Menu
حضارة

الذكرى الـ60 لزيارة تشي غيفارا إلى فلسطين

تشي غيفارا في قطاع غزة مع القادة الفلسطينيين والمصريين في مقر الحاكم العام أحمد سالم، يونيو، 1959

خاص بوابة الهدف_ باسل إسماعيل سالم

14 يونيو، يوم ميلاد المحارب بطل حرب العصابات إرنستو تشي جيفارا، حيث يكرم ويشيد العرب والفلسطينيون بإرثه وأفكاره التي لا تزال حية بالنسبة للقضية الفلسطينية والنضال الوطني التحرري. واليوم نحيي الذكرى الستين لزيارته إلى غزة، فلسطين.

قدّم الشباب الفلسطيني وحركة المقاومة الفلسطينية الفدائية بإبداع تجربتهم الخاصة وشكل النضال المناسب لقطاع غزة مستمدين الدعم المعنوي من انتصار الثورة الكوبية ووجود تشي غيفارا في قطاع غزة، في فلسطين. كان رمز هذه التجربة قائد عسكري، متمرد وفدائي فلسطيني، كان يسمى "جيفارا غزة"، إنّه محمد محمود الأسود، عضو المكتب السياسي وقائد القوات العسكرية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في قطاع غزة، كان قادرًا ومجموعاته الفدائية على السيطرة الميدانية على قطاع غزة ليلاً لمدة 3 سنوات بين عامي 1970 و 1973، باستخدامه أساليب حرب العصابات الخاصة في التخفي، فيما كانت قوات العدو الصهيوني تسيطر على القطاع في النهار. وتم الاعتراف بهذا من أعلى المستويات القيادية العسكرية والسياسية الصهيونية.

استشهد غيفارا غزة صاحب هذه التجربة غير المسبوقة بشكل بطولي خلال حصار العدو الصهيوني للمكان الذي كان فيه هو ورفاقه، بعد اشتباك ومواجهة غير متكافئة لصالح قوات العدو، أدت إلى استشهاد المجموعة الفدائية بأكملها، والتي نالت شرف الدفاع عن شعبها وأرضها فلسطين.

تكريمًا وتقديرًا لهذه التضحيات الوطنية البطلة، قدّم الثنائي الفني المصري: الشاعر أحمد فؤاد نجم والمغني الشيخ إمام عيسى أغنية بعنوان "جيفارا مات"، كانت هذه الأغنية مشهورة جدًا في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين ووسط الفقراء والمعدومين.

صحيح أنّنا فقدناهم جسديًا ولكن مثلهم وذاكرتهم ستكون دائمًا حاضرةً فينا، كما حدث وما تم فعليًا، عندما سقط القائد إرنستو تشي جيفارا في القتال في 9 أكتوبر 1967، و قبله بيوم واحد، أي في 8 أكتوبر، عندما اندلعت مواجهات بين رجال حرب العصابات والعدو ممثلًا بالجيش البوليفي وعناصر وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، الذين أحاطوا بهم في مكان ما من بوليفيا، استمر تشي في القتال حتى آخر رصاصة، وسقط جريحًا واعتقل، قاموا بتعذيبه وقتله بدم بارد في اليوم التالي. ضباط "السي أي أيه" هم من قاد عملية الاعتقال والتعذيب والإعدام بدم بارد، في محاولة لمحو ذكراه والمثَل الذي جسّده، بالإضافة إلى إضعاف معنويات الشعوب التي تقاتل وتناضل ضد الاستعمار والإمبريالية.

تشي غيفارا كان  مثلًا في الأممية ومحاربة الظلم والقمع. من أقواله:

"وطني هو المكان الذي يعاني فيه أي شعب من شعوب العالم الاضطهاد والظلم".

لقد ترك غيفارا بنضاله المستمر ضد الإمبريالية وأدواتها الرجعية حضورًا تاريخيًا كإرث للبشرية جمعاء.
كانت لتشي غيفارا مشاركة أساسية في الجيش المتمرد، بقيادة قائد الثورة الكوبية فيدل كاسترو، من أجل تحرير كوبا من نظام باتيستا. وبعد انتصار الثورة الكوبية، استلم تشي مسؤوليات كبيرة، منها أن تر أس وفدًا سياسيًا ودبلوماسيًا ممثلًا عن الحكومة الثورية لزيارة بلدان معاهدة باندونغ، التي أرست الأسس لإنشاء حركة عدم الانحياز.

استمرت هذه الجولة ثلاثة أشهر تقريبًا، من 12 يونيو إلى 8 سبتمبر 1959، كان الهدف هو إقامة جميع أنواع العلاقات السياسية والدبلوماسية والثقافية، والعلاقات الثنائية ومتعددة الأطراف. وكان الرجل الثاني الذي رافق تشي في الوفد هو كابتن جيش التمرد، عمر فرنانديز كانيزاريس.

لقد كان غيفارا مهتمًا جدًا بوحدة جميع الشعوب المضطهدة في أمريكا اللاتينية وإفريقيا وآسيا والذين يناضلوا من أجل الحرية والاستقلال. من أقواله "إن الأخٌوٌة التي توحدنا تتحدى مسافة البحار والمحيطات التي تفصلنا، تتحدى اللغات المختلفة وعدم وجود روابط ثقافية، لتتجسد في عناق نضالي وأخوي".

بدأت الجولة بزيارة الجمهورية العربية المتحدة- مصر، واستقبال الرئيس جمال عبد الناصر في القاهرة للوفد الكوبي مرتين، هناك عبّر غيفارا عن اعجابه بتجربة الوحدة بين مصر وسوريا كنواة للوحدة العربية، ولدى التطرق إلى العدوان الثلاثي البريطاني والفرنسي و"الإسرائيلي"، أكد تشي غيفارا أن الجمهورية العربية المتحدة انتصرت على العدوان بفعلين: الأول هو تسليح كل الجماهير والسكان؛ والثاني بالتضامن الدولي. وأكد على صحة وضرورة توزيع السلاح على الشعب لأن الشعب والجيش هم من واجهوا العدوان، هذا الشعب الذي وثق بقيادة عبد الناصر التي حققت شعبية غير مسبوقة.

في 18 يونيو، زار غيفارا قطاع غزة، وفيها التقى مع ضباط من الفرقة البرازيلية التابعة للقوات الدولية، التي أرسلتها الأمم المتحدة، وزار أيضًا وحدات الجيش المصري وتحدث مع الضباط المصريين، والتقى القادة الفلسطينيين، وكان مهتمًا بالظروف والأوضاع التي كان يعيشها اللاجئون الفلسطينيون في أجزاء مختلفة من قطاع غزة وفي صحراء سيناء، معربًا عن اقتناعه بأن عودة اللاجئين الفلسطينيين ستكون نتيجة للنضال والثورة.

 وفي غزة، تم تكريم تشي غيفارا بوسام المحرِّر العظيم للمضطهدين، وفي القاهرة، قدم له الرئيس المصري جمال عبد الناصر هذا الوسام التكريمي العالي.

شملت الجولة الرسمية الكوبية برئاسة غيفارا 12 دولة، منها يوغسلافيا والهند واليابان وباكستان وإندونيسيا وسيلان وميانمار الحالية ، إضافة إلى سوريا التي اتقى فيها جيفارا قادة البلد في دمشق، وبعدها زار الوفد الرسمي دولتين عربيتين هما السودان والمغرب.

 ولدى عودة الوفد إلى هافانا ونتيجةً لهذه الزيارات تمت دعوة كوبا للمؤتمر الثاني لحركة عدم الانحياز، وبعد ذلك أصبحت كوبا إحدى الدول المؤسسة.

في إشارة إلى زيارة ووجود تشي جيفارا في قطاع غزة الفلسطيني، أكد المؤرخ والباحث الفلسطيني الكبير سلمان أبو ستة التالي: "كانت الزيارة حدثًا تاريخيًا ومثلت بداية التدويل للقضية الفلسطينية".

كان للقائد الأعلى للثورة الكوبية فيدل كاسترو وتشي غيفارا دورًا مهمًا للغاية في تأسيس منظمة  التضامن لشعوب أسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية "أوسبال"، عندما التقى في المؤتمر ممثلو القارات الثلاثية في هافانا في يناير 1966، بهدف  تكاثف الجهود والتضامن. 

كما كان أحد مؤسسي هذا المؤتمر، المناضل المغربي والعربي والأممي المهدي بن بركة، والذي لاحقًا تم اغتياله في باريس، من خلال عملية مشتركة لأجهزة الاستخبارات المغربية والفرنسية والصهيونية الإسرائيلية "الموساد".

منذ المؤتمر الأول لتضامن القارات الثلاثة، كان هناك ممثلون فلسطينيون لمنظمة التحرير الفلسطينية؛ فالثورة الفلسطينية وباعتبارها حركة تحرير وطن ، هي منتمية لمنظمة التضامن لشعوب القارات الثلاثة وهي جزء منها.

تمر علينا الذكرى الـ60 لزيارة تشي غيفارا للأراضي الفلسطينية، وفي الذكرى 91 لميلاد جيفارا الأرجنتيني، كوبي الجنسية بفضل كل التضحيات والنضالات التي قدمها خلال الثورة الكوبية من أجل تحرير كوبا، كما كان يعتبر نفسه أفريقيًا ومناضلًا ومتمردًا مع إخوته الفلسطينيين والعرب.

وللتذكير كان غيفارا قد استقال من كافة مناصبه الرفيعة، وترك البلد الذي يحتضنه والذي كان وطنًا له ليذهب إلى بوليفيا، وهناك عمل على تنظيم الفلاحين والثوريين من أجل تحرير الشعوب، حتى المشاركة في معركته الأخيرة في 8 أكتوبر1967.

تشي جيفارا، في ذكراك نقول ونكرر معك كل ما أكدته وكررته مرات عديدة... "لا يمكنك الوثوق بالإمبريالية مطلقًا ولا للحظة، أبدًا". "حتى النصر دومًا"