Menu
حضارة

حمزة نمرة في رام الله: جدلٌ ومبررات للزيارة.. تطبيع أم لا؟

بيسان الشرافي

غزة _ خاص بوابة الهدف

في خضمّ الجدل الذي أتبع نبأ زيارة الفنان المصري حمزة نمرة إلى الضفة الغربية المحتلة، بدعوة من السلطة الوطنية الفلسطينية، للمشاركة في مهرجان "وين ع رام الله"، اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي آراءٌ عديدة، منها لنُشطاء وجِهات ناشطة في مقاطعة الاحتلال اعتبروا الزيارة تطبيعية، في حين أخرجها آخرون من دائرة التطبيع. وكلٌ ألحق رأيه بمُبرراتٍ وتفسيراتٍ مختلفة.

"حملة المقاطعة - فلسطين (BCP)، سارعت لإصدار بيانٍ اعتبرت فيه مشاركة الفنان نمرة في المهرجان برام الله تطبيعًا، إلا أنّ "الحملة الوطنية الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BNC)" أتبعت هذا ببيانٍ مختلف اعتبرت فيه الزيارة غير تطبيعية، كون الفنان دخل الضفة بـ"تصريح" من الاحتلال، وليس تأشيرة، ما يخرجه من سياق التطبيع. وذهب بيانُ الحملة إلى أكثر من هذا، إذ اعتبرت أنّ الحملة (BCP) "تتبع اتجاهًا سياسيًا محددًا، ولا تمت بأيّ صلةٍ لحركة المقاطعة (BDS)".

العضو المؤسس في حملة المقاطعة في لبنان، د.سماح إدريس، رأى أنّه "فلسطين محتلة من النهر إلى البحر، ولا فرق بين عكا و القدس ورام الله" ، وعليه "فإنّ التمييز بين الفيزا والتصريح لأيّ فنان عربي لزيارة أي جزء من فلسطين بدعةٌ غير مقنعةٍ".

"الحملةُ الفلسطينيّة للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل"، وهي جزء من اللجنة الوطنية، أصدرت وثيقةً، بالعام 2010، بعنوان "معايير المقاطعة وزيارة الأكاديميين/ات والفنّانين/ات العرب إلى فلسطين المحتلة"، وفيها أعربت الحملةُ عن احترامها للمواقف العربيّة الرافضة لزيارة العرب للأراضيَ الفلسطينيّةَ المحتلّة "بإذنٍ من المحتلّ" بغضّ النظر الاختلاف بين معايير المقاطعة العربيّة، والمعايير التي يتبنّاها، مضطرًّا، المجتمعُ الفلسطينيُّ الرازحُ تحت الاحتلال.

وفي الوثيقة المذكورة لم ترفض الحملةُ مبدأ الزيارة نفسه، إنّما حددته وقيّدته، إذ أجمعت على وجوبُ دخول العربيّ إلى فلسطين المحتلّة عن طريق "تصريحٍ" من سلطات الاحتلال، بدون أن ختمٍ "إسرائيلي" على جواز سفره، وليس بتأشيرة دخول "فيزا"، تأكيدًا على رفض التعامل مع دولة الاحتلال كدولةٍ طبيعيّة". بحسب الوثيقة، يُضاف إلى القيود كذلك "ضرورة أن يتبنّى الزائر العربي مبادئ نداء المقاطعة ورفضِ التطبيع، تفاديًا لإعطاء أيّ انطباع زائف"، لمنع استغلال الزيارة من جهات صهيونية، ستسعى حتمًا لاستخدامها في محاولة إضعاف المقاطعة العالميّة.

زيارة حمزة نمرة أعاد هذه الوثيقة، وقيودها، إلى السطح، إذ اعتبر نُشطاء أنّ التمييز بين التأشيرة والتصريح الصادريْن عن سلطات الاحتلال "غير عقلاني ولا منطقي" وأمرًا يجب تعديله في معايير حملة المقاطعة، وعليه تجب إدانة كلّ شخصية تدخل فلسطيني المحتلة بهذه الطريقة التي تُشرعن وجود الكيان. 

 

د.حيدر عيد، عضو اللجنة الاستشارية للحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية، قال إنّ زيارة الفنان المصري حمزة نمرة إلى الضفة الغربية المحتلة لا تُعدّ تطبيعًا، بحسب معايير مناهضة التطبيع، المقرّة من قبل الغالبية الساحقة من المجتمع الفلسطيني، منذ العام 2007.

وأوضح عيد، في اتصالٍ مع "بوابة الهدف"، أنّ الجدل الذي لحِق بقضيّة زيارة الفنان نمرة لرام الله يعكس تعدّد الجهات التي أصدرت مواقفها من الزيارة، وهي ثلاث، الأولى: اللجنة الوطنية الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها- (BNC)"، والثانية: لجان المقاطعة في مصر، وثالث هذه الجهات هي حملة المقاطعة في فلسطين (BCP).

أمّا الجهة الأولى، فتُعدّ أوسع تحالف فلسطيني في إطار مقاطعة الاحتلال، وهيّ تُعبر عن حالة شبه إجماع في كلّ ما يتعلق بالمقاطعة، من معايير وأسس ومواقف وفعاليات، إذ إنّها تجمع غالبية أطر ومؤسسات وشخصيات المجتمع المدني الفلسطيني، فضلًا عن هيئة القوى الوطنية والإسلامية، وهو ما يجعل المواقف الصادرة محطّ إجماع وطني فلسطيني.

وأضاف أستاذ الدراسات الثقافية بجامعة الأقصى في غزة، والعضو بالحملة الفلسطينية للمقاطعة-تتبع اللجنة الوطنية-، أنّ هناك مُطالبات ودعوات مستمرة لرفع سقف معايير اللجنة، ذات الصلّة بالمقاطعة الأكاديمية والثقافية والفنية والاقتصادية وبالطبع السياسيّة لكيان الاحتلال، والتي جرى تحديدها قبل نحو 12 عامًا. مُستدركًا بالقول إنّ هذه المعايير تحمل خصوصية محددة، ارتباطًا بما يُسمّى التطبيع القسري، الذي يضطرّ إليه الفلسطينيون داخل الوطن، وهي معايير لا تطبق على غيرهم، من عربٍ وأجانب، والذين يُفترض أنّ يتبع كلٌ منهم "لجان المقاطعة" في بلده، والتي يجب أن تكون مرجعيّته الأساسية في هذا السياق.

وعن لجان المقاطعة في مصر، أوضح د.عيد أنّها ذات سقف أعلى من اللجنة الوطنية الفلسطينية، فيما يتعلّق بالمعايير والمحددات التي تتّبعها في تحديد نشاطات التطبيع ومن ثمّ اتخاذ المواقف إزاءَها، بالمقاطعة من عدمها.

وبّرر عيد اختلاف سقف المعايير، كما أشار آنفًا، بأنّه يعود إلى خصوصيّة الموقف، إنّ كان يتعلّق بفلسطينيين داخل الوطن، أم عرب وأجانب من خارج الوطن، إذ أنّ الفلسطيني يضطّر غصبًا للتعامل مع كيان الاحتلال وسلطاته داخل الأراضي المحتلة في بعض الظروف، فيما اصطُلح على تسميته التطبيع القسري، على عكس العربيّ الذي لا يضطّر إلى مثل هذا التطبيع ولا غيره.

وفي خضمّ الجدل كذلك عبّر نشطاء عن استهجانهم من إقدام السلطة الفلسطينية على "تشجيع كسر معايير المقاطعة الثابتة والقويّة لدى بعض الأشقّاء العرب"، بالإصرار على الدعوة لزيارة فلسطين المحتلة. داعين إلى مواقف فلسطينية رسمية وشعبية رافضة بشكل حازمٍ وجدّيّ لأيّ شكلٍ من أشكال التطبيع مع كيان العدو الصهيوني. سيّما في ظلّ اتّساع "التخوّف"، الذي طُرح في مناسبات عدّة، بشأن "مدى نجاعة دعوة العرب لزيارة فلسطين، ومخاطرها"، فضلًا عن التساؤل حول "ضرورةٌ حضور الفنّان أو الأديب إلى فلسطين المحتلّة كي تُسمع أغانيه أو يُقرأ شعرُه".

جدلٌ واسع ونقاشاتٌ طويلة أطلقتها هذه التساؤلات، في أوساط مثقفين وناشطين في حملات المقاطعة داخل الوطن وخارجه، خاصةً مع اعتبار بعضهم أنّ جزءًا من هذه الزيارات بالفعل مهّدت ثمّ عززت التطبيعَ مع الكيان الصهيوني والتواصل معه. ما دفع نشطاء لإطلاق دعوات من أجل البحث عن بدائلَ خارج فلسطين لإجراء اللقاءات- على اختلافها- مع المثقفين والفنانين وسائر الشخصيات العربية وغير العربية، سيّما مع ما تُتيحه التكنولوجيا الحديثة من وسائل تُسهّل هذه العملية، لجهة مُشاركة الجمهور الفلسطيني داخل الوطن في هذه اللقاءات. 

وفي الوقت نفسه، برزت أصواتٌ أبدت امتعاضها من تصريحات حركة المقاطعة (BDS) التي "شيطنت" فيها فعاليات فلسطينية، ندّدت بزيارة نمرة "التطبيعية".

وعن موقف اللجنة الوطنية، وحركة المقاطعة (BDS)، أكّد د.عبد أنّه واضحٌ وجليّ، بعدم اعتبار زيارة الفنان نمرة لرام الله تطبيعًا، إلّا أنّ اللجنة والحركة لا تُشجّعان بالتأكيد مثل هذه الزيارات.

وقال د.عيد إنّه كان من الأفضل لو أنّ حمزة نمرة استشار لجان المقاطعة في مصر، والتي بالتأكيد لم تكن لتُشجعه على الزيارة، أو ربّما كانت لتمنعه عنها، انطلاقًا من رؤيتها بأن زيارة الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأخذ أي تصريح أو تأشيرة دخول لفلسطيني من السلطات الإسرائيلية، يعني التعامل مع دولة الاحتلال، بما يعكسه من اعترافٍ صريح بهذا الكيان، وعليه ترفض اللجان المصرية هذه الزيارات بشكل قاطع.

واعتبر عضو اللجنة الوطنية لمقاطعة الاحتلال أنّه لم يكن الفنان المصري ليدخل في كلّ هذا الجدل لو أنّه الزيارة كانت إلى قطاع غزة، بدلًا من الضفة الغربية، فزيارة غزة لا تتطلّب الحصول على تصريحٍ من سلطات الاحتلال، ولا يضطر فيها الزائر للتعامل مع الكيان بالمطلق، إذ سيكون دخول القطاع عن طريق جمهورية مصر العربية من خلال معبر رفح البري. ولم تكن فعاليات المقاطعة الفلسطينية ولا لجان المقاطعة المصري لترفض بطبيعة الحال زيارته لغزة. بل على العكس، كانت الجماهير في غزة لترحب به وتحتفل معه. على حدّ قول د. عيد.

أمّا عن بعض الأصوات الفلسطينية التي اعتبرت زيارة نمرة لرام الله تطبيعًا، فرأى د. عيد أنّها لا تعدو عن كونها "حملة" تتبع لفصيلٍ بعينه، ولا يعكسُ موقفُها موقفَ الغالبية العظمى في فلسطين، والتي تُمثلها اللجنة الوطنية الفلسطينية (BNC).