Menu
حضارة

السودان: هل تنجح محاولات اغتيال الثورة؟!

هاني حبيب

لكي يُمكن قراءة كيف تطورت الأحداث في السودان ، لابد من العودة إلى الوراء قليلًا، وتحديدًا عندما أخذت اعتصامات الثوار أبعادًا جديدة في إطار انتفاضة شعبية عارمة، بدأت ذات طابع مطلبي اقتصادي، تنادي بتوفير الخبز والوقود والأوراق النقدية، وانتهت إلى المطالبة بإسقاط النظام وقيام بعض الجنود وصغار الضباط بالتجاوب مع هذه الانتفاضة من خلال حماية المتظاهرين من بطش سلطات الجيش والأمن، عندها قام البشير بتعيين وزير دفاعه الفريق أول ركن عوض بن عوف نائبًا أولًا له، مع احتفاظه بمنصبه واستبدال كافة حكام الولايات بقادة عسكريين.

بعد ترقب وتوتر شديدين، وفي الحادي عشر من أبريل/ نيسان الماضي، قاد بن عوف انقلابًا على رئيسه الذي ظل حاكمًا مستبدًا للسودان طيلة ثلاثة عقود متواصلة، في خطوة اعتبرها بعض المحللين أن الإطاحة بالبشير من خلال نائبه مجرد انقلاب في الانقلاب، انقلاب ليس على البشير ولكن الإطاحة بالبشير لكي يستمر نظام الحكم المستبد، مستفيدًا من الثورة الشعبية، بتقديم البشير ثمنًا لاستمرار الحكم العسكري.

بيان الانقلاب الذي قاده بن عوف هو الدليل الأكثر تأكيدًا على ذلك، فهو في صيغة انقلاب عسكري في مواجهة واحتواء للثورة الشعبية العارمة، أكثر منه بالتأكيد من انقلاب في سياق المجرى الثوري للحراك السوداني: تشكيل مجلس عسكري انتقالي يتولى الحكم لفترة انتقالية لعامين، تعطيل الحياة السياسية في البلاد من الدستور والحكومة والبرلمان والولايات، وفرض نظام صارم للنظام العام وفرض الطوارئ وحظر التجوال، أي فض الاعتصامات والتظاهرات ومواجهة الحراك الشعبي.

بعد انقلاب بن عوف بيومين، قدم زعيم الانقلاب استقالته، وتسلم الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئاسة المجلس العسكري الانتقالي، إثر انكشاف طبيعة الانقلاب الذي أطاح بالبشير بوضوح لم تغفل عنه التحليلات التي أشارت بصدق إلى أنّ حكم البشير مستمرٌ بدونه، في محاولة تجميلية لانقلابٍ أظهر دمويته وبطشه بعد أيام قليلة من الانقلاب، وتغيير زعامته. جرى كل ذلك مع تزايد حدّة الاضرابات والتظاهرات والاعتصامات، التي انتقلت إلى القرب من مركز قيادة الجيش السوداني.

عند هذه اللحظة، ارتكبت قيادة الثورة السودانية، قوى الحربة والتغيير، خطيئتها الكبرى، عندما تفاعلت مع قيادة الانقلاب، المجلس العسكري الانتقالي، كشريكٍ ومساند للثورة، عوضًا عن اعتباره استمرارًا للنظام المستبد بدون البشير. وكما يعرف الجميع، بدأت المشاورات والمباحثات والحوارات التي امتدت طويلًا حول شكل من أشكال الشراكة والمحاصصة في قيادة الفترة الانتقالية: حديث عن أعداد أعضاء المجلس العسكري وعدد أعضاء "الحرية والتغيير" في المجلس الانتقالي، والتوصل إلى صيغة هنا وأخرى هناك، اعترافٌ من قبل المجلس العسكري بتمثيل الحرية والتغيير للثورة، وسحب هذا الاعتراف، وبين المدّ والجزر في هذه المباحثات، التي طالت بشكل متعمّد، كان المجلس العسكري يزيح الستار عن قوى الثورة المضادة، لتخرج من جحورها، وبإسناد من قوات الدعم السريع "الجنجويد" وهي ميليشيا كانت ترتبط بالبشير مباشرة، استثمرها لقمع أي حراك ثوري وطني طيلة السنوات الماضية.

وهكذا تمت تصفية الاعتصام الثوري، وسقوط مئات الشهداء والجرحى، ثم دعوة قوى الحرية والتغيير للعصيان المدني، والدعوة إلى إسقاط الانقلاب والمجلس العسكري الانتقالي، ولكن بعد أن تمكن هذا الأخير من حشد قواته البشرية والسياسية، في سياق ثورة مضادة تهدد بحرب أهلية رغم استمرار دعوة الحراك الثوري إلى تصعيد العصيان المدني، كإطار نضالي سلمي، ووصلنا في هذه اللحظة إلى تعقيدات ما كانت لتقوم لو قرأت قيادة الثورة السودانية طبيعة الانقلاب العسكري قراءةً صحيحة ودقيقة، ولو كان هذا لأمكن عزل الجيش وكافة قواه الطامحة إلى استمرار الاستبداد، ولأمكن توفير فرصة أمام عدد كبير من كبار الضباط وصغارهم والجنود لصالح إسناد الثورة، لو كانت هناك مثل تلك القراءة التي تعتبر الانقلاب أداةً من أدوات استمرار حكم البشير من دونه. فلا شكّ أن هناك ضباط أحرار لا يمكن لهم إلا أن يكونوا مع الثورة والثوار، غير أنّ غياب الوضوح في موقف الثورة من الانقلاب، أسهم في تعطيل دور هؤلاء، مع أنه لا تزال هناك فرصة لتصحيح تلك الخطيئة، وما يزال هناك وقت وفرصة أمام الضباط الأحرار للقيام بدورهم المنشود في دعم الثورة والثوار والمشاركة بها، في سياق سلمية الحراك الشعبي!

مع بداية الانقلاب الدموي، كان يُمكن ملاحظة توجهاته وسياساته على الصعيدين الوطني والعربي، عندما أعلن قادته استمرار مشاركة القوات السودانية في إطار التحالف السعودي الذي يشنّ حربًا شعواء على الشعب اليمني، ومهّد الطريق لاحتضان قوى الاستبداد في المنظومة العربية التي تقودها السعودية لتشكيل مخلب قط في سياق الثورة المضادة، لهذا الانقلاب في مواجهة الثورة السودانية والحراك الذي تقوده قوى الحرية والتغيير.

وعلى ضوء ميزان القوى القائم الآن، وفي سياق لجوء المجلس العسكري للقوة المفرطة في مواجهة الحراك الثوري، قد يكون من الصعب الاحتكام إلى المعادلة الأساسية في طبيعة المشاورات والمباحثات بين الطرفين، والتي كان يتوجب أن تنحصر في بند واحد، وهو آليات تسليم المجلس العسكري لكل السلطات لحكومة مدنية انتقالية، تهيئ لانتخابات تشريعية. كما أن دخول رئيس الوزراء الأثيوبي، ومؤخرًا المبعوث الأمريكي على خط احتواء الحراك الثوري، من خلال ما يقال عن مباحثات بين الطرفين، من شأنه أن يعزز قوى الثورة المضادة، ما يجعل قوى الثورة أمام تحديات أكثر تعقيدًا وصعوبة، إلا أنها ستبقى مضطرة للإبقاء على شعلة الثورة حتى تحقيق الحرية والتغيير، وسودان ديمقراطي في ظل حكومة مدنية.