Menu
حضارة

الطريق إلى الكنيست تمر من خلال الأحزاب

سليمان أبو إرشيد

يخلط بعض المتحمسين لدخول الكنيست على "قفا" نتائج فشل تفكيك المشتركة وفرصة إعادة تركيبها لخوض انتخابات الكنيست المعادة، بين القائمة الانتخابية التحالفية التي تتشكل من مجموعة أحزاب بهدف الحصول على تمثيل أو تجاوز معيقات الحصول على هذا التمثيل أو زيادته في هيئة تمثيلية معينة مثل الكنيست (على غرار القائمة المشتركة)، وبين الجبهة الوطنية التي تؤطر كافة القوى السياسية والاجتماعية من أحزاب وحركات واتحادات نقابية عمالية ونسائية وطلابية ومجالس محلية ولجان عمل أهلي وغيرها من مركبات المجتمع، والتي يمكن أن تشكل لجنة المتابعة، في حالتنا، نواتها الأولية، كهيئة تمثيلية تهدف إلى حشد طاقات الشعب الواقع تحت نير الظلم والاضطهاد في مشروع مقاومته.

ولا يقتصر خطأ هؤلاء على هذا الخلط، بل يتعداه إلى محاولة تضخيم شأن التمثيل أو زيادة التمثيل في الكنيست وإعلائه إلى مستوى أحداث ومحطات وطنية نوعية في تاريخنا الفلسطيني، على غرار يوم الأرض والجبهة الوطنية لمقاومة الاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة في مطلع سبعينيات القرن الماضي، بل ويرفعون عقيرتهم في خطاب بلاغي يبدو أنه عاجز عن ستر النوايا الحقيقية التي تختبئ تحته.   

فقد كان تشكيل الجبهة الوطنية في الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1973، استجابة للتحدي الذي فرضه القمع الاحتلالي، في تجميع وتوحيد وتحشيد كافة قوى وطاقات الشعب الفلسطيني في مقاومة مشاريع الاحتلال وزجها في معركة التصدي لمخططاته، وقد جاء دعم الجبهة الوطنية لمرشحي البلديات الوطنيين المستقلين في الانتخابات التي جرت عامي 1975 و1976 كتحصيل حاصل، ولم تشكل الانتخابات بحد ذاتها وبأي حال، سببا لتشكيل تلك الجبهة.  

وبالنسبة ليوم الأرض، وإن كان إسقاط عكاكيز السلطة في المجالس المحلية وزيادة تمثيل الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة (القائمة الوحيدة التي كانت تمثل المجتمع العربي في تلك السنوات)، التي تشكلت وخاضت انتخابات الكنيست عام 1977، كانت إحدى النتائج الفرعية لهذا الحدث، فإن الوحدة الوطنية الكفاحية التي تجلت في يوم الأرض تجاوزت بغاياتها ومضامينها ونتائجها مسألة التمثيل البرلماني بكونها معركة على الأرض والهوية والوجود الوطني.   

وكما هو معروف، فقد سارع الحزب الشيوعي إلى استغلال حالة النهوض الوطني المذكور، لتشكيل جبهة عريضة تستوعب القطاعات والقوى الجديدة التي أعلنت عن حضورها بعد يوم الأرض، وتؤمن مشاركتها في العمل والتنظيم السياسي، وذلك من خلال تعميم التجربة التي بدأت بتشكيل جبهة الناصرة عام 1975 إلى المستوى ال قطر ي بشقيه العربي واليهودي.

وفي هذا السياق، جاء تشكيل الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة ليبشر بولادة شرعية لحالة جماهيرية ناشئة، ويشكل الوعاء التنظيمي الحاوي لها، رغم الكثير من الأخطاء التي رافقت تلك العملية، مثل التحالف مع "الفهود السود" وتبييض صفحة العديد من الشخصيات التي كانت محسوبة على السلطة.

والجبهة، في هذا المقام، شكلت إطارا سياسيا استوعب الأوساط التي كانت تدور في فلك الحزب الشيوعي ووفرت لها التمثيل المناسب، ولم تشكل بأي حال مهبطا لمظليين بقبعة أكاديمية أو غيرها من القبعات، يبتغون الحصول على كرسي في الكنيست.

في الإطار ذاته، يندرج تشكيل التجمع الوطني الديمقراطي، بعد عشرين سنة من هذا التاريخ، والذي جاء في إطار محاولة إعادة بناء الحركة الوطنية، واعتمد على الصالح في أساسها، وخاصة حركة أبناء البلد وحركة ميثاق المساواة وبقايا الحركة التقدمية.

ومثلما شكل الأكاديميون في حينه أحد المركبات الأساسية لجبهة الناصرة (رابطة الأكاديميين في الناصرة) والجبهة القطرية لاحقا، كانوا أيضا في صلب إعادة بناء الحركة الوطنية وتشكيل التجمع، وفي رأس سلم قيادته وتمثيله في الكنيست لاحقا، كما انخرط العشرات منهم في هيئاته القيادية والقاعدية، وما زال يحتل اليوم أيضا، مقعديه الاثنين في الكنيست الحالية، أكاديميان.

بهذا المعنى، فإنه إذا جاز تقطيع المجتمع الفلسطيني إلى قطاعات لغرض التمثيل البرلماني، يتبين أن قطاع الأكاديميين، إن صح اعتبارهم كذلك، يحصلون على تمثيل يشكل أضعافًا مضاعفة من نسبتهم الفعلية في المجتمع، وذلك على حساب تمثيل العمال والفلاحين والموظفين والكادحين والصحفيين وغيرهم، إلا إذا اعتبرنا "البروفيسورات" دون غيرهم قطاعا مستقلا. ومن المفارقات أن "الزعلانين" من العريضة التي وقعها 100 بروفيسور ضد العنف، قبل مدة وجيزة، كانوا من حملة شهادة الدكتوراه، الذين لم يجدوا سببا لاستثنائهم من التوقيع على العريضة، سوى استعلاء نخبة النخبة على النخبة.

وإذا كانت الأحزاب تمثل 34-35% من جماهيرنا، كما يدعي بعض هؤلاء استنادا إلى نسبة المصوتين في الانتخابات السابقة، فإن "البروفيسورات" الساعون إلى كراسي الكنيست، لا يمثلون قطعا الـ 65- 66% المتبقية، كذلك فإن التغني بالإجماع الوطني والوحدة الوطنية وإعادة بناء الحركة الوطنية وغيرها من الشعارات الاستهلاكية لتحقيق تلك الغايات، غير مفيد وغير مقنع لأن الكنيست لا تحظى بإجماع وطني أصلا، وهذا سبب رئيس في تدني نسبة التصويت لها بين جماهيرنا مقارنة مع المجالس المحلية. كما أن إعادة بناء الحركة الوطنية لا يتم من خلال انتخابات الكنيست، على الرغم من أهمية إعادة تشكيل القائمة المشتركة كقائمة انتخابية أثبتت نجاعتها في زيادة التمثيل العربي في الكنيست.

إنها عودة إلى تحميل القائمة المشتركة، التي تشكلت وانفرطت وسيعاد تشكيلها مجددا إذا كتب لها ذلك لمقتضيات انتخابية صرفة، ما لا تحتمله، وإلباسها لبوس وطني مرصع بمقولات من نوع "الإستراتيجي" و"التاريخي"، تسقط عند أول خلاف على التناوب.

أما بالنسبة للقطاعات الأخرى التي يتلفع بها البعض لتبرير المطالبة بتمثيل عابر للأحزاب، مثل المدن المختلطة والنقب وغيرها، فالأجدر الاهتمام بتمثيلها من خلال الأحزاب، ومثلما تم إيجاد حلول لقضية تمثيل المرأة، يمكن أيضا إيجاد حلول تضمن تمثيل تلك المناطق العزيزة والمستهدفة من الوطن، كذلك لا ضير بأن تفتح الأحزاب أبوابها لاستيعاب المزيد من المثقفين والأكاديميين ممن يدورون في فلكها السياسي، وإدراجهم في الترشيحات على المراتب القيادية والتمثيلية دون التدقيق كثيرا في شكليات رسوم الاشتراك الحزبية.

والحقيقة أننا، وإن كنا لم نصل إلى ترف الأحزاب الإسرائيلية، التي تسمح لنفسها بتعزيز صفوفها بنجوم على شاكلة بروفيسور أو جنرال، رغم أن ذلك يتم أيضا عن طريق الحزب وليس بالالتفاف عليه، فإن مسألة استجلاب كفاءات من الدائرة الثانية أو الثالثة المحيطة بالحزب المعني، وزجها في المواقع القيادية التمثيلية، لا يجب أن تشكل "كارثة حزبية"، خاصة وأن عملية التحول التي تمر بها أحزابنا في طريقها إلى طي صفحة القيادات التي نشأت في معمعان النضال الطلابي والجماهيري.