Menu
حضارة

الطموحات «الإسرائيلية» في تباعد روسي - إيراني

محمد السعيد إدريس

نقلًا عن الخليج الإماراتية

منذ أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، على الأكثر، كان الحديث يدور حول «قمة أمنية» مؤكدة، سوف تستضيفها القدس المحتلة نهاية يونيو/حزيران الجاري، بين مستشاري الأمن القومي في كل من روسيا والولايات المتحدة و«إسرائيل»: نيكولاي بيتروشوف، وجون بولتون، ومئير بن شباط، وقاد هذا التأكيد بانعقاد هذه القمة الأمنية، التي سيكون محور تركيزها، حسب ما جرى تمريره من معلومات، هو «مستقبل الوجود الإيراني في سوريا»، إلى طموح أكبر بأن تؤسس ل «حلف جديد» بين الدول الثلاث ضد إيران. وقتها كان السؤال هو: هل يمكن أن يحدث ذلك؟ أي أن تنهي روسيا تحالفها مع إيران في سوريا لصالح تحالف جديد مع «إسرائيل» والولايات المتحدة؟ 
لكن الآن، وبعد أن جرت مياه كثيرة في أنهار وروافد الصراعات الدولية والإقليمية، أضحى السؤال ضرورياً عن مدى جدية التفاؤل بنتائج تلك القمة.
دعوة الحلف الثلاثي بين الولايات المتحدة وروسيا و«إسرائيل» ضد إيران، كانت عنواناً لمقال كتبه المعلق «الإسرائيلي» تسفي برئيل في صحيفة «هآرتس»، ما يكشف أن الدفع بهذه الفكرة والترويج لها يبقى «إسرائيلياً بالمطلق» ويحصر الأمر ضمن دائرة «الاحتمالات»، وربما «الأمنيات»، خصوصاً أنه كان يركز بالأساس، في تمرير فكرته، على ما يعتبره «تناقض مصالح» بين روسيا وإيران في سوريا و«تقارب مصالح» بين روسيا و«إسرائيل» من ناحية أخرى في سوريا، أيضاً، ضمن ما يعتبره «الإسرائيليون» أنه «صفقة رابحة» للروس تقوم على أساس أن نساعد «إسرائيل» والولايات المتحدة على تمكين النفوذ الروسي في سوريا، وإنجاح مشروع موسكو متعدد الأوجه في سوريا، وبالأساس الإبقاء على الرئيس بشار الأسد ونظامه مقابل أن تقوم روسيا بإنهاء الوجود الإيراني في سوريا، أي إخراج إيران وأذرعها من سوريا.
الترويج «الإسرائيلي» لهذا الطموح بالتأسيس لتحالف جديد أمريكي- روسي- «إسرائيلي» في سوريا، ومنها إلى المشرق العربي، تجاهل تماماً تعقيدات الموقف الإقليمي كلها، ومنها بالأساس متانة الوجود الإيراني في سوريا، ومصالح الأسد في الحفاظ على هذا الوجود، في ظل ما يدركه من «بيئة عربية معادية» مازالت ترفض إعادة اندماج نظامه في النظام العربي، لدرجة أنها توصف بأنها «بيئة غير مأمونة» بالنسبة للنظام السوري، مقارنة بالتحالف مع إيران وحلفائها في العراق ولبنان، كما يتجاهل تعقيدات الصراع الدولي الراهن، سواء على مستوى الأسلحة الاستراتيجية بين روسيا والولايات المتحدة، وتعقيدات أزمة أوكرانيا على العلاقات بين روسيا والغرب عموماً، لكن الأهم هو تفاقم وتصاعد الحرب التجارية والاقتصادية الراهنة بين الولايات المتحدة وكل من روسيا والصين، وتزايد التنسيق الذي يمكن أن يرقى إلى التحالف بين كل من روسيا والصين لمواجهة مشروع الرئيس الأمريكي ترامب لفرض الولايات المتحدة قوة عالمية أحادية مسيطرة، التزاماً بشعاره الانتخابي «أمريكا أولاً»، وهي الحرب التي بلغت ذروتها في إعلان روسيا والصين «حرباً» لإنهاء هيمنة الدولار الأمريكي على اقتصادات العالم، خلال المنتدى الاقتصادي الذي استضافته مدينة سان بطرسبورج الروسية (2019/6/7)، حيث دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى «إعادة النظر» بدور الدولار في النظام المالي العالمي، معتبراً أن العملة الأمريكية أصبحت «أداة ضغط» تستخدمها واشنطن، كما اتهم بوتين واشنطن بالسعي إلى «بسط نفوذها على العالم بأسره».
هذه التطورات كلها كانت ومازالت تعمل في الاتجاه المعاكس للطموحات «الإسرائيلية» التي كانت تراهن على الفصل بين المشاكل والأزمات التي تتهدد العلاقات الروسية- الأمريكية، وبين طموح تطوير تحالف روسي- أمريكي- «إسرائيلي» ضد إيران، لكن جديد تطورات المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران ابتداءً من حادثة تفجير الناقلتين في بحر عمان، وتزامن الاتهامات التي وجهت لإيران وتحميلها مسؤولية هذه التفجيرات، مع انعقاد قمتين دوليتين شاركت فيهما إيران مع كل من روسيا والصين ودول آسيوية كبرى مثل الهند وباكستان وتركيا. القمة الأولى، هي قمة «منظمة شنغهاي» (الجمعة 2019/6/14) التي عقدت في مدينة «بيشكيك» عاصمة جمهورية قيرغيزستان وحضرتها إيران باعتبارها عضواً مراقباً في «المنظمة»، والثانية هي قمة «مؤتمر التفاعل وبناء الثقة في آسيا» التي عقدت في اليوم التالي مباشرة (2019/6/15) في مدينة «دوشنبه» عاصمة جمهورية طاجيكستان. ففي هاتين القمتين أظهر الرئيس الروسي تضامناً قوياً مع إيران، أكدته تصريحاته في لقاءاته مع الرئيس الإيراني حسن روحاني خلال هاتين القمتين، كما أكدتها مقررات القمتين اللتين أعادتا التأكيد على أهمية وضرورة الاستمرار بالاتفاق النووي الموقع مع إيران، والإشادة باستمرار «الالتزام الإيراني» بهذا الاتفاق، ودعوة الأطراف الأخرى الموقعة عليه إلى استمرار التزاماتها به، ناهيك عن التأكيد على رفض «سياسة الإملاءات»، والمقصود هنا بالطبع الولايات المتحدة.
تطورات مهمة من شأنها إحباط التفاؤل «الإسرائيلي» ب «القمة الأمنية الثلاثية» التي يجرى الترويج لها، إحباط أكدته تصريحات سيرجي فيرشينين نائب وزير الخارجية الروسي التي أكد فيها عدم وجود صفقة بين بلاده وتل أبيب حول سوريا، «لأن هذا المنحى يصب في خانة المتاجرة، وروسيا لا تتاجر في هذه القضايا الاستراتيجية وعلى حساب حلفائها».