Menu
حضارة

عن حزيران وأمي.. وقاع البيت

جبريل محمد

تعبيرية

أنا مدين لأمي، تلك الفلاحة البسيطة، التي لم يخب ظنها يومها، ولا جانب رأيها صوابًا، فقد كانت كلماتها كالسهم سريعة حادة وموجهة نحو الهدف، أنا مدين لها اليوم وكل يوم لأنني أعيش في وطني ولم أعد نازحًا أو لاجئًا أو مهجرًا، بل ملتصقًا بالوطن، أعاني معه معاناة قاسية لكن عذوبتها تكمن في تحدي أن تكون أو تكون.

أمي التي رفضت أن تغادر القرية التي تزهو بدواليها في حزيران كما تزهو صبية بشعرها المنثال على كتفيها كحقل من القمح الملوح بالشمس، لكنها أكرهت على ذلك، وظلت خلال فترة النزوح القصيرة "تكرز" بعمودية العودة حتى عدنا.. لم يطل البعاد سوى مسافة وقت قصيره، كأننا عزبنا في مكان كما كنا نعزب في موسم قطاف العنب.

لم أكن يومها قد تجاوزت الحادية عشرة إلا بشهرين، كنت أنا وصديقي محمود نحلم بأن يملك كل منا دينارًا واحدًا، لم نخطط ماذا نفعل به... لكنه في النهاية دينار... كيف نملك الدينار؟ اتفقنا على شيء كان جاريًا في القرية وهو تكسير أو جمع الحجارة الصغيرة (الصرار) لأجل رصف شوارع في البلدة ومن يملأ سيارة قلاب صغيرة يحصل على الدينار.

اخترنا "وعرة" على جانب الطريق، وكانت مليئة بالحجارة، حمل كل منا مطرقته ومقطفه ومع طلوع الشمس سرحنا، وبدأنا العمل، حتى حمي وطيس الشمس، لم نتعب، غير أن رجلًا كان يركب بغلته عائدًا من كرمه، ضحك منا وقال: "وهل ستظل شوارع هنا؟ احملوا عدتكم وارجعوا لبيوتكم فالحرب قد بدأت".

هي الحرب إذن!!

لم يكن أمر الحرب غريب علي، فقد خرجت فبل نصف عام في مظاهرة تندد بما جرى في قرية السموع وكنت أهتف دون أن أعرف "جيشنا جيش التحرير، ويا شقيري هات سلاح"، وكان قريبي الصيدلي بعدها يأتي إلينا يلبس شارة الهلال حمراء على ذراعه، ويطلب من أصحاب البيوت التي لها شبابيك زجاجية أن يطلوها بالأزرق، لأن الحرب قادمة. كما أن المدرسة أجرت لنا تمرينات حول الخروج من الصفوف عند انطلاق صافرة الإنذار.

هي الحرب إذن!! هل ستعود من خلالها يافا؟ لم يكن ذلك سؤالًا، بل كان رغبةً وأملًا، صرنا نتجمع حول جهاز الراديو في الحارة لنسمع أخبار انتصارات لم تكن، وكنا نسمع طلقات الرشاشات في كفر عصيون... وكان الأمر كأنه تسلية .. كنا نفكر بالحرب كأنها صراع صفين متقابلين من العسكر.

في اليوم التالي لنشوب الحرب، أسرج أخي الأكبر بغلنا ووضع عدة الحرث عليه، فهي آخر حرثة في سنة لم تنقطع فيها الأمطار حتى أوائل أيار، وأخذتني أمي معها على الحمارة كي نملأ دلاء الكاوتشوك من البئر الذي طالما اغتسلنا قربه في الخلاء وطالما شهد صناعة الملبن والدبس. طوال الطريق لم تتوقف أمي عن الدعاء بالنصر وأن "لا يكسرنا الله كسرة ثانية" حتى وصلنا للبئر وملأنا الدلاء، كان كل دلو يحتاج إلى كوز من الصنوبر حتى تغلق فتحته، وقع أحدها من يدي فطفا على وجه ماء البئر، فقالت لي أمي، اقطع بعض أغصان الدوالي وكورها وأغلق الفتحة... فعلتها وحملنا الدلاء على الحمارة، لأعود وأسمع كل الابتهالات والأدعية بالنصر وألا يكسرنا الله الكسرة الأخرى.

وجاء يوم ثالث... كان الوقت عصرًا... وضعت أمي بعض طحين في كيس قماشي، وملأت زجاجة بالكاز فتلت لها قماشة، مررتها من حبة قطين، أخذت صاجًا، وبعض من البندورة المجففة، وقالت لي ولأخي... هيا معي، هناك عرزال بين الكروم لا يصله أحد سنمكث فيه حتى تنتهي الحرب، ومشينا معها، لم أدر الآن كيف استطاع أخي ابن الرابعة أن يمشي في الوعر مسافة ثلاث كيلومترات حتى وصلنا لتضيء أمي سراج الكاز في العرزال.. وما أن بقينا لساعة أو ساعتين حتى جاء أخي الأكبر ليطلب منا العودة للقرية فالناس "يرحلون" لأن "اليهود قادمون ويريدون الانتقام" حاولت أمي كثيرًا أن تثنيه عن ذلك لكن جدي أمر وحينما يأمر الجد... لا جدال.

هناك حاولت أمي مرة أخرى مع أبي، وكانت تقول له "خلينا مثل العرب المسالمين" هذا مصطلح آخر انتشر أوانها عن فلسطينيين آثروا البقاء في قراهم ولم يرحلوا عام 48، لكن جدي العجوز كان قد مشى، وعمي استطاع مع عديله أن يركب سيارة شحن مملوءة بالعوائل بينهم شقيقتي وزوجها.

أما الذي ما زال ينحر وجداني نحرًا... فهو كيف وقف أبي في قاع البيت، الذي هو عقد قديم... وأمسك بالمحراث وكأنه يحضنة حتى كاد يقبله قبلة الوداع الأخيرة، ويصيح به "مع السلامة... لمين راح تكون". لم أعرف أن الحديد يتكسر، لكن حين رمى أبي المحراث على أرضية قاع البيت بغضب... تكسر قطعًا... صورة لن أنساها.. حزن أبي وربما غيظه من ذاته لأنه انصاع لقرار جدي، أو لشيء ما لم يقله لي ولو مرة واحدة.

ومشينا في درب النزوح كان الكل يمشي على غير هدى، حتى وصلنا إلى قرية سعير المجاورة، حاول أهل القرية ومنهم من يعرف أبي وجدي ثنينا عن هذا الخيار، لكن كيف يمكن أن تقنع من قرر أن يهرب من الموت إلى ذل اللجوء؟

في سعير بدأت الشمس تغرب، وكان الوادي سحيقًا مرعبًا... لكن ضوء عربات الجيش المحترقة من القصف سهل السير فيه، غير أن الحديد الساخن المتناثر قر حرق أحذيتنا البلاستيكية، فاصطلينا بالنار حتى مطلع فجر فتح شرفاته على صحراء صفراء لا دالية فيها ولا ظل.

ومضينا في حر الصحراء نمشي وبدل أن تشوي شظايا المدرعات المحترقة أقدامنا بات الرمل كفيل بذلك، حيث تغرق القدمين في رمل ساخن، وأحيانا تفلت إحدى فردات الحذاء فتضطر يداك لتذوق جمر الرمال.

في ذاك الصباح تخففت أمي من حملين، عنزتها السوداء ذات القرون والتي طالما أمسكت أنا بقرونها كي تحلبها، وبعض مخدات بوجوه مطرزة جميلة. أطلقت سراح العنزة في البرية، فيما استغلت سيارة سوداء بلوحة حمراء لتضع فيها الوسائد المطرزة الجميلة، عطشنا ولا ماء... فجاء أحدهم وبسكين حادة قطع انبوب مبرد محرك السيارة وأسال ماءه في قدر صغير وشربنا... وظلت الصحراء رفيقتنا حتى غابت شمس اليوم التالي.. لنبيت في ساحة كلما مررت عنها اليوم ألعنها في سري، كانت في الخان الأحمر ... ولما انشق صبح اليوم الحزيراني التالي... بدأ مشوار جديد.

نازح.. ببطاقة زرقاء:

مشينا... ومشينا صغارًا وكبارًا حتى وصلنا إلى مقام النبي موسى... كان من سبقونا قد كسروا أقفال مخازن الجيش وجاءونا بالطعام وشربنا من البئر ماء نقيًا.... هناك تمرد شاب على والده، كان الشاب مصرًا على العودة للقرية... لكن والده كان ينهره، حتى قرر الولد الخروج عن طوع الوالد وعاد أدراجه إلى البيت.

استغلت أمي الفرصة لتضغط على أبي أن نعود... لكن لا جدوى والشعار "الموت مع الجماعة رحمة". وتحركنا من المقام، لم يدر بخلد أحد أن جيش الاحتلال سيلاقينا عند مشروع العلمي... كانوا يتوقعون أن الجيش سيهجم عليهم من الغرب لا أن يلاقيهم من الشرق... لكن هكذا حدث.

حاول الجيش المحتل أن يقدم لنا الماء... جدتي العطشى شربت ودعت لهم بالنصر ظانة أنهم جنود عراقيين.. وظل الكل يعير جدتي بهذا الدعاء. وعلى حافة النهر الذي وصلنا مع عتم الليل نمنا.. حتى أصبح صبح... فنقلنا أحد الأقارب على ظهر بغلته الحمراء إلى الجهة الأخرى لنصبح نازحين.

كنت جائعا أنا وأخي الأصغر.. فانتشرنا في أحد الحقول لم نجد إلا ذرة وباذنجانًا... أكلنا الذرة نيئة... ولم أطق طعم الباذنجان النيء... حتى حملتنا سيارة إلى الرصيفة.. لتسكن حمولة كاملة في غرفة صف.

في الطريق إلى الرصيفة.. أفرغت كل ما في معدتي من ذرة ومن يومها لا آكلها.. أصبحنا نازحين نحمل ورقة زرقاء داكنة عليها ختم قرمزي لزوم الإعاشة. ورغم ذلك ظلت أمي تحلم وتلكز في أبي السعي للعودة أما كيف عدنا... فتلك قصة أخرى وبطلتها أمي.

حين عدت ملأت جوفي من الدراق المعطر... خلال رحلة النزوح إلى الرصيفة، وبعد أن أفرغت ما في جوفي على أرضية الشاحنة التي أقلتنا، أصابني دوار جعلني لا أستطيع رفع رأسي من سويمة حتى منطقة ظليلة قرب عين ماء، حيث توقفت السيارة هناك ونزل الكبار يغسلون وجوههم ويملأون أوعيتهم بالماء. سألت إحدى النسوة : أين نحن؟، أجابها أحد أقاربي نحن في "وادي شعيب"، كان المنظر طبيعيا جميلا وخلابا، ولكن.. لم يكن لنا.

أدار السائق وهو احد الأقارب محرك السيارة، صعدت بنا جبالا حتى وصلنا إلى عمان، هناك من اقترح أن ننزل في بيدر قرب "حي الدبايبة"، لكن قريبًا آخر اقترح أن نلحق بمن سبقونا من الأقارب، فاستقر قرارهم على الخيار الثاني حتى صرنا في ساحة مدرسة الرصيفة.

هناك نزلنا، لم نعرف كيف نتصرف كأطفال... حتى جاءت زوجة عمي وجمعتنا في زاوية من زوايا غرفة صف ووزعت علينا خبزًا وجبنة صفراء.. كان ذلك أول عهدي بهذا النوع من الجبنة... زوجة عمي لم تقدم لنا الخبز والجبن دون تعليق.. فقد كانت كلما وزعت رغيفًا أو قطعة جبن تقول: هذه بدل الكرم كذا... أو الحقل كذا.. كانت تبكي دون دموع.. حينها شعرت بمرارة اللجوء.

كان الرجال ينامون في ساحة المدرسة، وعلى أطرافها كانوا يربطون دوابهم الجائعة، وكانت النسوة والأطفال ينامون في الغرف الصفية.. لم يكن الجو باردًا حتى يوزعوا علينا الأغطية وكنا ننام كل ثلاثة على فرشة، وأحيانًا نختلس لحظات لنهرب حيث ينام الرجال.

تسلم والدي بطاقة إعاشة مؤقتة واستلم معها بعض ربطات الخبز وكمية من الحلاوة والجبن وبعض المعلبات، وصار علينا أن لا نسأل عن طعام مطبوخ، وأن نقبل بالكسرة من الخبز وبعض حلاوة أو بعض جبن أصفر أو ما يفتح من معلبات تقسم علينا.

مجايلينا الذين سبقونا إلى المدرسة، كانوا قد اكتشفوا أن في الرصيفة التي تعلمنا عنها في دروس الجغرافيا أنها منجم فوسفات كبير، أشياء أخرى، أخبرونا أنه عند العصر يجب أن لا نخاف من صوت الانفجارات، لأن العمال يفجرون الصخر في هذه الفترة، وما أن انتهى من هذه الجملة حتى سمعنا دوي الانفجارات، لكن زوجة خالي التي لم تعلم بذلك، خافت من الصوت فجفلت فإذا برأسها يضرب حافة الشباك الحديدية فيتكسر الزجاج على رأسها ويسيل دمها على وجهها.

ومما أخبرنا به من سبقونا من الأتراب وهم أقارب أو من نفس قريتنا، أن نهر الزرقاء يمر من الرصيفة، واستطاع أحدهم اقناعنا بالوصول إلى النهر، كنت أظنه نهرًا عريضًا ومخيفًا، فوجدته سيلًا غير عميق، لكن ما أثار دهشتي هو أن هذا السيل تعيش فيه أسماك صغيرة، صارت مجال تسليتنا، حيث كنا نجمع الزجاجات من أطراف مصنع البيرة المجاور ونتحايل على السمك عله يدخل من فوهتها كنا نتعب ولكننا كنا نتسلى.

اكتشف أبي أننا لا نذهب إلى النهر فقط، وإنما نسبح فيه، فنهرني أنا وصالح ابن عمي واستطاع هو وعمي أن يجدا لنا طريقة مفيدة لقضاء وقتنا وهي أن نأخذ الدواب معنا إلى البرية كي تأكل ما توفر لها من عشب أخضر أو جاف.

وأطعنا الأوامر.. لكن لم يخل الأمر دائمًا من سرقة بعض الوقت للوصول إلى النهر، ويومًا ما حملت معي بعض الفرفحينا من ضفة النهر لأريها لأمي، فطلبت مني أن آتي بالكثير منها، لتصب أول طعام مطبوخ مع رب البندورة الذي حصلنا عليه من الإعاشة.

كما عثرنا على شتل التبغ الهيشي بين الحقول، وكان ذلك ما سر زوج خالتي الذي نقدنا عن كل باقة منها نصف قرش (تعريفة)، وصرنا نجمعها له فيجففها ويفركها ويلف منها تبغه الذي اعتاد عليه.

حاول أبي المريض أن يجد لأخي الأكبر عملًا، فوجد له عملًا مع بناء لخمسة أيام، وكانت أجرته ربع دينار، فيما حمل كثير من الشباب من أقاربنا أنفسهم واتجهوا للعمل في قطاف الخضروات في الغور.

خلال مكوثنا في الرصيفة جاء من يطرح على أقاربي ترك المدرسة والذهاب شرقًا وبعيدًا إلى وادي الضليل قرب الحدود العراقية كي نعمل في الزراعة... بدأ بعض الأقارب تدوير الفكرة في رؤوسهم، سيما وأنهم فلاحون وسيكسبون بيوتًا يسكنون فيها.. هنا رفضت أمي كل الفكرة، وشرحت لهم أن ذلك يعني اللجوء، فيما هناك من بدأوا يعودون تسللا إلى البلد.

عبور النهر.. وإشراق الفدائيون:

غاب صاحب الفكرة وغابت معه مشاريعه، لكن ما بات يدور من حديث بين الرجال هو العودة ومحاولة تبين الطريقة التي يعودون بها.. بعضهم كان يشجع ويدعي أنه وضمن خبرته في أيام كان ينقل أغنامه للرعي في الغور بات يعرف مخاضات وطرق كثيرة، وبعضهم كان يتشكك لأن شابين من القرية حاولا التسلل ولم يبن لهما أثر حتى اليوم. أحد أقاربي ركب موجة المغامرة وتسلل، مكث أيامًا في القرية وعاد ليطمئن الناس ويعد العدة ليحمل أولاده وعائلته ويعود.. بعد أيام فعلها ووصل.

لكن جبانًا من أهل القرية لم يرحل مع الراحلين إنما بقي في القرية، لكنه آثر الرحيل بعدها جاء ليبرر رحيله بأن زرع كل الخوف في نفوس الناس حتى أنه افترى وسمى أسماء بأنها قتلت وأخرى حبست... غير أن حكيمًا من الفلاحين البسطاء نهره، وعيّره بعادة كذب تأصلت في أسرتهم فغادر المدرسة ولم يعد.

في الرصيفة، كنا نلحظ رجالًا يلبسون المرقط، كانوا يقولون عنهم فدائيون، كان ظهورهم قليلًا، وبعد أن تسود العتمة، لكن كثيرًا ما كنت أسمع الرجال يتهامسون حول جرأتهم.

قاربت العطلة الصيفية على النهاية، وكان على النازحين أن يغادروا المدرسة إلى مخيمات مؤقتة في الغور.. أذكر منها مخيم دير علا ومعدي، وبدأ الناس حزم أمتعتهم، هنا انتصبت أمي ورفضت المخيم والانتقال إليه، حتى لو كان جنة الله على الأرض، كانت المرة الأولى والأخيرة التي تمتد فيها يد أبي على أمي.. لكنها في النهاية انتصرت انتصارًا جزئيًا.. لم تذهب للمخيم ولم يذهب أقاربنا إليه، ووجدوا من استأجر لهم حوشًا في جبل الهاشمي بعمان فسكنت فيه حمولة كاملة، لكنها كانت تعد العدة للعودة بعد أن تأكد لهم أن قريبنا يعيش في البلدة بأمان.

خلال هذه الفترة شعر أبي المريض والذي يضم في أسرته عجوزين هما والديه غير القادرين على الحركة، كما شعر قريبي الآخر الذي يعيل ضريرًا وأمه العجوز إضافة لأبنائه، أن الأقارب الآخرين يتجنبونهم عند الحديث عن إمكانات العودة.

هنا أيقن أبي أن الأمر يجب أن يؤخذ بجد لكنه فكر أن الأمر سيطول فقرر أن يجد لنا عملًا أنا وأخي الأكبر اشترى رطلًا من الحمص وغلته أمي كي أدور في جبل الهاشمي وحي المحطة في عمان علني أبيع شيئًا كما كان ابن عمي صالح يبيع الاسكيمو... لم أستطع بيع أكثر من كمية تساوي خمسة قروش، فأخذت أمي الوعاء مني وخلطت الحمص برب البندورة وصار طبخة لنا.

اضطر أبي لبيع البغل الذي اشتراه قبل عام بخمسين دينار ليخسر نصف ثمنه كما باع الحمارة ليصرف علينا.  في هذه الفترة غادر جزء من العائلة في مغامرة التسلل من وادي اليابس إلى خربة السكوت قرب طوباس نجح أغلبهم في اجتياز النهر والعودة فيما رجعت عائلة واحدة خافت على نفسها. وبقي جزء آخر... عمي الذي يعيل ضريرًا قرر المغامرة وحده، حمل أسرته وخاض في النهر ووصل إلى أريحا هناك اكتشفه حرس الحدود فاعتقلوه وأسرته، وكانت النتيجة إبعاد عمي شرقي النهر ، وإخلاء سبيل الأسرة لتعود إلى القرية. لم يكن ذلك مثبطًا بل ولد اقدامًا على العودة سيما وأن عمي استعد بمساعدة أبي في الموضوع، وبدأ الحلم من جديد.

كان آب حارًا، فيما بلغنا عن ضرورة التسجيل للمدرسة، أخذنا أبي وسجلنا في المدرسة، وفي الطريق كان بائع الخضار ينادي على العنب، تجرأت وطلبت من أبي عنبًا... فنهرني وقال لن تأكله إلا في حلحول.
في ليلة ما من آب اللهاب رأيت أمي تحشو أشياء في كيس وتعقد صرة بإقبال منقطع النظير، وحين سألتها ماذا تفعل؟ قالت إنها تجهز للعودة غدًا صباحًا. وسمعت أبي يعاهد جدي أن يرجع إليه ليعيده للقرية بعد أن يوصلنا، لم يزد جدي على أن عبر عن ثقته بوالدي، الذي وعده ألا يبيت إذا وصل حيًا سوى ليلة الوصول.

في الصباح استقلت العائلة وبعض الأقارب نفس السيارة التي أوصلتنا للرصيفة، وظلت تمشي بنا حتى وصلنا سهلًا منبسطًا قرب الكرامة. بدأ أبي وعمي رحلة السؤال عن أدلاء للطريق، أغلبهم لم ينصح بالمكان حيث المياه عميقة، لكن بعضًا من أقاربنا أصر على المكان وبقي، فيما اضطر بعضنا للانتقال إلى مكان آخر.

مررنا عن مخيم معدي ذو الخيم البلاستيكية وعن دير علا حتى وصلنا إلى الكريمة، وفي سهل تكسوه بعض الأشجار العالية، استظلينا ببعضها بجانب نقطة حراسة للجيش الأردني. من وجوهنا عرف البعض نيتنا بعبور النهر فانهال الأدلاء علينا كل يعرض مهارته.

ومن حيرة إلى حيرة بين الأدلاء كانت جدتي تلح على والدي أن يرفض هذا أو ذاك، لم يستطع أبي أن يرفع صوته في وجه أمه لكني لاحظت كيف قام من شدة غيظه بتعفير وجهه بالتراب قائلًا وبهدوء حزين: أنت يا أمي شبعت من عمرك فعلام تخافين وأنا أحمل أطفالًا في دروب الخطر؟
مكثنا ليال ثلاث تحت هذه الاشجار، حتى جاء شابان توسم فيهما أقاربي الصدق، كانا من طوباس، وعرضًا علينا صفقة مرضية، حيث كانت الأجرة نصف دينار عن كل شخص فوق العشرين وربع دينار عمن هم دون ذلك وتم استئجار حمارة بثلاثة دنانير تركبها جدتي، إضافة إلى "كديش" بخمسة استأجره أحد الأقارب لأمه.

ما أن غربت الشمس وسادت العتمة حتى جاءوا، كان الجميع قد عقدوا صررهم واستعدوا، وما هي إلا نصف ساعة من المشي حتى كنا على حافة النهر. دون أن ننبس ببنت شفة، انتظرنا حتى قبيل طلوع الفجر، ثم نهضنا، كان ابن خالتي الشاب قد غافل أهله وعبر النهر ليقيس عمق الماء وعاد، فحين عزمنا قطع النهر قال لا تخافوا فالمخاضة لا تزيد عن الركبة في عمقها، كاد أبوه أن يضربه لولا كل المحاذير التي فرضها الأدلاء.

ولما هممنا بالنزول إلى الماء، قفز من بين الشجيرات شباب مسلحون، أول ما بدأوا به تهدئة روعنا، ثم طمأنونا أن طريقهم بعد قطع الشارع الذي يدعى الآن "طريق غاندي"غير طريقنا.

أحرنت الحمارة عن النزول إلى النهر فما كان من أحد الشباب سوى أن حمل جدتي على كتفه وجر آخر الحمارة، حتى عبرنا النهر.. ومشينا معًا في السهل بسرعة كبيرة حتى قفزنا قفزًا في الشارع لندخل إلى بطن الوادي ونختفي بعيدًا عنه، هناك افترق الشباب عنا باتجاه الشمال إلى بيسان، أما نحن فمشينا دروبًا وعرة بين الشوك والحصى.

مع اليهود وجهًا لوجه:
كان حذائي البلاستيكي يفلت من قدمي كلما ارتطم بحجر في الطريق فاضطررت أن اضعه تحت إبطي وأمشي حافيًا في الليل، كان أخي الأكبر يحمل على كتفه أخي الأصغر تمامًا كما حمله في رحلة النزوح ثلاثة أيام متواصلة، وفي الطريق الوعرة تعثر "الكديش" فناخ على الأرض وكادت العجوز أن تهوي من فوقه، فصارت تطالب بركوب الحمارة، أما جدتي فرفضت التبديل ولولا ضرورات الصمت لحصلت مشادة بينهن.

قام الكديش من مناخته، وأعيدت العجوز إلى ظهره ومشينا حتى انبلج الفجر على حقول القمح الصفراء في خربة السمرة، كان المشهد جميلًا جدًا، وكانت رائحة القش عبقة بالندى الطري، لمحنا سيارة أجرة تمر من طريق ترابي ثم تتوقف لتعرض توصيلنا إلى نابلس، لم تكن السيارة تتسع لأكثر من خمسة، أصرت جدتي على الركوب بها واختار أحد الأقارب وعائلته أن يستقلها، وذهب أخي الأصغر مع جدتي.

أما من تبقى منا فمشينا لم تكن المسافة أكثر من ساعة حتى وصلنا إلى سهول البطيخ في طوباس، فهرعت وقطعت بطيخة، لامني أبي، لكن الدليل خفف من روع أبي وقطع بطيختين أخريين وبعض شمام، هناك جلسنا تحت زيتونة وارفة، أكلنا من البطيخ والشمام ما يسد جوعنا وعطشنا، وكانت خالتي تنقط في حلق رضيعها المحتضر الماء، وترجو الله أن لا يموت إلا في القرية إن لم يكتب له عمر.

انتقلنا إلى محطة المحروقات حيث عرض علينا سائق قلاب أن ينقلنا إلى نابلس، وافق الجميع وتحت شمس آب اللهاب مضت بنا السيارة عبر الباذان وأبي يلوم نفسه كيف طاوعته نفسه بإرسال أخي الأصغر مع جدتي ما دامت الطريق بهذه السهولة. قطعنا الباذان حتى وصلنا نابلس، وبسرعة هرعنا إلى باصات رام الله التي أقلتنا إليها، لننتقل إلى باصات القدس . هناك في كراج باب العمود التقينا وجها لوجه باليهود، لأول مرة أشاهد اليهود في حياتي، لكن السرعة التي أمرنا أن نتحلى بها لنصل إلى الباص، لم تجعلنا نتأمل فيهم جيدًا.. ومن القدس إلى حلحول.. وصلنا، أول ما نظرت إليه كان بيتنا غير مكتمل البناء هناك، كان جالسًا في حضن السفح كأنه ينتظرنا، منعني أبي أن أذهب إليه، كان البيت في طرف البلدة الشمالي وقد حاذرنا أن ننزل حمولتنا في وسط البلد خوفًا من وشاة يشون بنا، دخلنا إلى بيت عمي الذي سبقنا بالعودة، ومشينا صعودًا إلى بيتنا القديم فرادى أو ضمن مجموعات صغيرة.

كان عطن رائحة الرطوبة في بيتنا تشبه رائحته عندما كنا نتركه شهرين في موسم القطاف، لكنها بالنسبة لي ولأمي كانت رائحة جميلة عبرنا عنها بملء أفواهنا.

نمنا تلك الليلة في عقدنا القديم هذا، وحينما أطل الصباح سألت عن والدي، فقالت أمي "رجع يجيب سيدك".

ثم جاء صالح وطرح علي أن نذهب للكروم، بسرعة البرق وافقت ودون أن نخبر أحدًا مشينا نحو الحقول إلى حيث دراقة لنا في حقل نعزه جميعًا.
أكلنا وأكلنا وكانت رائحة الدراق المعطر تشيع في جوفنا فرحة جعلتنا نفكر بحمل بعض منها إلى أهلنا. لم نجد ما نضع فيه الدراق إلا خرقة كنا نستخدمها لرش مسحوق الكبريت على الدوالي، فذهبا إلى البئر القريبة غسلناها ثم حملنا صرة من دراق... لتبدأ أيام أخرى غير تلك التي كانت.

وصل أبي إلى عمان، حاول اقناع شقيقتي وزوجها بالعودة معه، ربما خجلًا وافق زوجها... وحينما وصلوا المخاضة وحاولوا عبور النهر أطلق جنود الاحتلال عليهم طلقات تحذيرية، خاف صهري وآثر العودة إلى عمان، أما أبي ومن معه غير جدي، فقد اختاروا مخاضة أخرى وعبروا .. بأمان ووصلوا إلى القرية لتبدأ قصة أخرى لم تكتمل بعد.