Menu
حضارة

صفقة القرن وتكثيف الهزيمة

ابو علي حسن

غزة_ بوابة الهدف

منذ عامين بالتقريب والعالم العربي بقواه السياسية وأنظمته الرسمية والرأي العام العربي, يقع تحت وقع حرب الأعصاب التي افتعلتها الإدارة الأمريكية بفعل قنبلتها السياسية التي سوف تطلقها في الفضاء العربي لحل الصراع العربي – الإسرائيلي, مطلقة عليها اسم "صفقة القرن".

   على مدى عامين والعالم يقف على رجليه ينتظر انفجار هذه القنبلة السياسية في وجوهنا, حيث تناثر دخانها على مدى تلك الشهور, وعلى ضوء دخانها المتصاعد, دخل السياسيون والخبراء والإعلام والأقلام من عرب وفلسطينيين في سباق محموم لتحليل طبيعة الصفقة الموعودة من سيد البيت الأبيض.

   إنها حرب بمعنى الكلمة, حرب من نوع مختلف, حرب اتلاف الأعصاب, وإحداث الإجهاد والإعياء, وصولاً إلى عدم القدرة على التركيز, وخلق الفوضى السياسية والفكرية.

   ويظل السؤال قائماً: (لماذا تم الإعلان عن صفقة القرن منذ سنتان... ولم يتم حتى اليوم معرفة تفاصيلها، في حين تم تسريب الكثير عن تفاصيلها دون أن يؤكدها صاحب الصفقة؟!).  بدون شك إن الإدارة الأمريكية  تدرك جيداً أن هذه الصفقة -  القفزة النوعية في الشكل والمضمون, والوقاحة في كشف أداتها في تدشين مشروعها التاريخي بوأد القضية الفلسطينية, سيترك عند بعض العرب أو الفلسطينيين, شعباً وقيادة، شيئاً من الصدمة السياسية, وربما موجات من الغضب والرفض, أو التخبط عند بعض الدول المسماة بدول الاعتدال, هذه الصدمة السياسية كانت هدفاً واعياً ومطلوباً, لدى السيناريو الأمريكي, في سياق إحداث الفوضى السياسية في الواقع العربي, وبعد أن تأخذ الفوضى مداياتها, وبعد أن يتسلى الإعلام العربي والفلسطيني على مدار سنتين في التحليل, وتبيان المخاطر والأهداف والتوقعات والاستنتاجات, وبعد أن تتعود الأذن السياسية على موسيقى صفقة القرن, ويتعود المواطن العادي على سماع الاصطلاح ودلالاته, يأتي خبير السياسة الأمريكية ليدير الأزمة من جديد, من خلال السعي إلى الاحتواء والإقناع لبعض العرب بأن هذا الحل, هو الحل الأمثل للقضية الفلسطينية وللعرب وللإقليم, والأمر يحتاج إلى التجييش بعد عملية الإعياء. وعليه فإن هذه المسألة الزمنية ما بين الإعلان والكشف عن النص, هي مسافة خلق الأزمة, ومن ثم إدارة الأزمة بشروط الأزمة, التي خلقت لأجل هدف الصفقة, إذن هي مسافة السيناريو السياسي والعملي للوصول إلى الهدف الأسمى.

   خلال هذه الفترة الزمنية, كان مطلوب هندسة وتهيئة البيئة السياسية والعربية والإقليمية للصفقة, بالتوازي مع خلق الوقائع على الأرض, وتحضير الأدوات السياسية للتنفيذ, وتوفير الكلفة المالية للصفقة باعتبارها مشروع "السلام الاقتصادي" على ضوء ذلك كانت الزيارات الأمريكية المتكررة للمنطقة, والاستدعاءات للرؤساء والزعماء المسؤولين لاختبار النوايا أو للإخبار ليس إلا. ومن المقطوع  به أن العدد الأكبر من ملوك ورؤساء العرب كان لديهم علم بالصفقة, ونوقشوا بتفاصيلها, وإن نكروا ذلك..! إذ كيف يرفض البعض الصفقة قبل أن يعرف تفاصيلها؟! والفلسطيني بطرفي السلطة يعرفان التفاصيل, لذلك تم رفضها كونها الرصاصة الأخيرة في نعش أوسلو الذي راهنت عليه القيادة الفلسطينية المتنفذة!!

   أما بشأن خلق الوقائع على الأرض, فقد كانت لأجل إحداث الصدمة, والتي تمثلت في اعتراف الولايات المتحدة ب القدس عاصمة أبدية للكيان, وأعقب ذلك نقل السفارة الأمريكية إلى القدس, كتأكيد على جدّية الموقف الأمريكي من مسألة القدس, ومحاولة لتشجيع دول أخرى تابعة وذيلية لأمريكا, إلى الإقدام على نقل سفاراتها كما فعلت أمريكا, وفي سياق الوقائع لجأت أمريكا إلى إقفال ممثلية (م.ت.ف) في نيويورك، وتقليص الدعم المالي لمنظمة الأونروا في محاولة لإلغاء دورها الإنساني, توطئة لإنهاء ملف اللاجئين الذي يؤرّق العالم, ويقف حجر عثرة أمام كل الحلول, وبعد خلق الوقائع على الأرض تأتي خطوة إيجاد الأدوات القادرة على التنفيذ للصفقة, بعد أن أصبحت الوقائع على الأرض, أمامها صخوراً يصعب كسرها, وعليها أن تنفذ ليس إلا. لهذا كانت الإدارة الأمريكية جاهدة في  الضغط على الأردن وعلى القيادة الفلسطينية, وعلى مصر, وعلى دول الخليج وتراهن وتدفع باتجاه فوز نتنياهو في الانتخابات, وتياره اليميني القادر على فرض الوقائع على الأرض, حيث أعطى مؤشرات على عزمه بضم بعض المناطق في الضفة الغربية.

وفي السياق نفسه، استطاعت الإدارة الأمريكية أن تنال موافقة ودعم بعض دول الخليج على الصفقة, وعملت على دفعها إلى التطبيع المتسارع مع الكيان, وفتح كافة أشكال التطبيع السياسي والاقتصادي والثقافي والإعلامي والرياضي, للبدء في سباق ماراتون الصفقة, بيد أنها لم تستطع إقناع الطرف الفلسطيني كونه الخاسر الأكبر في عملية الصفقة, وكونه لا يزال يراهن على أوسلو.
   كما أحدثت الإدارة الأمريكية تخوفات حقيقية لدى النظام الأردني بفعل أن الصفقة قد تتداعى في مراميها وبعض أهدافها إلى ما يسمى البديل الأردني الذي لم يغب يوماً كمشروع سياسي, من الساحة السياسية في الكيان وفي المنطقة. أما موقف النظام المصري, فقد كان ولا يزال مربكاً, لا يعلن قبوله للصفقة من جهة, ولا يعلن عدائه صراحةً, إذ أن النظام المصري يدرك جيداً أن بعض تسريبات عناوين الصفقة تتعلق بتوسيع قطاع غزة عبر شريط من سيناء محاذي لغزة, الأمر الذي يترك حساسية عالية لدى النظام والشعب المصري على هذا الحل الذي سيكون على حساب سيادة مصر على أرض سيناء التي تحررت بدماء أبنائه.

   كذلك لن يكون ممكناً أن تنجح الصفقة بدون أن يتوفر لها مقومات النجاح, وعلى رأسها الكلفة المالية العالية المرصود لها, تحت ما يسمى "السلام الاقتصادي" أي أن الأمر يحتاج إلى إحداث تغيير في بنية الوعي, وهذا يحتاج إلى إحداث عملية تنمية اقتصادية في المناطق التي سيبقى فيها الفلسطينيين في الضفة والقطاع, وفي المناطق التي سوف يوطّن فيها لاجئو الشتات, ومن ثم بناء المدن والبنية التحتية, وإحداث نقلة نوعية اقتصادية في حياتهم بعيداً عن وطنهم الأم فلسطين, وهنا يتغير مفهوم التوطين السياسي إلى التوطين الاقتصادي.

   ولا تتوقف الكلفة المالية عند هذا الحد, فالدول المضيفة للاجئين الفلسطينيين, والدول المستعدة للتوطين, تطالب بحقوقها على الضيافة على مدى سبعين عاماً, وعلى التوطين اللاحق ونفقاته, الأمر الذي يجعل من مشروع السلام الاقتصادي, مشروعاً مكلفاً على الإدارة الأمريكية, وهنا كان السعي من قبل الإدارة الأمريكية طيلة الفترة الماضية هي الحصول على ضمانات لدعم الصفقة كمشروع سياسي من دول الخليج العربي, التي أصبحت لها مصلحة في إنهاء القضية الفلسطينية كعبء سياسي وأمني واجتماعي لطالما وضعها في مواجهة أصابع الاتهام بالرجعية والموالاة لأمريكا, وارتباطاً بأن الخطر الاسرائيلي لم يعد خطراً على العرب, والخليج بشكل خاص, إنما مصدر الخطر هو الخطر الإيراني!!

    فالولايات المتحدة حين ضخّمت الخطر الإيراني في المنطقة, فهي تستهدف الإيحاء أو التصوير المباشر للسعودية بأنها تواجه خطر وجودي..! الأمر الذي يجعل القيادة السعودية تستشعر أكثر من أي وقت مضى أنها بحاجة إلى الولايات المتحدة في مواجهة الخطر الإيراني القادم. كل المعطيات السابقة تجعلنا أمام بانوراما أمريكية على مدار سنتين, بانتظار الفصل الأخير من الصورة, وهي تفاصيل الصفقة... فما هي الصفقة...؟

مـــا هـــي الصفقـــة...؟

    ربما التفاصيل هي التي لم تذاع حتى الآن, غير أن الأهداف العامة لم تعد سراً على أحد, والاستهداف الأمريكي للمنطقة غدا واضحاً للجميع, ولا شك في مخاطر هذه الصفقة على الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية, ومحاولة انهاءها وتجاوزها راهناً ومستقبلاً, وإخراجها من الزمان والمكان, وإسدال الستار على عمقها الجيوثقافي في المنطقة, فهذا الاستهداف لا يمكن أن ينال النجاح دون أن تتم هندسة الإقليم بكليته. إن صفقة القرن يمكن قراءتها في سياق الاستراتيجية الأمريكية لتدشين الشرق الأوسط الجديد, الذي لقي فشلاً عبر عقدين من الزمن, ولطالما كانت القضية الفلسطينية وعناوينها كالقدس... واللاجئين... والدولة الفلسطينية..إلخ... سبباً مباشراً في إفشال هذه الاستراتيجية الشرق أوسطية للإدارة الأمريكية, لذلك كان التعديل على سيناريو خلق الشرق الأوسط الجديد عبر تغيير الأولويات من جديد, بما يجعل إنهاء القضية الفلسطينية أولاً كخطوة نوعية وصادمة للجميع, يتبعها خطوات الخلق الجديد للإقليم عبر ديناميات سياسية واقتصادية وثقافية, لكنها بالمجمل ديناميات كسر الوعي لشعوب المنطقة أو تزييفه عبر التلاعب في مكوناته وصولاً إلى وضع "إسرائيل" في قلب معادلة الشرق الأوسط الجديد، بحيث تصبح هي مصدر الرعاية والقوّة والمحرّك للإقليم, مع غياب الدول المركزية التقليدية في المنطقة, وعليه فإن مشروع صفقة القرن, هي التكثيف السياسي لكل المشاريع السياسية السابقة التي طرحتها الإدارة الأمريكية في المنطقة, وهي عملية تكثيف للهزائم العربية منذ النكبة.

   أما سيناريو وأد القضية الفلسطينية, فيعتمد على مجموعة الأفكار التي يجري تطويرها عبر جرّ الأطراف للحوار حولها, ودراسة ما هو ممكن, وما هو غير ممكن في ضوء ظهور المصدّات السياسية الفلسطينية أولاً والإقليمية ثانياً, التي تواجه بعض هذه الأفكار.

أولاً: لا دولة فلسطينية ولا انسحاب من الضفة الغربية.

ثانياً: بقاء المستوطنات الاسرائيلية في مناطق الضفة الغربية مع توفير المجال الجغرافي الحيوي لحمايتها وتوفير مقومات الحياة فيها.   
ثالثاً: احتمال ضم أجزاء من الضفة إلى الكيان "مناطق ج".

رابعاً: تحول غزة إلى منطقة اقتصادية مفتوحة, وتشكّل جسراً بين أكثر من جهة, مع ضمانات سياسية واقتصادية وأمنية لقاء وقف المقاومة.

خامساً: إمكانية توسيع قطاع غزة – أحد الخيارات – للحد من الكثافة السكانية التي تولّد المصاعب الحياتية, وتشكّل مصدر التطرف والغضب اليومي.

سادساً: العمل على توطين اللاجئين في بلدان اللجوء, وفق رؤية اقتصادية وأمنية.

سابعاً: انعطافة كبيرة نحو التطبيع العربي مع الكيان الصهيوني والاعتراف الشامل به.

ثامنأً: العمل على خلق كيانات سياسية جديدة في الضفة والقطاع, تكون شريكة في صفقة القرن, كما حدث في الخليل بإنشاء حزب يرأسه السيد أشرف الجعبري وغيره, حزباً تطبيعياً.

   أخيراً يمكن القول أن صفقة القرن كتكثيف لطبعات الشرق الأوسط الجديد, هي ذاتها رؤية القادة الاسرائيليين والصهاينة الانجيليين من بيريز إلى ديفيد فريدمان, الذي صرّحَ أخيراً أمام الأيباك (لجنة الشؤون العامة الأمريكية – الاسرائيلية)، "بأن الخطوط العريضة لمشروع صفقة القرن هي تنظيم سيطرة أمنية إسرائيلية كاملة على الضفة الغربية, ووجود أمني إسرائيلي دائم في غور الأردن, واعتبار القدس عاصمة أبدية لـ إسرائيل".

   يبقى السؤال الأهم والمحوري, هل يكفي أن ترفض الصفقة حتى تفشل...؟

من نافل القول أن العرب جميعهم قد رفضوا سايكس بيكو... وفي الوقت ذاته، كانوا أدوات تنفيذها, وتفتيت العالم العربي, ووزعوا تقسيماته على الإقطاع والشيوخ, كما رفض العرب وعد بلفور, ومع ذلك تحقق الوطن القومي اليهودي, بفعل العجز العربي العملي... وعليه فإن معيار الرفض الفلسطيني أو العربي ليس البيان السياسي أو التصريح الإعلامي إنما المعيار الحقيقي هو رسم رؤية سياسية وأمنية واستراتيجية واضحة لمواجهة الصفقة من الكل الفلسطيني, أي أن أحد أهم مقومات استراتيجية التحدي والمواجهة العملية هي الوحدة الوطنية التي تستدعي إنهاء الانقسام أولاً, وبناء منظمة التحير الفلسطينية من جديد على أسس وطنية وديمقراطية على قاعدة التجديد لبنية حركة التحرر الفلسطينية القادرة على وقف التداعي والانهيار.