Menu
حضارة

من لونغ برينجر إلى كوشنير: المستعمر لن يمنح شيئا للفلسطينيين

بوابة الهدف - ترجمة بتصرف: أحمد مصطفى جابر

هل يتوقع أحد أن تكون الصفقة التي يعدها ترامب أفضل للفلسطينيين من تلك التي أعدها لهم ابريطانيون قبل مائة عام عندما أصدروا وعد بلفور، وهل سيكون الأمريكان أكثر كرما معنا نحن الفلسطينيين من البريطانيين.

عندما غادر البريطانيون فلسطين عام 1948، كانوا في الحقيقة قد وضعوا حجر الأساس لوريثهم الاستعماري الأخطر، ولصراع مازال ممتدا ولا يبدو –في جميع التوقعات بل وأكثرها تفاؤلا- أن ترامب سينجح في إنهائه.

يراهن تراب أن خطة موضوعة من قبل محامين وسماسرة ورجال أعمال، ولمصلحتهم أيضا، وسيقوج جاريد كوشنير بإطلاق القسم الاقتصادي من الخطة بعد أيام قليلة عبر ورشة اقتصادية في البحرين ، ولكن تبين أن لاأحد سيحضر هذه الورشة من الرسميين، بل أيضا رجال أعمال، وسماسرة، وربما بعض السياسيين الفاسدين.

في هذا النص ترجمة بتصرف لمقالة طويلة لـ جوناثان أدلر خريج حديث لجامعة ييل، حيث استكشف بحثه التاريخ السياسي والاقتصادي للانتداب البريطاني في فلسطين.

طبعا ستناقش ورشة البحرين ما يزعمون إنه تحسين الحياة الاقتصادية للفلسطينين، ربما سيزودونهم بخطوط كهرباء أفضل، وقنوات جديدة للصرف الصحي، ويفتح بعض رجال الأعمال الفلسطينيين و"الإسرائيليين" مشاركات تجارية ضخمة، عبر استنساخ مجمع رامي ليفي، ولكن لن يكون هناك أي حديث عن حرية الفلسطينيين ومصالحهم السياسية ولا أحد سيناقش إمكانية السماح لللاجئين بالذهاب للتسوق في تلك المولات.

طبعا سيرد متعمق أكثر إننا نتجنى على هذا المسار الاقتصادي وإن الأمور أكثر تعقيدا من هذاـ ولايمكن السخرية من المجال االاقتصادي بهذه اللغة، حسنا، هذا صحيح، ولكن العبيد لايهمهم نوعية المعدن الذي تصنع منه القيود، ألم يأت الانتداب محمولا على أجنحة التحديث وتطوير البلد المتخلف الخارج من ربقة الاحتلال العثماني.

طبعا يتحدث هؤلاء المتفائلون الغاضبون من احتجاجنا الصلب على هذه الخطة، عن الاستثمارات الضخمة حيث يقترح بعضهم كما حال الصحفي فيكي واارد أن تشمل الصفقة خط أنابيب سعودي إلى غزة، مع استكمال معامل التكرير ومحطات تحلية المياه ومحطة شحن في غزة.

كما أن هناك شائعات انتشرت بقوة حول خطة سكة حديد عبر الصحراء، يربط بغداد بحيفا، وورد أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان قد عرض على السلطة الفلسطينية مبلغ 10 مليارات دولار إذا قبلوا صفقة ترامب وتخلوا عن مطالبتهم بعاصمة فلسطينية في القدس الشرقية.

العنصر السياسي الذي يتأجل مرارا وتكرارا لن يكشف عنه حتى اواسط نوفمبر/تشرين ثاني ومن الواضح حتى الآن أنها لن تشمل دولة فلسطينية مستقلة.

وفي مقابلة مع روبرت ساتلوف المدير التنفيذي لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، رفض كوشنر إقامة الدولة الفلسطينية باعتبارها دلالات: "إذا قلت" دولتان "، فهذا يعني شيئًا واحدًا للإسرائيليين، أنها دولة واحدة، لذلك دعونا لانقول ذلك" ومن الواضح أن هذا ليس بداية عمل للسلطة الفلسطينية التي لايوجد أي ضمان لوجودها في ورشة العمل القادمة.

ويجادل ساتلوف أن علينا "النظر إلى كوشنر وزملاؤه كمطورين يتقدمون بطلبات للحصول على دروس في الشرق الأوسط من سوق العقارات في نيويورك أكثر من كونهم دبلوماسيين يحاولون حل نزاع دولي شائك طويل الأمد". لكن هذا النهج ليس بالأمر الجديد، وفي الواقع، يتبع كوشنر تقليدًا طويلًا في إبرام الصفقات في الشرق الأوسط، والذي أثبت عن طريق إعطاء الأولوية للتنمية الاقتصادية وتجنب أو تأخير الحلول السياسية أنه كارثي بالنسبة للمنطقة وللفلسطين بشكل خاص، هل يجب القول إنه تقليد فاشل تماما؟

ولكن ماعلاقة هذا بماقلناه في المقدمة عن الصفقة التي عقدت قبل مائة عام وهي ذاتها الصفقة التي دقت فيها ربما أول مسامير نعش (صفقة القرن).

لم تنه الحرب العالمية الأولى ليعاد تقسيم الامبراطوريات وتوزيع الأراضي المستعمرة على المنتصرين، بل كان هناك إعادة تقسيم لكل المنافع التي خسرها المهزومون لمصلحة الدول الحليفة، يشمل هذا تقاسم السيطرة على الشعوب والأراضي، والثروات وأيضا بما فيها النفط الواعد كثروة عظيمة.

في الثامن من نيسان/أبريل عام 1919، التقى وزيرا البترول البريطاني والفرنسي للتفاوض بشأن اتفاقهما الخاص قبل الحرب العالمية الأولى، كانت بريطانيا قد استحوذت على 50 في المائة من أسهم شركة البترول التركية (TPC)، وهي كانت حصلت على حقوق استكشاف النفط في العراق، و تم تقسيم الأسهم المتبقية بين المستثمرين الألمان والهولنديين.

وبحلول نهاية الحرب، برزت بريطانيا وفرنسا كقوات حليفة منتصرة يمكنها إعادة تشكيل اتفاقيات النفط التي عقدت قبل الحرب لتناسب مصالحها الخاصة، واتفق وزيرا النفط، والتر لونغ وهنري برينجر، على أن فرنسا ستحصل على حصص TPC التي كان يملكها الألمان في السابق، في المقابل، تخلت فرنسا عن مطالبها الإقليمية بشأن منطقة الموصل الغنية بالنفط في العراق والتزمت بإنشاء خطوط أنابيب وسكك حديدية تربط العراق بالبحر الأبيض المتوسط.

كانت الخطوة التالية هي تقديم رؤية سياسية لتبرير السيطرة البريطانية والفرنسية على المنطقة، وفي عهد عصبة الأمم، وقعت في حزيران/ يونيو 1919، أنشأ نظام الانتداب، الذي يحدد أن الأراضي "التي تقطنها الشعوب التي ليست قادرة بعد على حكمم نفسها" ستوضع تحت إشراف مؤقت من "الدول المتقدمة"، بريطانيا وفرنسا بما يمكن تلك الدول الادعاء بأنها تحمي "رفاهية وتطور" شعوب الشرق الأوسط مع تحقيق أهدافهم الإمبراطورية.

مثل ما يدعي كوشنير اليوم، ادعت بريطانيا أن تطوير الصناعة الحديثة يأتي بالضرورة قبل تأسيس نظام سياسي فلسطيني مستقل، ومع ذلك، فإن سعي بريطانيا لبناء خط أنابيب إلى البحر الأبيض المتوسط ​​، على النحو المضمون بموجب اتفاقية لونغ بيرنجر، جاء على حساب الفلسطينيين مباشرة.

على الرغم من أن مسوحات الأراضي أظهرت أن مد خط أنابيب من العراق إلى مدينة طرابلس الساحلية سيكون الخيار السليم من الناحية المالية، فقد سعت بريطانيا إلى محطة نفط في فلسطين، تحت سلطتها المباشرة، في ميناء حيفا، و بعد كشف TPC عن النفط في العراق في عام 1927، أمدت بريطانيا شركة النفط بامتيازات غير مسبوقة، و حصلت الشركة على إعفاء من جميع الضرائب المحلية تقريبًا، والوصول إلى أراضي الدولة مع الحق في مصادرة أراضي خاصة إضافية، وإذن لاستيراد العمالة الأجنبية.

جرت مفاوضات بين TPC التي أصبحت شركة البترول العراقية في عام 1928والحكومة البريطانية دون أي مساهمة من الفلسطينيين، و خط أنابيب العراق-حيفا، الذي اكتمل في عام 1935، ضمّن واحدة من المصالح البريطانية الطويلة الأمد، ولكن لأنها لم تقدم أي فائدة إيجابية للسكان الفلسطينيين المحليين في شكل إيرادات ضريبية، فإنها لم تفعل شيئًا لمعالجة - وتفاقمت في بعض الحالات - المشاكل المتزايدة المتمثلة في فقدان الأراضي والبطالة التي ابتلي بها المجتمع الفلسطيني طوال ذلك العقد.

كان لتركيز بريطانيا المفرد على التنمية الاستعمارية في فلسطين تأثير سياسي حاسم أيضًا: لتدعيم دعم بريطانيا للاستيطان اليهودي، و كان المسؤولون البريطانيون ينظرون إلى المجتمع الفلسطيني على أنه غير متوافق مع رؤيتهم للتنمية ويفضلون العمل مع الصناعيين اليهود الأوروبيين والأوروبيين الذين اشترطوا استثماراتهم مقابل الدعم البريطاني للمشروع الصهيوني، و كانت البنية التحتية واسعة النطاق مثل خط أنابيب IPC نقطة التقاء المصالح البريطانية والصهيونية.

هل يمكن ان ينال الفلسطينيون شيئا مختلفا من خطة كوشنير؟

بالنسبة للفلسطينيين، فإن الخطاب القوي لبريطانيا حول اهتمامهم بـ "رفاهية السكان المحليين وتنميتهم" حمل رنة جوفاء، فقد وسعت بريطانيا ببساطة إمبراطوريتها إلى الشرق الأوسط، و أبعدت الفلسطينيين عن السيادة السياسية.

ورغم أن الحكم البريطاني في فلسطين الآن ذكرى بعيدة، إلا أن منطقه القديم ما زال يعمل، ويزعم كوشنير أن الصراع خنق الفرص الاقتصادية، ولكنه لايرى جوهر الصراع ويفشل في تجاوز النظرة كسمسار عقارات، ولايرى الطرد والاحتلال العسكري والتطهير العرقي، وهذه أشياء لايمكن حلها بتعووض اقتصادي بل بحل سياسي عادل.

بالنسبة إلى كوشنير، فإن التاريخ ليس سوى عبء، و يعتقد أن على الفلسطينيين ببساطة التخلي عن "الصراع الذي خاضه أجدادهم" والسماح لخطته "بالتركيز على تطوير البنية التحتية والقواعد والتدريب لكثير من الناس، أي عملية تنمية بشرية متعددة المستويات، ولكنه يرفض التصريح عن من الذي سيطور البنية التحتية، ووضع القواعد، وتوفير التدريب، ولا يناقش الشروط التي يجب أن يوافق عليها الفلسطينيون لتلقي هذه "الهبة" المسمومة في الاستثمار الغامض، بما في ذلك دول الخليج و مصر والأردن والعراق والكيان الصهيوني والولايات المتحدة - الجميع باستثناء الفلسطينيين - سيكونون المستفيدين الرئيسيين.

لذلك من العادل أن نعتبر صفقة كوشنر أسوأ بالنسبة لنا نحن الفلسطينيين مما عرضته بريطانيا قبل قرن من الزمان، وإذا كان قد تم تبرير الانتداب – زيفا- كخطوة نحو تقرير المصير والسيادة للفلسطينيين، فإن صفقة كوشنر، من ناحية أخرى، ستحاول رشوة الفلسطينيين بعيدا عن السيادة السياسية بل مجرد وعد بالازدهار الاقتصادي.

إن التاريخ غني بالدروس التي تبين أن التنمية الاقتصادية لايمكن أبدا أن تكون بديلا عن الحلل السياسي والسلام، وفي منطقتنا بالذات كانت البنية التحتية دائما سيفا ذا حدين: فمن خلال بناء خطوط الأنابيب ووضع خطوط السكك الحديدية، كانت شركات النفط تقوم أيضًا ببناء "البنية التحتية للاحتجاج السياسي".

وكان هذا صحيحًا بشكل خاص في فلسطين، حيث كان خط أنابيب IPC والجسور وخطوط الهاتف والقطارات وغيرها من البنى التحتية البريطانية أهدافًا متكررة للهجوم، أثناء الانتفاضات الجماعية المناهضة للاستعمار في أواخر الثلاثينيات، و لحماية استثماراتها، نقلت بريطانيا عشرات الآلاف من القوات إلى فلسطين وقمعت بعنف التمرد. كما جندوا المجندين اليهود الذين تعلموا مفاتيح الإستراتيجية البريطانية لمكافحة التمرد: تعذيب وقتل المدنيين، وتدمير المنازل، وتفجير القرى.كانت هذه هي نفس التكتيكات الوحشية التي استخدمتها الهاجانا لطرد مئات الآلاف من الفلسطينيين بعد عقد من الزمان.

غادر البريطانيون فلسطين في مايو 1948 بعد أن وضعوا الأساس لمدة 100 عام من الصراع.؟ في الواقع مع قيادة الإمبرياليين الجدد مثل كوشنر، يجب ألا نتوقع شيئًا أفضل.