Menu
حضارة

عرس على "شرف" الاستيطان

جبريل محمد

لماذا يتفاجأ بعضنا من وجود علاقات ذات طابع اجتماعي وليس فقط سياسي مع المستوطنين وأترابهم من مستوطنين خلف ما يسمى بالخط الاخضر؟

علينا أن نتذكر كيف نشأت روابط القرى العميلة التي بادت شكلًا واستمرت جوهرًا، وفي كل المناطق، وهي روابط حذت في وجودها حذو فرق السلام التي أثخنت الثوار عام 1939، فكيف نستغرب اليوم وفي ظل مآثر "أوسلو" أن تحمل أكتاف "البغال" في شكل بشر مستوطنين يهللون فرحًا لا بالعريس وإنما باختراقهم الطبيعي والعادي جدًا لجدار رخو في شعب لم يعتد حتى الآن سوى التعامل ببراغماتية عالية حد الميوعة حتى مع القضايا المبدأية؟

هنا لا أتكلم عن النخب السياسية، ولكن عن قطاعات شعبية لها وجودها العياني بين ظهرانينا، ربما لا تكون عميلة بالمعنى الأمني للعمالة، وهي ليست صاحبة نظرة سياسية أو وجهة نظر سياسية تدافع عنها في مسألة شرعية التطبيع أو عدمها، إنما هي نتاج لثقافة سادت منذ أن كان هناك فتح لسوق العمل في الورش الصهيونية، والتي خلقت عند تخوم الخط الأخضر مجموعات بشرية يمكن خلال عشر دقائق أن تصل إلى تل ابيب أو إلى بئر السبع أو إلى مدن أخرى داخل الخط الأخضر.

هؤلاء استفادوا من الدخل العالي المتحقق في الورشة الصهيونية ليحققوا ليس فقط مكانة اقتصادية مقبولة، بل انتقلوا من مجرد عمال إلى مقاولين فرعيين أو مقاولي عمال تراحيل، وخلق ذلك لهم مكانة اجتماعية في الوسط المحلي كان لا بد أن تترجم إلى طموح سياسي في لحظة من اللحظات، خاصة بعد توقيع المقبور السادات لاتفاقية العار في كامب ديفيد ومحاولات بحثه مع بيغن عن تمثيل للشعب الفلسطيني غير منظمة التحرير، فكان أن انشئوا روابط القرى العميلة والتي كانت نخبها من القرى المتاخمة للخط الأخضر من شمال الضفة إلى جنوبها والتي شكلت لها مليشيا مسلحة، عدا عن اشتراط إدارة الاحتلال المدنية مراجعة مكاتب الروابط بخصوص معاملات المواطنين، وغير ذلك من الاجراءات التي حاول الاحتلال تعزيز الروابط من خلالها. هذه النخب اختفت خلال الانتفاضة الشعبية عام 1987، وقبل ذلك بعد اغتيال نائب رئيس اتحاد الروابط ونجله، حيث شكلت هذه مع انتفاضة آذار نيسان عام 1982 بداية أفول روابط القرى، ليرسم حلها جميل العملة بإعلان من خلال تلفزيون الاحتلال في حمأة الانتفاضة الشعبية.

ورغم اختفاء حضور الروابط العلني والمُشهر إلا أن علاقة نخبها بالاحتلال لم تنته، فيما لعب تراجع مفاعيل الانتفاضة وصولًا إلى إعلان اتفاق أوسلو وقيام السلطة إلى اعتبار تاريخ هؤلاء جزءًا من الماضي، فقد تم تحصينهم من الملاحقة القانونية من خلال السلطة بناء على الاتفاقات الأمنية، كما تجرأ جميل العملة بعدها أن أعلن ترشيح نفسه للمجلس التشريعي الأول دون أي طعن يؤدي إلى منعه من الترشح، هذا عني أن فلول الروابط حاولت تنظيف نفسها عبر قيادات محلية في السلطة أو عبر كادرات من التنظيم المركزي في مختلف مناطق الضفة، وحصل كثير منهم على صكوك غفران ولم يتعرضوا حتى لعزل اجتماعي أو سياسي مباشر.

هنا استراح رجالات الروابط من الملاحقة ومنهم كُثر التحقوا بفصائل سياسية، فيما غابت قيادتهم بالهجرة أو الموت أو الانزواء، لكن الاحتلال ظل يحفظ لهم بعض الجميل بتسهيلات في التصاريح للعمل أو المتاجرة معه، حيث انتقل أنصار الروابط من حالة المليشيا إلى حالة وكلاء الاسترزاق من العمل داخل الخط الاخضر أو استصدار التصاريح من وراء ظهر الارتباط المدني، بمعنى أن مكانتهم تحولت من مكانة قائمة على الغرض السياسي المناهض لطموحات الشعب إلى سماسرة وتجار مع ضباط صهاينة سابقون، وهذا تركز أيضا على تخوم الخط الأخضر.

لذا ليس غريبًا أن نجد قرى متاخمة للمستوطنات تحمل يافطات عبرية لمحلاتها التجارية، وليس غريبًا أن نجد المستوطنون يقصدون كراجات هذه القرى لتصليح سياراتهم أو التسوق من محلاتها حيث الأسعار الرخيصة، كما أنه ليس غريبًا في ظل عدم الاهتمام السلطوي والوطني بشكل عام بهذه القرى أن يجثو بعض شبان القرى ليحملوا المستوطنين القتلة، على أكتافهم ويرقصون بهم، ليس الأمر متعلق بسلوك الإنسان المقهور أو المهدور، إنما يتعلق بانسحاق كلي للذات الإنسانية عند هؤلاء، في ظل تعزز ثقافة الخلاص الفردي وثقافة الهروب من تهميش السلطة إلى وحل ثقافة التشبه بالمستعمر.

الحالة ليست هيّنة وهي خطيرة ونتاج إهمال الجهاز السياسي قبل الأمني، وبالتالي لا ينفع هنا سباب وشتائم واتهامات، بل ضرورة أن يجري توجه جاد نحو الاطراف بعد هذه التخمة في المركز. (انظروا فقط كيف يُكلف وزراء من بقايا روابط القرى المسكونين بالمستوطنين وثقافتهم، ومن خلال مواقعهم يمارسون الشراكات الاقتصادية على الملأ والتي تهدف لإحلال المستوطنين وتمكينهم).

إن من يؤسس لجنة للتواصل مع مجتمع المستوطنين لا يمكنه أن يواجه بقوة هذه الظاهرة، والأمر مطروح على قوى مواجهة التطبيع، فمن قال "نحن هنا مثل روابط القرى" لا يمكن أن يدخل ميدان المواجهة، بل يدخل إلى ميدان المنافسة.