Menu
حضارة

من «الضم الزاحف» إلى «الضم بالقانون»!

عوني صادق

بعد فشل بنيامين نتنياهو في تشكيل حكومته الخامسة، على الرغم من الفوز الكبير الذي حققه في الانتخابات المبكرة، وبعد حل الكنيست ال (21) والذهاب لانتخابات جديدة ثانية تقرر أن تجرى في السابع عشر من سبتمبر / أيلول المقبل، دخلت «صفقة القرن» الأمريكية من جديد في الضباب، وعاد الحديث إلى التسريبات والتصريحات التي كثيراً ما استخدمت لملء الفراغ، أو لقياس ردود الفعل، أو للتمهيد لوضع الخطط الموضوعة للتطبيق لاحقاً. وفي هذا الإطار جاءت تصريحات السفير الأمريكي، ديفيد فريدمان، اليهودي الصهيوني المستوطن، التي قال فيها: إن «من حق «إسرائيل» أن تضم بعض أجزاء من الضفة الغربية». الغريب في المسألة أن هذا التصريح فاجأ البعض، وكأنما الأمر يحدث للمرة الأولى، بينما كانت الضفة المحتلة موضوعاً للضم، على الأقل منذ وقوعها في قبضة الاحتلال في مطلع يونيو / حزيران 1967.

أطماع الصهيونية في كامل فلسطين التاريخية، بدأت مع الحركة الصهيونية التي انطلقت من الأساطير التوراتية، وتحدثت عن «أرض إسرائيل». وعندما جاءت الفرصة في يونيو 1967، بدأ تنفيذ «الحلم التوراتي» في مجلس الأمن، وفي القرار (242) الذي قرر أنه «لا يجوز ضم أراضي الغير بالقوة»، عندما تلاعب المندوب البريطاني اللورد كارادون ب «أل التعريف» الشهيرة! أما المحتلون الصهاينة، فبدؤوا وهم يزعمون أنهم قبلوا مبدأ «الأرض مقابل السلام»، ربط مسألة الانسحاب بمسألة «الأمن»، وتمسكوا بالأرض بذريعته. وفي كل انتخابات أجريت كانت مسألة الانسحاب أبرز القضايا المثيرة للجدل. وفي الانتخابات الأخيرة، كان التنافس يقوم على نفس الأساس. اثنان وخمسون عاماً، والأرض تصادر، والمستوطنات تقام، والبناء يتزايد، وفي خطابه الانتخابي قدم نتنياهو وعداً لناخبيه، قال: «لن أقسم القدس ، ولن أقتلع أي مستوطنة، وسأهتم بأن نسيطر على منطقة نهر الأردن»! ثم تساءل: (هل سننتقل إلى المرحلة القادمة؟ نعم. سوف أفرض السيادة، لكنني لا أميز بين الكتل الاستيطانية وبين النقاط الاستيطانية المعزولة. كل نقطة استيطانية كهذه هي «إسرائيلية» وهي مسؤوليتنا كحكومة «إسرائيلية»)!

مصادرة الأرض، وهدم البيوت، وإقامة المستوطنات على الأرض المصادرة والبيوت المهدومة، وسن القوانين التي كانت تشرعن ذلك، وتمهد لمزيد من المصادرة والهدم والبناء الاستيطاني، كانت تمثل «استيطاناً زاحفاً» لم يتوقف يوماً واحداً في نصف القرن الماضي. وعندما رأوا أن الظروف صارت ملائمة للإعلان عما كان يتم التحايل عليه، بدؤوا يتحدثون عن «الضم بالقانون وفرض السيادة»! وفي السنوات الخمس الأخيرة تسارعت الإجراءات، وقد وثق تقرير صدر عن «مركز القدس للدراسات» (53) مشروعاً استيطانياً في شهر نيسان / إبريل الماضي فقط! ووفقاً للتقرير الذي صدر يوم 2/5/2019، شملت المشاريع والأنشطة الاستيطانية مصادرة أراض، وإنذارات بالهدم لعشرات المنشآت التجارية والسكنية العائدة للفلسطينيين، إضافة إلى المصادقة على بناء آلاف الوحدات السكنية في المستوطنات، وشق عدد من الطرق الاستيطانية!
وفي إطار التطبيع مع «الضم الزاحف»، عقدت في الجامعة العبرية يوم 25/7/2018، أول «مبادرة أكاديمية» تحت اسم «مؤتمر البيئة وراء الخط الأخضر»، نظمته كلية البيئة في الجامعة، بمشاركة وزير البيئة، زئيف ألكين، ومدير حماية الطبيعة، وكان الهدف تطبيع «الضم الزاحف» لمنطقة (ج). في الوقت نفسه، كشف فرانك لوينشتاين المسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية في عهد الرئيس باراك أوباما، في مقابلة مع (تايمز أوف إسرائيل- يوليو / تموز 2018) أن البؤر الاستيطانية «غير القانونية» في الضفة تزيد على (100) بؤرة تعزل ثلثي الضفة عن الفلسطينيين، بينما المستوطنات القائمة تشغل 1.5% فقط من أراضي الضفة، البؤر التي تحدث عنها نتنياهو بوصفها «نقاطاً استيطانية»، وتعهد بعدم التخلي عنها!

يبقى أن نذكر أن أول مقترح قدم للكنيست ال (21) في انعقاده الأول، كان مشروع قانون مؤجلاً لفرض «السيادة الإسرائيلية» على الضفة! وأن نتنياهو رد على رسالة وقعها عدد كبير من المسؤولين الأمنيين السابقين نبهوا فيها إلى أن الضم سيهدد «أمن إسرائيل»، قائلاً: «يهودا والسامرة ليست فقط ضماناً لأمن «إسرائيل»، بل هي إرثنا أيضاً».