Menu
حضارة

الموقف الأمريكي من قرار تقسيم فلسطين (ج4)

عبد الرحمن البيطار

عَرَجنا في الحلقة الثالث على الموقف البريطاني وتفاصيل الاجتماع الذي انعقد في أواخر شباط ١٩٤٨، فيما بين توفيق بو الهدى – رئيس الوزراء الأردني وإيرنست بيڤن – وزير خارجية بريطانيا بخصوص دخول وحدات من الجيش العربي إلى فلسطين بعد انسحاب القوات البريطانية منها في ١٥ أيار من العام ١٩٤٨، واشتراطات وزير الخارجية البريطاني أن تكون حركة تلك الوحدات مَحصورة ضمن المناطق المُخَصَّصة للدولة العربية في قرار التقسيم .

لقد عرض غلوب باشا تفاصيل هذا الاجتماع التاريخي أيضاً في كتابه المُهِم ”جندي ببن العرب” الذي ترجمه إلى العربية عادل العوا ونُشِرَت طَبْعَته الأولى في العام ٢٠٠٧ الشركة ”الأهلية للنشر والتوزيع“، وأكد على الوقائع التي ذكرها كيرزمان.

لنَعُد الآن إلى واشنطن لنتعرف أكثر على التطورات في الموقف الأمريكي من قرار التقسيم، ومفاعيل ومُحَرِّكات قوى الضَّغط والتأثير عليه.

في الحلقات السابقة، نقلنا عن دان كيرزمان في كتابه ”جِينَسِيسْ ١٩٤٨” أن الموقف الرسمي لممثلي الولايات المتحدة في الأُمم المتحدة في أواخر آذار ومطلع نيسان من العام ١٩٤٨، كان يتجه تحت تأثير التطورات التي كانت تحصل في فلسطين ومواقف بلدان الإقليم، وكذلك مجريات تطور الأوضاع فِي عدد من بلدان أوروبا خلال الشهور الأربعة الأولى بعد صدور قرار التقسيم في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧، إلى التخلي عن قرار التقسيم وإبداله بقرار آخر يضع فلسطين تحت الوصاية الدولية إلى حين يتم بلورة حلول أُخرى لمسألة فلسطين.

يقول دان كيرزمان، إنه ما أن حَلَّ شهر كانون الثاني من العام ١٩٤٨، أي قبل أن تكون فِكرة وَضْع فلسطين تحت الوصاية الدولية (تحت وصاية الأُمم المتحدة) قد نَضَجَت، فقد كان قادة الوكالة اليهودية في واشنطن على عِلْم أن واشنطن كانت تبحث في ذلك الوقت عن حلٍ آخر لمسألة فلسطين غير حل ”تقسيمها”.

لذلك، فقد قَرَّر أؤلئك القادة أنه يتعين عليهم عِبء وضع قرار تقسيم فلسطين مَوْضِع التطبيق إن كان ذلك سيتم بمساعدة الولايات المتحدة أو حتى دون مساعدة منها .

غير أنهم عادوا بعد ذلك وأخذوا ينظرون في أمر تصميم طُرُق لشن حملة تستهدف استقطاب التعاطف الأمريكي الرسمي للصهيونية من جديد، لكنهم وَجدوا أنفسهم في حالة من الشلل وذلك بفعل حالة الإستياء التي كانت قد نشأت أثناء شنهم حملتهم السابقة لكسب تأييد واشنطن لقرار التقسيم قبل صدوره في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧.

لقد عَبَّر عن ذلك ديڤيد نايلز، وهو أحد كبار الأصدقاء الأمريكان للحركة الصهيونية، عندما نقل للقادة الصهيونيين في واشنطن ونيويورك بصراحة أن الوصول إلى ترومان لم يعد بعد تلك التطورات أمراً مُتاحاً.

في ضوء ذلك، وبعد جِدالات مُستفيضة في أوساط الوكالة اليهودية في واشنطن، قَرَّر المسؤول عن الوكالة بأنه لا مناص من اللجوء مرة أُخرى إلى حاييم وايزمان وتجنيد مساعيه من جديد للوصول إلى الرئيس ترومان، مُستذكرين نجاحه خلال الأسبوع الثالث من تشرين الثاني ١٩٤٧ في إقناع الرئيس ترومان لتأييد إبقاء صحراء النَّقب العربية الفلسطينية ضمن الحِصّة المُخَصّصة للدولة اليهودية في قرار التقسيم .

يقول كيرزمان، بأن أبا إيبان – وكان حينها يَشغَل ممثلاً للوكالة اليهودية لدى الأُمم المتحدة – أبْرَق إلى وايزمان، الذي كان في ذلك الوقت في لندن، وعلى وشك أن يُغادِرها باتجاه فلسطين لمُتابعة البحث العلمي الذي كان يتولى متابعته في ذلك الوقت والإشراف عليه، في المعهد الذي أصبح في ٢ تشرين الثاني من العام ١٩٤٩ يحمل اسمه، أي “معهد وايزمان في رحوفوت”، وهو يقع في منطقة بالقرب من مدينة حيفا العربية.

وكان هذا المعهد قد أسسه وايزمان نفسه في العام ١٩٣٤ تحت اسم معهد دانيال سييف للبحوث”، وجرى توسعته بعد ذلك وتحول إلى جامعة بحثية مع التركيز على برامج الدراسات العليا فقط وتعليم العلوم الطبيعية، ويوفر للدارسين درجات الماجستير والدكتوراه في الرياضيات، والفيزياء، والأحياء، والكيمياء الحيوية، وعلوم الحاسوب..الخ.

في برقيته لوايزمان في ٢٣ كانون الثاني ١٩٤٨، قال أبا إيبان :

“في ضوء تدهور الأوضاع في فلسطين، فإني أنصح أن تُعيد النظر في قرارك بالسفر إليها. فهناك، لا تتوفر شروط ملائمة،إن كل شيء يعتمدعلى جهدك السياسي البنّاء، وما سَتُستفضي إليه الأمور هنا ي ليك سَكْسِسْ(مقر الأُمم المتحدة في نيويورك في ذلك الوقت) وفِي واشنطن .المرحلة الأهم والأكثر حسماً تقترب الآن ويحين حينها وهي مرحلة نفتقد فيها، بتَوْقٍ مُؤلم، حُضورك ، ونَصائحك ، وجهودك للتأثير على الأمورعلى النحو المُحَبَّذ .

التوقيع :

إيبان ”

يقول كيرزمان، أن وايزمان لم يتردد في إبداء رفضه لدعوة إيبان، فقد كان يُعاني من المَرَض، وكان يشعر بالألم العميق من الموقف البارد للوكالة اليهودية تجاهه. كان على يقين بأن الاستقلال (نيل اليهود دولة في فلسطين والإعلان عن قيامها) سيحصل في ١٥ أيار ١٩٤٨.

في ضوء ذلك، سَعَت الوكالة اليهودية لبذل جُهْدٍ جديد لإقناعه بالحضور إلى واشنطن. في ذلك الوقت من أواخر كانون الثاني من العام ١٩٤٨، خاطب السكرتير الخاص بوايزمان (الدكتور جوزيف كوهن) السكرتير السياسي للوكالة اليهودية وهو جوزيف لِينْتِنْ، وكان يومها في زيارة لنيويورك ويقيم في إحدى غرف “نيويورك هوتيل” وقال له:

” جو: قد نفقد كل شيء إذا لم يوافق الزعيم (أي وايزمان) للحضور إلى هنا، هو الوحيد الذي يملك الفرصة لمقابلة ترومان. علينا أن نجعله يقبل الحُضور إلى هنا. ماذا لو قُمتَ بالاتصال به شخصياً وشرحتَ له الوضع؟ إنه يثق بك أكثر من أي شخص آخر.”

أما جَواب لِينتنْ، فجاء كما يلي:

” إنها لمسؤولية كبيرة إحضار رجل مريض إلى هنا في هذا الجَوُّ البارد جداً. لكني أفترض أنه لا خيار من ذلك “.

اتصل لينتنْ بوايزمان وقال له:

” الزعيم ( وايزمان). إني أكره جداً ان أتسبب بإزعاجك. لكننا بحاجة لك. إنَّ الأِمور تسوء بسُرعة هنا(في واشنطن/ نيويورك  .”كان جَواب وايزمان صاعقاً:

” لقد حَضَّرْتْ كل شيء للرحيل وأنا على وشك السفر لـ ‘رحوفوت’ لتكريس الوقت القليل الذي بَقِيَ لي للمعهد. إن يهود فلسطين الـ (يشوف) يحتاجون إلي، وأنا أنوي الذهاب إليهم. لم أعد (مسؤولاً) في الوكالة اليهودية . إن آخرين (في الوكالة) يتولون المسؤولية الآن، ويقع عليهم عبء التعامل مع الوضع.”

عاد لِينتنْ وقال :

” لكن، يا زعيم، إنَّ الوضع حَرِجٌ. لا توجد هناك ضَمانة حتى ولو حَضَرَتَ شخصياً إلى هنا في أن تتجه الأمر نحو التَّحسُّن. لكني أعرف شيئاً واحداً. إذا لم نُنشىء الدولة هناك، فسَتَحِل الفوضى فيها وستتجه الأمور نحو الأسوأ في فلسطين، وعندها، سوف لا يعود لك معهد هناك”.

لم يتحمل وايزمان الكلام الذي سَمِعَه، فأقفل سَمّاعة التّلفون في وجه لِينتنْ. وبعد هذه المكالمة، إلتفتَ وايزمان لزوجته، وكانت تقف إلى جانبه وصرخ قائلاً:

” لَمْ نَلبَثْ بعد أن تركنا نيويورك، وهـؤلاء الأغبياء يريدونني أن أعود الآن إليها”.

أَخَذَتْ ڤيرا وايزمان يد زوجها وقادته إلى كُرْسِيٍ مُجاور، وقالت له:

” اجلس، يا عزيزي، واٌسترخِ، وأعط ما سمعته برهة من التفكير”.

أعاد وايزمان التفكير، وقام، واتجه بعد ذلك، إلى التّلفون، وهاتف جو في نيويورك، وقال له :

” نعم، لقد تحدثت مع زوجتي ڤيرا، وهي تعتقد بأن علي واجب الحُضور إلى نيويورك. لكني سأحضر فقط إذا ما تسلمتُ دعوة رسمية من المسؤول عن الوكالة اليهودية”.

رد عليه قائلاً:

” لا تَقْلَق أيها الزعيم، ستصلك الدعوة في الصّباح. إنّي أتطلع للقاءك وڤيرا في نيويورك قريباً جداً”.

يقول كيرزمان؛ كانت علاقات وايزمان مع قادة الوكالة اليهودية قد توترت مؤخراً بعد أن كالوا له الاتهامات بأنه بريطانيُ الهوى، وأنه ينظر عالياً للبريطانيين ويعتبرهم شعبا مهذَّباً.

لم تكن الوكالة اليهودية وقادتها في وئامٍ تام مع البريطانيين في ذلك الوقت.

ماذا حصل بعد ذلك؟

سأتناول ذلك في الحلقة الخامسة .