

ويقول كيرزمان، أن توفيق أبو الهدى أردف قائلاً في الاجتماع المذكور بأنّهما أي المَلِك عبدالله (الأو)، وهو، قد تَسَلَّما في الأسابيع الأخيرة التماسات وطلبات من وجهاء فلسطينيين عرب طلبوا فيها المُساعدة، وأن يقوم “الجيش العربي” بحمايتهم فور اٌنسحاب البريطانيين من فلسطين.

ويُضيف كيرزمان، بأنه، ولكل ذلك، فقد اٌقترح توفيق أبو الهدى في الاجتماع المذكور، أن يتم إرسال ”الجيش العربي” عبر نهر الأُردن إلى فلسطين عند اٌنتهاء الانتداب البريطاني عليها، وأن يستولي (الجيش العربي) على الجزء من فلسطين الممنوح للعرب (في قرار التقسيم) والمحاذي للحدود مع شرق الاْردن ( ترانس جوردان).

جاء رد إيرنست بيڤن، كما يقول كيرزمان، على ذلك بقوله: “يبدو أن هذا هو بوضوح ما يَتعين القيام به، ولكن لا تَذهب أبعد من ذلك وتَستولي على مناطق خصصها قرار التقسيم لليهود”.

أما أبو الهدى فقد أجاب على ذلك بقوله: “إننا لا نملك القوة اللازمة لتحقيق ذلك حتى ولو كُنّا نرغب بذلك”.

ويُضيف كيرزمان أن چلوب باشا قد لَفَتَ انتباه توفيق أبو الهدى خلال الاجتماع ، إلى أن ” الجيش العربي” سوف لا يكون باٌستطاعته احتلال “منطقة غزة” أو “الجليل العلوي”، وهاتان منطقتان خَصصهما قرار التقسيم الصادر عن الأُمم المتحدة للعرب (أي لعرب فلسطين)، ويقول: بأن أبو الهدى قد وافقه على ملاحظته.

ويُنهي كيرزمان هذا الجزء من كتابه بقوله أن ”بيڤن”، وبينما كان مُحجماً بوضوح على إبداء مُعارضة علنية لقرار الأُمم المتحدة (رقم ١٨١)، إلا أنه لم يكن لديه النية في أن تقع أراضي صحراء النَّقب الواسعة في أيد اليهود، وهي مناطق كان يرغب في تخصيصها للقواعد البريطانية لخدمة مصالح بريطانيا في المنطقة.

وفِي هذا السياق، يقدم كيرزمان في كتابه المعلومات التالية :

⁃ أن بريطانيا عندما قَرَّرت إحالة ملف القضية الفلسطينية إلى الأُمم المتحدة في مطلع عام ١٩٤٧، فإن تعليمات قد صدرت إلى الجنرال البريطاني “ماكميلان” للبدء ببناء قاعدتين بريطانيتين في صحراء النَّقب لمليء الفراغ الذي سينتج عن انسحاب القوات البريطانية المتوقع من منطقة قناة السويس. ويُضيف، بأنَّ بيڤن كان على ثقة في ذلك الوقت (أي في مطلع ١٩٤)، بأن الأمم المتحدة سَتُعيد تكليف بريطانيا بإبقاء فلسطين تحت سيطرتها، أو أنها كانت ستسمح للملك عبد الله (الأول) – وكان حليفا لبريطانيا ويعتمد عليها – مَدَّ سلطته لتشمل منطقة النَّقب. ويُضيف كيرزمان أيضًا، بأن ماكميلان أخبره أنه تسلم أوامر بعد صدور قرار التقسيم الذي وضع صحراء النَّقب في نطاق الأراضي المخصصة للدولة اليهودية، بوقف العمل في إنشاء القاعدتين، وبالرغم من ذلك، يقول كيرزمان، فإن ”بيڤن” لم يفقد الأمل في أن ينجح في اقتطاعها من حصة الدولة اليهودية. ويقول، بأن جون كيمشي، قد نقل إليه على لسان أحد كبار مستشاري بيڤن: بأنَّ لا تعليمات صريحة قد صدرت للعرب أو للقوات البريطانية في فلسطين بأن تستولي القوات العربية فقط على الأراضي التي خصصها قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة لدولة فلسطين العربية، ويقول بأنه فهم من هذا المستشار أيضاً، – وأن المَلِك عبد الله (الأول) ربما يكون قد فهم كذلك-، بأن بعض الأراضي المخصصة للدولة اليهودية كان يتعين الاستيلاء عليها.

أما توفيق أبو الهدى، الذي أورد دان كيرزمان تفاصيل مباحثاته مع الحكومة البريطانية في شباط من العام ١٩٤٨، فهذه الشخصية سجلت رقماً قياسياً في عدد الحكومات التي شكلها في حياة إمارة شرق الاْردن وكذلك في حياة العقد الأول من تأسيس المملكة، وقد بلغ عددها اثنا عشر حكومة حتى العام ١٩٥٤، وانتهت حياته بالانتحار شنقاً في حَمَّام بيته في الأول من تموز من العام ١٩٦١ ولَم يكن قد تجاوز من العمر (٦١) عاماً.

أبو الهدى الذي ولد في عكا عام ١٨٩٥، ينتمي إلى أسرة التاجي الفاروقي المعروفة في الرملة في فلسطين، وكان قد تلقى دراسته الابتدائية في الرملة والثانوية في بيروت، والتحق بالمكتب السلطاني في أسطنبول، وأخذ يدرس الحقوق لمدة ثلاث سنوات عام 1915، والتحق بحكومة شرق الأردن عند تأسيسها في العام ١٩٢١، وشغل عدة مناصب مهمة قبل أن يتولى رئاسة الحكومة، لعب أدواراً سياسية هامة في فترات معقدة من تاريخ الأردن والمنطقة، فحكومته هي التي اتخذت قرار خوض حرب ١٩٤٨، وبعد النكبة أشرف على عملية منح الفلسطينيين الجنسية الأردنية تمهيداً لاشتراكهم في الانتخابات التي أقرت وحدة الضفتين.

امتازت فترات حكمه بالإفراط في استعمال أساليب القهر والاضطهاد ضد معارضيه وخصومه السياسيين، وكان قد كتب مذكراته، ولَم يتمكن من نشرها خلال حياته واختفت بعد ذلك بصورة غامضة، ولَم تنشر أبداً .