Menu
حضارة

ملف عبدالناصر الذي لا يغلق

عبد الله السّناوي

نقلا عن الخليج الإماراتية

على مدى عقود طويلة، تصارعت توجهات وسياسات ومواقف حول ما أطلق عليه «ملف جمال عبدالناصر». حدة السجالات وامتدادها حتى الآن شهادة بقوة وعمق تأثير تجربته تحت الجلد السياسي.
في أعقاب حرب أكتوبر (1973)، بدا أنه قد حان الوقت وتهيأت الظروف للإعلان عن توجهات جديدة وبناء نظام آخر على أنقاض إرث عبدالناصر وتوجهاته وسياساته.
«أطلقوا ألسنتهم فيه على اعتبار أنه كان سبب الهزيمة بينما السادات سبب النصر، وبعد أن كانوا يهاجمونه ضمناً في حملتهم على مراكز القوى أصبحوا يهاجمونه شخصاً، وعيناً، وتاريخاً، وإنجازات، وأصبح في قفص الاتهام كل شيء قاله أو فعله، وتدفقت كتب ومقالات تعفي الاستعمار و«إسرائيل» من مسؤولية تخريب مصر، وتلقيها على عاتق الإصلاح الزراعي، والسد العالي، ومجانية التعليم، ومحاربة الاستعمار، والتطور الصناعي، والتحول الاشتراكي.. إلى آخر هذه الجرائم الفادحة!».
كان ذلك توصيفاً للحملة وضراوتها كتب عام (1975) بقلم رئيس تحرير مجلة «روزاليوسف» صلاح حافظ، وهو واحد من أكثر الصحفيين موهبة وكفاءة في تاريخ الصحافة المصرية الحديثة.
في ذلك الوقت نشرت «روزاليوسف» بعد طول نقاش داخل مجلس تحريرها سلسلة مقالات للدكتور فؤاد زكريا، انتقدت ثورة «يوليو» وتجربة عبدالناصر، وانضمت إلى حملات اليمين عليه.
استدعت تلك الأطروحة ردوداً غاضبة من كبار كتاب اليسار على صفحات «روزاليوسف» جمعت في كتيب: «عبدالناصر واليسار المصري».
في مساجلات «يوليو» والدفاع عنها لم يتخلف كاتب واحد له قيمة وتأثير في إبداء موقفه، كأحمد بهاء الدين صاحب مقولة «موتوا بغيظكم» وكامل زهيري بعبارته الشهيرة «عبدالناصر أقوى من الهزيمة والسادات أضعف من النصر».
ودخل محمد حسنين هيكل إلى قلب المعركة بكتابه «ل مصر لا لعبدالناصر» حتى لا يُقال «إن كل رجاله خانوه».
وسط تلك الحملات الممنهجة تبدى سؤالان ملغمان كأنهما طلقات بارود.
الأول:
* هل كنا في غيبوبة سياسية وها هو الوعي يعود من جديد مع فتح «ملف عبدالناصر»؟
وقد طرحه توفيق الحكيم في كتابه «عودة الوعي» (1974).والثاني: 
* هل كان عبدالناصر ذلك الملاك، يده نظيفة وذمته فوق مستوى الشبهات، أم أنه تورط في قضايا تربح دون وجه حق؟
وقد طرحه جلال الدين الحمامصي في كتابه «حوار وراء الأسوار» (1976).
تصدى للرد على الكتاب الأول محمد عودة بكتابه «الوعي المفقود». لم تكن محض مساجلة حادة بين كاتبين كبيرين، بقدر ما كانت أزمة بلد لا يعرف هل استعاد وعيه أم فقده؟
وكان الكتاب الثاني تجاوزاً لكل حد، نشرته «أخبار اليوم» على حلقات حتى يأخذ تأثيره أبعد مدى ممكن. «جمال عبدالناصر اختلس لنفسه وهرّب إلى الخارج لحسابه مبلغ خمسة عشر مليوناً من الدولارات: خمسة منها قدمها الملك سعود تبرعاً للمجهود الحربي المصري، والعشرة الباقية قدمها الملك سعود أيضاً قرضاً لمصر، ولكن جمال عبدالناصر اغتصب هذا كله لمنفعته الشخصية وأودع الأموال في حسابه باسمه في الخارج.. هكذا!».
* ماذا إذا لم تكن غضبة جماهير الشعب في مصر وفي العالم العربي على هذا النحو الذي كانت عليه، مما استوجب البحث عن الحقيقة وإظهارها في ساعات قليلة؟
* ماذا إذا لم يكن ثلاثة من أبرز شخصيات مصر، عاصروا موضوع تبرع الملك سعود بخمسة ملايين دولار وإقراضه لمصر عشرة ملايين أخرى يعرفون أن هذه المبالغ جاءت في النور، ووضعت في البنود التي كانت مرصودة لها: وضع مبلغ التبرع في حساب خاص بالتبرعات في بنك مصر مفتوح باسم رئيس الجمهورية وانتقل من جمال عبدالناصر إلى أنور السادات حين تولى المنصب، ثم إن مبلغ القرض جرى تحصيله باسم البنك المركزي المصري ودخل في حساباته، والثلاثة هم: حسن عباس زكي وعبدالعزيز حجازي، وهما وزيران وقتها للاقتصاد والخزانة، وأحمد زندو المحافظ للبنك المركزي.
* ماذا لو لم تكن الوثائق في متناول يد أحمد زندو محافظ البنك المركزي، وكان الرجل يملك الشجاعة الكافية ليتقدم بالرغم من الجو الخانق ويقول بأمانة: حرام هذا الذي يفترى به، وهذه هي الوثائق تنطق بالحقيقة؟
كانت تلك شهادة محمد حسنين هيكل، على رواية جلال الدين الحمامصي، كما سجلها في كتابه «لمصر لا لعبدالناصر».
ربما تصور الحمامصي، أنه يخوض مجدداً معركة نزاهة الحكم، فهو من صاغ «الكتاب الأسود» تحت إشراف القصر الملكي، للنيل من زعيم الوفد مصطفى النحاس.
انفجر غضب طلابي في كلية الإعلام بجامعة القاهرة، قسم الصحافة بالخصوص، الذي كان يشرف عليه، وهو أستاذ مقتدر في مجاله.
طلب منه، أو هو قرر من تلقاء نفسه، التغيب عن إلقاء أية محاضرات داخل الكلية الغاضبة.
لم يكن ذلك مقبولًا من عميد كلية الإعلام في ذلك الوقت الدكتور عبدالملك عودة وتوجهاته على النقيض تماماً.
كان الحل المؤقت، الذي أمكن التوصل إليه، نقل محاضراته إلى إحدى قاعات مؤسسة «أخبار اليوم»، الذي تولى أكثر من مرة رئاسة تحرير طبعتها اليومية «الأخبار».
في بدء المحاضرة حاول أن يشرح موقفه غير أن الأسئلة حاصرته وبدا أن هناك اتهاماً مشرعاً بأنه قد جرى توظيفه، اعترض على التعبير وغادر القاعة.
شهدت «أخبار اليوم» على سلالمها، وطلاب الصحافة يغادرونها، هتافاً جماعياً باسم عبدالناصر.
بعد تلك الواقعة غادر الحمامصي، كلية الإعلام للأبد، لكن الحملة على رجل يوليو لم تغادر المسرح السياسي أبداً.
كأي تجربة إنسانية أخرى انطوت تجربة يوليو على أخطاء فادحة غير أن قوة مشروعها في العدالة الاجتماعية والتحرر الوطني، أضفت عليها شيئاً من المناعة في صد السهام.