Menu
حضارة

حفريات أثريّة "سرّ دولة"!

أنطوان شلحت

رفضت المحكمة الإسرائيلية العليا، في أواخر أيار/ مايو الفائت، طلب التماس تقدّمت به منظمتان إسرائيليتان لحقوق الإنسان ("يش دين" و"عيمق شافيه")، دعا إلى إلزام دولة الاحتلال بتطبيق المعايير الأكاديمية المتّبعة في إسرائيل والعالم كله فيما يخصّ الحفريات الأثرية على أراضي الضفة الغربية أيضاً، ولم يحظ بتناول واسع في وسائل الإعلام العربيّة.

ووفقاً لبيان أصدرته المنظمتان، قرّرت المحكمة جواز بقاء أسماء المشتركين في هذه الحفريات طيّ السريّة التامة، بادعاء أنهم قد يتضرّرون من المقاطعة الأكاديمية، بما يؤدي إلى المساس بمصدر رزقهم! كما قبلت موقف دولة الاحتلال بخصوص ضرورة التكتم على الاكتشافات الأثريّة ومكان تخزينها، بحجة أن من شأن النشر عنها أن يُلحق أضراراً بعلاقات إسرائيل الخارجية.

وهذا يعني عملياً، من وجهة نظر مقدّمي طلب الالتماس، أن هناك قانوناً خاصاً للمعلومات بشأن أراضي الضفة الغربية يختلف عن قانون المعلومات بشأن إسرائيل داخل الخط الأخضر، والذي يُلزم بكشف نتائج الحفريات الأثرية أمام الجمهور، ونشرها على الملأ، في حين يتم التعامل مع الحفريات والأغراض الأثرية التي يتم اكتشافها في أراضي الضفة باعتبارها "من أسرار الدولة".

يرتبط طلب الالتماس هذا بتقريرٍ سبق أن أصدرته المنظمتان المذكورتان قبل فترة وجيزة، وأكّدت، في سياقه، أن أراضي الضفة غنيةٌ بمواقع وكنوز أثرية تذكّر بالتاريخ الغنيّ والمتنوّع الذي شهدته هذه المنطقة، غير أن إسرائيل دأبت فور احتلالها هذه الأراضي في حزيران/ يونيو 1967 على استغلال الأركيولوجيا أداة أساسية لتعميق سيطرتها من طريق اختلاق رابطة تاريخية دينية وثقافية يهودية بها. 

وفي معرض تحليل السياسة التي تنتهجها إسرائيل في مجال الأثريات في الضفة الغربية، يشير التقرير إلى أن السيطرة الإسرائيلية على المواقع والموجودات الأثرية في هذه المنطقة شكّلت، وما تزال، أداة مركزية لإقصاء الفلسطينيين فعلياً عن هذه المواقع والموجودات، بطرق ووسائل شتى، بما يؤدي إلى إضعاف الرابطة بين الفلسطينيين وتراثهم وتاريخهم. وبالإضافة إلى ذلك، تتيح هذه السيطرة لإسرائيل إمكان صوغ وتصميم الرواية التاريخية التي ترويها الأثريات، على نحوٍ يؤكد ويُبرز ارتباط شعب إسرائيل بها من جهة، بينما يُضعف ارتباط الشعوب والثقافات الأخرى بها ويطمسه من جهة أخرى. وعلى الرغم من أن السيطرة على الأرض من خلال الأركيولوجيا ليست الطريقة الأساسية لنهبها في الضفة، فإنها وسيلةٌ ذات أهميةٍ استثنائيةٍ، لما تنطوي عليه من بُعد رمزي على مستوى الوعي.

وكشف التقرير كذلك أن أهمية الأركيولوجيا ازدادت أضعافاً مضاعفة عقب احتلال 1967، حيث أجرت دولة الاحتلال "مسح طوارئ أركيولوجي" في 1968، وأعقبته أعمال حفريات واسعة جرت في منطقة سوسيا جنوب جبال الخليل في 1971. وبلغت هذه الحفريات ذروتها في العقد الثاني للاحتلال، بين 1977 و1987، خلال فترة تغوّل المشروع الاستعماري الاستيطاني، وما رافقه من حملات تجنيد ميزانياتٍ كبيرةٍ للأبحاث والحفريات الأركيولوجية في أراضي الضفة. 

لقد سعى طلب الالتماس إلى فضح أسماء علماء الآثار المشتركين في الحفريات، انطلاقاً من الموقف الذي يشدّد على أن ثمّة دوراً معوّلاً على الأكاديميين أكثر مما على المؤسسة الأكاديمية، كون مصطلح أكاديميا اسم علم مُجرّد، من الصعب اعتبار صاحبه وكيلاً أخلاقياً. كما أن المؤسسة الأكاديمية تشمل تناقضاتٍ بنيوية بين جهات ذات مصالح متعارضة، وبالتالي لا يمكن التحدّث عن دورها أو وظيفتها بصورة عامة، كما ينبغي أن تكون الحال بالنسبة إلى الأكاديمي الفرد.

وقد ينطوي الميل إلى تطبيق الخطاب الأخلاقي على أسماء مجرّدة على انزياح عن الهدف المشتهى، لسببين: الأول، يلصق تهمة جماعيّة بأفراد قد يكونون أبرياء؛ ويعفي أفراداً، يتحملون مسؤولية بالفعل، من المحاسبة الأخلاقية الشخصية. وهنا المجال لإعادة التذكير بأن محاولات دولة الاحتلال المتجهة، منذ قيامها، نحو صوغ سردٍ واحدٍ وموحّدٍ، ما كان من المُمكن أن تُنفّذ بدون قدر كبير مما يسميه تيري إيغلتون "العنف النظريّ".