Menu
حضارة

تفجير الناقلات وصراع الخيارات في الخليج

محمد السعيد إدريس

نقلًا عن الأهرام المصرية

إذا إتفقنا على أن حادثة تفجير ناقلتى النفط (اليابانية والنرويجية) يوم الخميس الفائت (13/6/2019) فى خليج عمان بالقرب من مدخل مضيق هرمز يعتبر "محطة فارقة" فى تطورات الأزمة المتفجرة بين الولايات المتحدة وإيران منذ انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق الدولى الموقع مع إيران حول برنامجها النووى ومنذ التوجه الأمريكى لتشديد العقوبات على إيران وتصعيد هذه العقوبات لتشمل منع إيران من تصدير نفطها ثم منعها مؤخراً من تصدير منتجاتها النفطية أيضاً، فإن السؤال المهم الذى يجب أن يشغلنا الآن فى مصر على وجه الخصوص هو إلى أين ستتجه الأزمة بعد هذه الحادثة؟ وبوضوح أكثر هل الحرب باتت وشيكة؟ وإذا كانت الإجابة هى نعم فمن ستكون أطرافها؟ هل ستكون حرباً أمريكية- إيرانية بحتة أم أنها ستتسع لتضم أطرافاً أخرى منها معظم الدول العربية الخليجية؟ وإذا كان الأمر كذلك فكيف سيكون الموقف المصرى خصوصاً وأن هناك أصوات ذات اعتبار وذات حيثية مرموقة فى بعض الدول الخليجية الشقيقة باتت تتساءل: أين مصر من إيران؟

سؤال مفعم بالعتاب وينتظر إجابة فى وقت تتلاطم فيه النوايا والمخططات من كل جانب، لكن والأهم هو ذلك التزامن "المريب" بين التصعيد الذى يمكن اعتباره مفتعلاً، أو بفعل فاعل، فى الأزمة الأمريكية- الإيرانية وبين ورشة البحرين الخاصة بالبحث فيما يسمى بخيار "السلام والازدهار" الذى يتعلق بالشق الاقتصادى فى المشروع الأمريكى للسلام الذى يحمل اسم "صفقة القرن" الذى رفضه الفلسطينيون باعتباره يعد بمثابة "تصفية" للقضية الفلسطينية وتجاوز لكل قرارات الشرعية الدولية بل ومبادرة السلام العربية.

سؤال إلى أين ستتجه الأزمة حرص "مركز أبحاث الأمن القومى" التابع لجامعة تل أبيب أن يجيب عليه، حيث خلص إلى أن الأزمة ستبقى محكومة بخيارين: إما التفاوض وإما الحرب، كما خلص إلى أنه "لا الولايات المتحدة ولا إيران لديهما أى مصلحة فى التدهور" أى ليست لهما مصلحة فى الحرب، ما يعنى أن الأزمة ستكون محكومة بتفاعلات خيار التفاوض. لكن الخلاصة الأهم، من وجهة نظر هذا المركز الإسرائيلى المهم الذى يعبر بدرجة كبيرة عن إدراكات النخبة الإستراتيجية فى الكيان الصهيونى هو بالنص أنه "إذا تم فتح المفاوضات (أى إذا اتجه الطرفان الأمريكى والإيرانى للأخذ بخيار التفاوض أياً كانت أجندة هذا التفاوض) فستختلف المصالح الأمريكية عن تلك التى تريد إسرائيل تحقيقها".

التقرير الإسرائيلى كان مدركاً بوجود أسباب موضوعية تستبعد خيار الحرب وترجح خيار التفاوض، منها أنه مع اقتراب نهاية عام 2019 سوف تدخل الولايات المتحدة سنة الانتخابات الرئاسية التى ستجرى فى نوفمبر 2020، وهو "أمر غير مرجح أن يسمح للإدارة الأخذ بخيار الحرب"، كما أن إيران التى ترفض الآن المطالب الأمريكية بالتفاوض على اتفاق جديد حول برنامجها النووى قد تقبل تكتيكياً بالتفاوض إذا سمحت لها واشنطن ببيع النفط، مع حرص أن يكون التفاوض على أجندة مفتوحة "تسمح لطهران بجرجرة الوقت على أمل أن يكون الرئيس ترامب رئيساً لولاية واحدة"، أى أن يفشل ترامب فى الفوز بولاية ثانية، عندها يمكن تغيير المعادلة كلياً، وتجد إيران من يدعمها، من داخل الولايات المتحدة وخارجها، بالعودة الأمريكية للاتفاق النووى الذى انسحبت منه واشنطن. من هنا يأتى الحذر الإسرائيلى من خيار التفاوض ويمكننا الاقتناع بأن إسرائيل ليست لها مصلحة فى إنجاح خيار التفاوض وأن خيار الحرب، أياً كانت تفاصيلها، هى الخيار المفضل للإسرائيليين فى ظل توقع حدوث نتيجتين أولهما: ما يتحدث عنه الإسرائيليون بخيار "تكسير رأس الأفعى" أى كسر إرادة النظام الإيرانى ومنعه من أن يكون قوة إقليمية مناوئة للطموحات الإسرائيلية، وثانيهما تعميق التحالف الإسرائيلى مع دول عربية، وتمكين إسرائيل من أن تكون قائدة لنظام إقليمى جديد فى الشرق الأوسط خال كلية من أعباء القضية الفلسطينية، أى تصفية القضية الفلسطينية نهائياً وسيطرة إسرائيل على كل أراضى الوطن الفلسطينى من النهر إلى البحر.

هذا التصور أو الطموح الإسرائيلى للدفع بخيار الحرب قد يتراجع فى المستقبل القريب فى ظل التداعيات التى أخذت تترتب على حادثة تفجير ناقلتى النفط فى خليج عمان من أبرز هذه التداعيات وجود توجه أمريكى- بريطانى- سعودى – إماراتى يطالب بـ "تدويل مضيق هرمز" بإرسال سفن حربية لحماية الملاحة الدولية عبر المضيق، أى منع إيران من أن تكون هى القوة المتفردة بالسيطرة والهيمنة على الملاحة فى هذا المضيق ومنعها من إعاقة الملاحة فى المضيق الذى تمر عبره أكثر من ثلث مصادر الطاقة العالمية إلى الأسواق الدولية.

فقد تحدثت صحيفة التايمز البريطانية عن جهود أمريكية- بريطانية جرت فى جلسة مجلس الأمن المغلقة التى عقدت يوم الجمعة الفائت (14/6/2019) للبحث فى حادثة تفجير ناقلتى النفط فى خليج عمان عملت فى هذا الاتجاه، فى ظل قناعة واتهامات مباشرة أمريكية- بريطانية لإيران بالمسئولية عن هذا الحادث. كما طالبت كل من الإمارات على لسان وزير خارجيتها الشيخ عبد الله بن زايد و السعودية على لسان وزير النفط السعودى خالد الفالح بضرورة تأمين إمدادات الطاقة فى مياه الخليج العربى. وأكد هذا التوجه ولى العهد السعودى الأمير محمد بن سلمان فى حوار أمس الأول (16/6/2019) مع صحيفة "الشرق الأوسط" السعودية، الذى حمَّل إيران مسئولية تفجير الناقتلين.

لكن خيار تدويل مضيق هرمز يواجه الكثير من التحديات أبرزها أولاً انقسام الموقف الغربى من تحميل إيران مسئولية تفجير الناقلتين، الأمر الذى من شأنه أن يعرقل جهود تشكيل تحالف دولى ضد إيران لحماية الأمن، وثانياً احتمال حدوث تدويل للأزمة فى ظل التشدد الأمريكى ضد إيران، أى تحويل الأزمة الراهنة من مجرد أزمة أمريكية- إيرانية إلى أزمة دولية يرجح حدوثها اتجاه العالم نحو استقطاب ثنائى جديد الأول تكتل تقوده الولايات المتحدة وشركاءها والثانى تكتل تقوده الصين وروسيا ظهرت معالمه فى مقررات قمتين متعاقبتين قادتهما روسيا والصين فى ذروة تفجيرالناقلتين.

فإذا كانت بريطانيا تدعم الموقف الأمريكى الذى يتهم إيران بالمسئولية عن تفجير الناقلتين فإن ألمانيا واليابان تعارضان ذلك. فقد أعلن هايكو ماس وزير الخارجية الألمانى خلال زيارته للعاصمة النرويجية أوسلو (14/6/2019) أن "مقطع الفيديو الذى نشرته الولايات المتحدة، لا يكفى لإثبات أن إيران تقف وراء هذا الهجوم"، وقال: "نستطيع أن نفهم ما يعرض بالطبع، لكن بالنسبة لى، هذا لا يكفى لوضع تقييم نهائى". ومن جهته قال وزير الدفاع اليابانى تكايشى إوليا أن الهجوم على ناقلات النفط بخليج عمان "لا يشكل تهديداً لليابان". جاء ذلك فى معرض تأكيده عدم اعتزام طوكيو إرسال قوات عسكرية إلى مضيق هرمز، وقال "لا نخطط لإرسال قوات عسكرية إلى مضيق هرمز رداً على الجهمات فالوضع فى خليج عمان لم نصنفه على أنه تهديد وشيك".

الموقف الروسى والصينى مختلف كلياً مع هذا التوجه الذى تسعى إليه واشنطن، فرد الفعل الروسى الأول كان إنكار التسرع فى تحميل إيران مسئولية حادث تفجير الناقلتين، وقال بيان لوزارة الخارجية الروسية، أن "إلقاء اللوم على أى طرف بتورطه فى الحادث، قبل أن يتم الانتهاء من تحقيق دولى شامل وحيادى أمر غير مقبول"، أما رد الفعل الأهم فجاء من خلال قمة "منظمة شنغهاى" التى عقدت فى "بيشكيك" عاصمة قرغيزستان (الجمعة 14/6/2019) وحضرتها إيران باعتبارها عضواً مراقباً، ثم من خلال قمة "مؤتمر التفاعل وبناء الثقة فى آسيا" التى عقدت فى اليوم التالى مباشرة (السبت 15/6/2019) فى "دوشنبه" عاصمة "طاجيكستان" القمتان شهدتا حضوراً إيرانياً مميزاً للرئيس حسن روحانى ودعم من الدول المشاركة فى القمتين ومنها روسيا والصين والهند وباكستان للاتفاق النووى الإيرانى، والإشادة بالتزام إيران بهذا الاتفاق، ومطالبة الدول الأخرى (أمريكا) تنفيذ التزاماتها، كما أكدت فى ذات الوقت على التزام الحوار ورفض سياسة الإملاءات.

تطور مهم تدعمه الحرب الاقتصادية المتصاعدة بين الولايات المتحدة، وكلٍ من الصين وروسيا، كما يدعمه تصعيد التعاون بين روسيا والصين خصوصاً أن هذا كله يحدث فى ظل ما يمكن اعتباره تفكك فى "التحالف الغربى" بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى، وبين بريطانيا والاتحاد الأوروبى، تطور يقول أنه إذا كانت الولايات المتحدة وشركاءها الدوليين والإقليميين تتجه إلى فرض خيار "تدويل مضيق هرمز" لاحتواء القوة الإيرانية، فإن واقع الأمر يقول أن السياسة الأمريكية للرئيس دونالد ترامب أخذت تدفع إلى فرض استقطاب دولى قد يؤدى إلى "تدويل" الأزمة الأمريكية- الإيرانية بكل ما يعنيه ذلك من مخاطر وتهديدات للطموحات والمخططات الأمريكية.

تطور يجب أن تضعه الدول المعنية فى اعتبارها وفى مقدمتها مصر التى يريد البعض أن يضعها فى "عين العاصفة"!