Menu
حضارة

قراءة في وفاة الرئيس محمد مرسي

حاتم استانبولي

غزة_ بوابة الهدف

موت الرئيس مرسي يطرح ضرورة إعادة التدقيق في دور الإخوان المسلمون في ما حصل من احداث في المنطقة، منذ ان خرج التونسي في شارع بورقيبة في تونس ليصرخ ابن علي هرب توالت الأحداث في تونس واستحضر الغنوشي وإخوانه، وبدأ مسلسل أخونة الأحداث والنتائج بمساعدة خليجية ( قطر ية) واضحة، والكل يذكر ما حدث في عهد المرزوقي الذي استحضر من قناة الجزيرة ليحل محل بن على الهارب إلى السعودية التي بدورها حكمت في تونس من على أرضية الخلاف مع قطر التي كانت تمثل رؤية إدارة الديمقراطيون في البيت الأبيض وتغير موقفها بعد أن جاء الجمهوريون ودخلت في صراع معها في الملفات الإقليمية.

والجميع يذكر أن ما جرى في ميدان التحرير في القاهرة لم يكن الإخوان المسلمون يكترثون له في الأسبوع الأول وكانوا بعيدين عن ما جرى حتى تأكد لهم أن الشارع المصري خرج بكل أطيافه وألوانه؛ والكل يذكر أن قيادة الإخوان كانت قد التقت مع السفيرة الأمريكية في القاهرة وطرحت نفسها ومرشحها خيرت الشاطر كرئيس مقبل لمصر، في حين كانت تؤكد للقوى السياسية المصرية التي خرجت للميدان قبل الإخوان أنهم لن يقدموا مرشح للرئاسة وسيكتفوا بالعودة للنشاط السياسي من خلال البرلمان المصر؛ والكل يذكر أن لقاءات قد حصلت بين محمد مرسي ووزيرة الخارجية الأمريكية قبل وبعد رئاسته وهو كان مرشح (الإدارة الديمقراطية) بعد أن استبعد الشاطر لأسباب قانونية.

إن تغيير الموقف الإخواني بالنسبة للترشح للرئاسة كان قد فتح الباب للعوامل الخارجية في التأثير على مسار الثورة المصرية، حيث تجلى التناقض الخارجي ولعب دورًا رئيسيًا في مجريات الاحداث المصرية، وتوضح الخلاف الإماراتي السعودي من جهة، والقطري من جهة أخرى، وهذا كان انعكاس لموقف الإدارة الأمريكية المنقسمة حول دور الإخوان في (الربيع العربي)، حيث كان يدفع الديمقراطيون بالإخوان ليتصدروا المشهد، في حين كان الجمهوريون يريدون إعادة إنتاج النظام الرسمي المرتبط والخاضع لتوجهاتها.

ما أقدم عليه الاخوان في مصر فتح بابًا واسعًا للانقضاض على إنجازات الثورة المصرية التي كانت تطالب بتغيير نهج النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي، حيث إن تغيير موقفهم من مقاطع لانتخابات الرئاسة لمشارك فيه، كان مدخلًا لغلق الباب أمام ممثل القوى القومية والديمقراطية وتغييرًا للمشهد السياسي؛ ولو قدر أن كانت المعركة بين حمدين صباحي وشفيق لكانت بالضرورة ستكون لصالح حمدين كون شفيق هو امتداد لنظام حسني مبارك.

الخلاف مع الإخوان يجب أن يوضع بالخانة السياسية، ويطرح التساؤل عن دورهم السياسي إن كان في سورية، أو مصر، أو العراق، أو الجزائر، أو اليمن، وأنهم بالمعنى التاريخي هم نتاج سايكس بيكو ودورهم عبر التاريخ كان من حيث المكان والزمان هو دور معيق للتطور الديمقراطي والوطني للمنطقة.

فمرور سريع على دورهم من حيث التاريخ هم من وقفوا مع النظام في الأردن ضد القوى الوطنية، ودخلوا في تحالف عضوي معه منذ الخمسينيات، وهم من عبؤا الفراغ السياسي في بداية السبعينييات. وقفوا ضد نظام عبد الناصر وسياساته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بعد أن كانوا في وئام مع الملك فاروق، وعملوا على تقويض كل إنجازاته ودخلوا في تحالف وهدنة مع نظام السادات ومبارك. في المغرب متحالفين مع النظام الملكي ويدعمون كل سياساته التي تجابه القوى الوطنية والديمقراطية. موقفهم في سورية، وتحويل سورية إلى حمام دم بدؤوها في بداية الثمانينيات عندما أقدموا على مذبحة كلية صف الضباط في حلب، واستمروا في دورهم التخريبي فيها تحت عناوين مذهبية وعملوا على تقويض النسيج الاجتماعي وتفتيته في سورية. بالمعنى السياسي محمد مرسي مات عندما أعلن في إستاد القاهرة أمام أئمة علماء الإخوان المسلمون عن أن الجهاد هو فرض عين في سوريا، في حين لم يذكر اسرائيل أو أمريكا بكلمة، وهو من "توسط" في العدوان الإسرائيلي على غزة في رئاسته عام 2012، وأعاد الهدنة التي اتفق عليها في عهد مبارك.

بالمعنى الفكري من رحمهم خرجت كل التنظيمات المتطرفة، إن كانت تحت عناوين جهادية أصولية، أو إن كانت طائفية، أو مذهبية، ودخلوا في صراع مع مكونات المجتمع كافة، وهم أول من استخدموا العنف في حل الخلاف السياسي الذي وضعوه في الخانة الدينية.

بالمعنى الفكري أيضًا، هم وضعوا أنفسهم في خانة وحدانية الدفاع عن الإسلام، وبهذا شرعوا تصفية خصومهم الذين اختلفوا معهم من على الأرضية الدينية ذاتها، حيث وضعوا سقف التقييم على أساس رؤيتهم الدينية الخاصة، وكل من انشق عنهم كان على يمينهم، وهذا ما لمسناه في سورية ومصر والجزائر وأفغانستان.

التاريخ يخبرنا بأنهم دخلوا في حكومة بريمر في العراق، ويقاتلون إلى جانب السعودية في اليمن، ويتراجعون عندما يتراجع الموقف القطري التركي، ومراجعاتهم السياسية تقوم على أساس الموقف من النظام في الأردن، وليس على أساس موقفهم ودورهم الوطني التحرري؛ كل هذا يؤكد أن معاييرهم للقضايا السياسية والاجتماعيةهي فئوية مرتبطة بالدور التاريخي السياسي والاجتماعي منذ بداية تأسيسهم في العشرينيات من القرن السابق.

السؤال السياسي: إذا كان موقفهم السياسي معادي للسياسيات الأمريكية، كان عليهم وعلى رئيسهم المنتخب الإسراع في إلغاء اتفاقية كامب ديفيد أو على الأقل تجميدها؟

لكن بالعودة إلى خطاباته كان يؤكد على الالتزام بها. لو كان موقف الإخوان رافضًا للمشاريع التصفوية التي تقودها أمريكا في المنطقة لأعلنوا موقفًا واضحًا من النظم المتحالفة، أو الصديقة معها ومع إسرائيل.

الموقف الوطني الديمقراطي يتطلب أن يكون واضحًا ويصطف على الأرضية الوطنية، أما تقديم الديني على الوطني يضع المهمات الدينية أولوية بالمعنى السياسي ويضيع البوصلة، وبالمعنى الديني يدخلنا في صراع على الأولوية الدينية التي يعترف الإخوان باليهودية ومقولاتهم التوراتية ولا يفيد التبرير والحديث عن تزوير المقولات بهذا الصدد؛ لكون الإخوان ليس هم الجهة التي تقرر ذلك بالمعنى الديني فقط "الله" هو من يقرر ذلك، وهذا في "يوم الحساب".

هنالك أمثلة كثيرة وآخرها زيارة الوفود التطبيعية لتونس في ظل حكوةة النهضة، وإعطاء ممثل الصهاينة وزارة السياحة في حكومة تدعمها النهضة والغنوشي على أساس التسامح الديني، وهذا يكشف مجددًا حقيقة الدور السياسي المغلف بالموقف الديني.

الإخوان المسلمون اسمهم يحمل الموقف اللاوطني، بمعنى أن أرضية محاكماتهم هي محاكمات تقوم على أساس المقولات الدينية، وليست المصالح الوطنية، وهنا هم في تعارض بنيوي مع المواقف الوطنية والديمقراطية ... لذلك الخلاف مع الإخوان المسلمون هو من على الأرضية الوطنية التحررية ذات الطابع الاجتماعي والسياسي وليس خلاف على محمد مرسي ووفاته.