Menu
حضارة

في حوار خاص مع الهدف

القيادية المحررة خالدة جرار تتحدث عن أوضاع الأسيرات وصفقة القرن والانقسام

رام الله _ خاص بوابة الهدف

بعد 20 شهرًا على اعتقالها الأخير في سجون الاحتلال "الإسرائيلي"، تنسمت القيادية الفلسطينية خالدة جرار الحرية، لتستمر في عطائها الوطني والمجتمعي، دون كلل أو ملل، حيث كان لـ "بوابة الهدف" الحوار التالي معها.

بعد أن تنسمتِ الحرية، هل لك أن تشرحي لنا أوضاع الأسرى والأسيرات بالذات في سجون الاحتلال؟ وما هي الإجراءات القمعية والعقابية المضافة عليهم من قبل إدارة مصلحة السجون؟ وكيفية تعاطي المؤسسات الفلسطينية: المنظمة والأحزاب والمؤسسات الحقوقية والمجتمعية والسلطة مع قضيتهم وحقوقهم؟

أوضاع وظروف الاعتقال للأسرى والأسيرات صعبة بشكل عام تتلخص ب "منع العديد من العائلات من زيارة المعتقلين/ سياسة العزل / الاعتقال الإداري / الإهمال الطبي / فرض العقوبات على الأسيرات والأسرى / استمرار اعتقال الأطفال ووضعهم في ظروف قاسية / منع التعليم.. الخ من انتهاكات مستمرة ومتواصلة. وفي عام 2018 تشكلت لجنة أردان "ما يسمى بوزير الأمن الداخلي الإسرائيلي" بهدف مزيد من التقييد على أوضاع الأسيرات والأسرى. وبدأت جولتها على السجون واتخذت العديد من الإجراءات الجديدة بحق الأسيرات والأسرى بدأً من مصادرة آلاف الكتب من مكتبات الأسرى، واقتحامات متواصلة يرافقها عنف شديد كما حصل في سجون النقب وعوفر، ووضع أجهزة التشويش، وارتفاع وتيرة العقوبات التي تفرض على الأسيرات والأسرى "عزل، وفرض مزيد من الغرامات، ومنع زيارات الأهل، ومنع الكانتينة، وصولًا إلى منع زيارة المحامين وغير ذلك من الأساليب القمعية.

أما فيما يتعلق بالأسيرات البالغ عددهن الآن 42 أسيرة فقد كانت الهجمة شرسة في محاولة للاستفراد بهن، حيث ظروف اعتقالهن أصعب، ولا توجد أية وسائل تواصل مع العالم الخارجي إلا فقط عبر زيارات العائلات والمحامين. وقد قامت لجنة أردان بزيارة لسجن هشارون السجن الرئيسي للأسيرات، وقررت إعادة تشغيل الكاميرات في ساحته، حيث أن وقف عمل الكاميرات كان عبر نضال سابق للأسيرات. هذا الإجراء دفع الأسيرات للاعتصام داخل القسم والامتناع عن الخروج للفورة لمدة 63 يوم، كما تم فرض رقابة مشددة على التعليم وهو ما تقوم به الأسيرات دون علم إدارة السجن إلى أن وصل لمنعه، ومنع إدخال الكتب ..الخ. وقامت إدارة مصلحة السجون وبعد إصرار الأسيرات على الاستمرار بالاعتصام رغم كل محاولات الإدارة لكسره، على نقل الأسيرات من سجن هشارون الى سجن الدامون "وهو سجن ظروفه أصعب"، حيث جرى تهديد الأسيرات وفرض عقوبة العزل على بعضهن، إضافة للحرمان من زيارة الأهل ومن الكانتينة وإدخال الكتب لمدة شهر.

كما أن ظروف الغرف أصعب؛ فهي بناء قديم جدًا مليء بالرطوبة، والأسرة صدأه، وأماكن الاستحمام خارج الغرف، وساعات الفورة قليلة فقط 4 ساعات يتخللها وقت الاستحمام، والساحة مليئة بالكاميرات، ولا يوجد مطبخ، ولا مكتبة "ممنوع حسب تعبير الإدارة"، وممنوع التجمع بالساحة، وظروف زيارة العائلات صعبة بعد ساعات طويلة يقضونها للوصول للسجن، فوق كل ذلك، فإن إدارة السجن تتعامل بفظاظة مع الأسيرات.

من الملفت أيضًا أنه عند اعتقال أسيرة جديدة تمضي وقتًا طويلًا في مراكز التوقيف بظروف صعبة جدًا وهذا لم يكن في السابق، حيث يجري نقل الأسيرة إلى السجن مباشرة إذا لم تكن تخضع للتحقيق في مراكزه. بمعنى جرى معاقبة الأسيرات بشكل جماعي ونقلهن كعقاب على خطوتهن بالاعتصام الطويل إلى ظروف تنتهك خصوصيتهن وتصعب من حياتهن داخل الأسر. هذا الوضع دفع بالأسيرات لاتخاذ عدة خطوات احتجاجية منها الامتناع عن الخروج للساحة، وإرجاع وجبات طعام.. وغيرها من أساليب الاحتجاج، وكان مطلب الأسيرات ولا زال نقلهن إلى سجن تكون فيه ظروف الاعتقال أفضل خاصة أن هناك 13 أسيرة محكومات أحكام عالية تصل لدى اثنتين منهن إلى 16 عام، وأقلهن 10 أعوام.

تقوم المؤسسات الحقوقية بتنظيم زيارات دورية للأسيرات، لكنها غير كافية، وفي أحيان كثيرة لا يجري من خلال هذه المؤسسات المتابعة اللازمة للعديد من الشكاوى التي تقوم الأسيرات برفعها. كما يتولد لدى الأسيرات شعور بأن ظروف اعتقالهن لا يجري تسليط الضوء عليها بشكل كافي.

حول صفقة القرن التي على ما يبدو سرى تنفيذها على الأرض ( القدس – اللاجئين – المستوطنات) إلى جانب حمى التطبيع العربي مع الكيان الصهيوني، وصولًا للاستعدادات الجارية لعقد "ورشة البحرين" تحت عنوان: "السلام من أجل الازدهار" في ظل حالة الضعف التي نعيشها فلسطينيًا وطنيًا واجتماعيًا، فكيف للمواجهة أن تتحقق؟ وما المطلوب عربيًا على هذا الصعيد خاصة من قبل الأحزاب والحركات التقدمية العربية؟

في مواجهة الترجمات العملية لصفقة القرن سواء على الصعيد الفلسطيني أو العربي وحتى الإقليمي والعالمي مطلوب بناء "حركة مقاومة فلسطينية عربية دولية" لمناهضة وإسقاط صفقة القرن، وهناك نقاط قوة علينا الاستناد لها أولها الموقف الفلسطيني الموحد، إضافة إلى رفض الشعوب العربية للتطبيع، "حيث بقي هذا الموقف نقطة قوة للشعوب التي قاومت التطبيع رغم توقيع أنظمتها لاتفاقيات مع إسرائيل"، وحالة العداء والرفض الشعبي للسياسات الأمريكية في المنطقة وعلى المستوي الدولي، فنزويلا وكوبا مثلًا، إضافة لاصطدام المشروع الأمريكي بمعيقات جدية لم تنجح محاولاته العسكرية والاقتصادية المحمومة  لا في سوريا، ولا لبنان، ولا العراق، ولا اليمن، ولا فلسطين في استكمال مشروعها الاقتصادي الأمني الاستعماري هي وحليفتها "اسرائيل"، وبالتالي فمؤتمر البحرين لن ينجح في فرض الإرادة الأمريكية، فصمود ومقاومة هذه الشعوب كانت العنصر الحاسم، كما ستكون هي العنصر الحاسم في إسقاط ما يسمى بصفقة القرن والتي بدأت ترجماتها على الأرض منذ سنوات طويلة وخاصة في فلسطين، حيث أن المشروع الصهيوني يسير باتجاه رؤيته الاستعمارية الاستيطانية العنصرية، وما راكمه هذا المشروع من استيطان محموم، وتهويد للقدس، والمحاولات لإسقاط حق العودة (والذي يشكل جوهر الصراع)، ومحاولات شطب الشعب الفلسطيني بصيغته الجمعية "ضفة، غزة، قدس، الداخل والشتات" عبر مشاريع عنصرية واستعمارية، وحصار غزة، وشن الحروب عليها، والاعتقالات الواسعة، والاستهداف الميداني بالقتل للأطفال والشباب والنسا، ودعم عصابات المستوطنين، وهدم البيوت والقرى الفلسطينية في النقب، واللد، والرملة... وغيرها، والقوانين العنصرية مثل: "قانون التسوية، وقانون يهودية الدولة، وقانون الأسرى، وضم الجولان السوري المحتل، وإعلان القدس عاصمة للكيان.. الخ من الإجراءات العنصرية".

كما السعي لبناء حلف عسكري أمني اقتصادي في المنطقة، وفرض العقوبات على إيران وكوبا وفنزويلا وأمريكا الجنوبية.. الخ، كل ذلك يستدعي السعي لبناء "حركة مقاومة فلسطينية عربية دولية"، وتستدعي صمود ووحدة فلسطينية داخلية.

رغم حالة "الإجماع" فلسطينيًا على رفض صفقة القرن، والإعلان من قبل الجميع (المنظمة – السلطة – الأحزاب والفصائل – ومؤسساته مجتمعية) بأن "الصفقة"، هي مشروع تصفية للقضية الوطنية الفلسطينية، إلا أن الانقسام لا زال قائمًا ويترسخ، ولم تفلح كل الحوارات والاتفاقات الوطنية والثنائية من تجاوزه، فما هي رؤيتكم للخروج من المأزق القائم، وما هي الأولويات المطلوب التركيز عليها وطنيًا في هذه اللحظة؟

موضوع الانقسام الفلسطيني جرح نازف ومستمر، وهو أحد نقاط الضعف الفلسطيني، وكما شعبنا موحد في الميدان ضد الاحتلال، وموحد في السجون ضد إدارة السجون ومخابراتها، الأولى أن تكون إرادة حقيقية لإنهائه، والمدخل هو الدعوة الفورية للإطار القيادي المؤقت للاجتماع الفوري لوضع استراتيجية مشتركة لمواجهة الخطر الوجودي الحقيقي "صفقة القرن" التي ربما تكون عنصرًا دافعًا للوحدة، وأن يكون هذا الإطار في اجتماع مفتوح لمعالجة الانقسام ووضع استراتيجية المواجهة بشكل مشترك. إن توفرت الإرادة الحقيقية وتم وضع المصالح الخاصة جانبًا سننجح (في تحقيق الوحدة). وإن لا فلا بد من ضغط شعبي لتحقيق الوحدة.

كيف يمكن لنا أن نواجه العدوان المستمر من قبل العدو وشعبنا يتعرض باستمرار للقمع والاعتداء على حريته وحقوقه بالاعتقال السياسي والغلاء واستباحة حرماته من قبل "سلطتي الانقسام" في الضفة وغزة؟

نضالنا هو نضال مركب في ظل مرحلة التحرر الوطني والديمقراطي، فالنضال الوطني ضد المحتل لن يمنع الشعب الفلسطيني من نضاله الديمقراطي والاجتماعي، بل إنه في إطار الرؤية الطبقية لطبيعة التناقض الداخلي ووجود فئة محتكرة وطبقة مستفيدة وسياسة اقتصادية واجتماعية تتماشى مع اقتصاد السوق وسياسة البنك الدولي التي تزيد الشعوب إفقارًا، لا بد من رؤية عميقة ونضال ضد هذه السياسات التي ترعرع فيها الفساد والقمع والفقر والبطالة والواسطة والمحسوبية وغياب العدالة ونهب الثروات، وعلينا الانتباه للدور المشبوه الذي يقوم به الكمبرادور الفلسطيني والمنظرين والممارسين للتطبيع.

كما أن سياسات سلطتي الانقسام في الضفة و غزة تمارس القمع بحق المعارضين السياسيين، وسياسة تكميم الأفواه، والاعتقالات، واستمرار سياسة التنسيق الأمني، وملاحقة الناس في قوتهم، وهذه سياسات مرفوضه ويجب التصدي لها من خلال حراك شعبي سلمي، ولنا في تجربة الحراك  الشعبي السلمي لقانون الضمان الاجتماعي نموذجًا يمكن تطويره والاستفادة منه في التعبير عن رفض السياسات القمعية الداخلية. وهذا الشكل من النضال الداخلي يقوي الوضع الفلسطيني في إطار نضاله الرئيسي ضد الاحتلال ومشاريعه.

بعد مرور خمسة وخمسون عامًا على تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، لماذا وصلت إلى ما وصلت إليه من تغييب للدور والبرنامج الوطني وتهميش لهيئاتها ودوائرها لصالح التفرد والهيمنة واستمرار أسرها بخيار المفاوضات ووهم التسوية، بدلًا من إعادة الاعتبار لميثاقها وبرنامجها الوطني التحرري.. فما هو المطلوب للوصول إلى ذلك؟  

المطلوب إعادة بناء وتطوير م.ت.ف، والمدخل من وجهة نظري هو انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني أينما أمكن، وبعدها على المجلس الوطني المنتخب أن يقوم بالمراجعة الشاملة داخل أطر ومؤسسات منتخبة "وليست معينة". مراجعة لسياسة المفاوضات العقيمة، وتعزيز للشراكة، ووقف سياسة الهيمنة والتفرد، وإعادة الاعتبار للمنظمة على أساس أنها حركة تحرر وطني، وجبهة وطنية عريضة تضم الجميع؛ لاستكمال برنامجها التحرري الوطني والاجتماعي الديمقراطي.

وهذا ما هو مطلوب من أجل تقوية المنظمة " الممثل الشرعي والوحيد" لشعبنا واستكمال مهمتها التحررية وتقويتها وحمايتها من محاولات إيجاد البدائل المشبوهة.

حول التجمع الديمقراطي الفلسطيني ، هل من أفق للنجاح بعد فشل كل تجارب الوحدة السابقة للقوى اليسارية والديمقراطية خاصة في ضوء موقفي حزب الشعب الفلسطيني وحزب فدا ومشاركتهما في "حكومة اشتية"؟ وما المطلوب لتحقيق النجاح لهذه التجربة؟

موضوع التجمع الديمقراطي موضوع قديم - جديد، وتجميع القوى الديمقراطية واليسارية هو حاجة ضرورية، الأهم من وجهة نظري هو التوحد على الرؤية الديمقراطية اليسارية الحقيقية، وليس الشكل "أي فقط تجميع عددي دون الاتفاق على رؤية وبرنامج، والمقصود ليس الاتفاق على الورق، بل ترجمة ذلك بالممارسة. ومع الأسف أنا استغرب من قوى يسارية أن تشارك مع "اليمين الوطني" في حكومة معروف توجهاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

إن أردنا لليسار وقواه الديمقراطية أن تشق مسارًا بديلًا لليمينين الوطني والديني، فعلى هذه القوى أن تكون بالرؤية والبرنامج والممارسة بديلًا حقيقيًا، "يعني بالعامية مش رجل هون ورجل هناك". ويجب أن يشكل برنامجه بديلًا جريئًا وواضحًا وبدون خجل ومواربة للسياسة التفاوضية، وللبرنامج السياسي العقيم، وللتنسيق الأمني، وللسياسة الاقتصادية الرأسمالية التابعة، ولمنظومة الفساد والقمع، ولتحرر النساء، ولمواجهة سياسات الإفقار والسياسة الليبرالية، ولحماية المقاومة وإطلاق طاقة شعبنا وتعزيز صموده على الأرض، من خلال دعم اقتصاد الصمود وإقامة التعاونيات الزراعية والصناعية المحلية، من أجل العدالة الاجتماعية، ومن أجل تعليم مجاني ومتساوٍ للجميع، وعلاج صحي للجميع، وحماية التعددية والإبداع والتفكير الحر، ومواجهة الظلامية، وتعزيز الرؤية النقدية بديلًا للتلقين... الخ.

بمعنى أن الوضوح والتعبير الحقيقي عن يسار واضح برؤية واضحة سيساعد على التفاف أوسع من قبل قاعدة ديمقراطية ويسارية لا ترى في اليمينين تعبيرًا عن مصالحها وسيحقق التفافًا أكبر، لذلك رأيي أن الرؤية والممارسة وليس الشكل هو الأساس في الوصول لتيار يشكل مسارًا بديلًا.

هل من كلمة توجهيها للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات (ضفة – غزة – 48 – مواقع اللجوء)؟

في ظل كل ما يعانية شعبنا من ظروف صعبة وقاسية إلا أن الثقة بشعبنا كبيرة، ولن يستطيع أي مشروع تصفوي أن ينجح في إنهاء شعبنا الفلسطيني في كل أماكن وجوده. ولا أن ينهي حقوقه الوطنية الثابتة.. كل التحية لأسيراتنا وأسرانا الأبطال، كل التحية لشهدائنا وجرحانا لمبعدينا ولشعبنا في الشتات، ولصمود شعبنا في كل مكان في قطاع غزة المحاصر الصامد، لأهلنا في القدس في مناطق 48 الذين يخوضون معركة وجودهم على أرضهم، لشعبنا الفلسطيني في الضفة المحتلة التي يلتهمها الاستيطان. بوحدتنا ومقاومتنا وصمودنا سننتصر بالنهاية.