Menu
حضارة

جوهر الصراع الديني والمذهبي

حاتم استانبولي

عندما ظهر الخلاف في الإسلام بين أنصار علي ومعاوية كان خلاف في جوهره بين فكرتين، الأولى: كانت للحفاظ على الإسلام في جوهره الأخلاقي والتحرري ومناصرته للفقراء والمظلومين؛ والثانية: هي لعودة سيطرة الأمويين وما يمثلون من سلطة مالية موقفها من الإسلام هو ما يحققه من غطاء أخلاقي لسلطتها واستغلالها،  والصراع استمر لسنين وحسم لصالح بني أمية وحلفائهم.. وكان أول ما انقض عليه الأمويين هو الجوهر الديمقراطي في الإسلام حيث ألغوا الشورى ومبدأ اختيار الإمام من التشاور إلى التوريث، ولذلك فإن الخلاف منذ بدايته هو ليس خلافًا على النص الديني والفقهي من وجهة نظر الأمويين وأنصارهم، بل هو على أحقية السلطة السياسية والتي انتزعها منهم الإسلام في مرحلة الرسول والخلفاء الراشدين، ولهذا فإن الخلاف المذهبي الآن في جوهره خلافًا سياسيًا، وليس صدفة أن نشاهد الاصطفاف تحت العنوان المذهبي، إلا اصطفافًا بين أنصار علي وأنصار معاوية.

إن كل الأفكار التي تطرح حول الجوهر الإنساني والتسامحي والاقتصادي للإسلام هو في جوهره موقف مع أنصار علي، وكل موقف مع تمركز السلطة السياسية وتوريثها هو موقف مع أنصار معاوية؛ فلذلك فان الإسلام كفكر لا يمكن قراءته خارج منظومة القوانين الموضوعية التي تحكمت وتتحكم في المجتمعات الإنسانية وانعكاسها في المصالح المادية للفئات والطبقات الاجتماعية بين من يريد تمركز الخيرات الإنسانية بيد فئة قليلة من الناس، وبين من يريد أن يوزعها على المجتمع الإنساني بحيث يحقق العدالة والكرامة الإنسانية.

أما الصراع الذي نشاهده الآن، هو صراع بين تحالف الوهابية وتفريخاتهم ورأس المال في الخليج، وبين القوى التي ما تزال ترى في الإسلام فكرًا يعبر عن مصلحة الفقراء والمظلومين، وهو امتداد للصراع الذي ظهر بين المسيح والأحبار اليهود، وبعدها بين الإسلام وبين مجلس قبائل قريش وعلى رأسهم بني أمية. وبعد انتصار الإسلام استمر الخلاف بينهم حتى احتد بتولي علي الخلافة، والذي يعبر فكرًا وممارسة عن الجوهر الأخلاقي والفكري الإنساني للإسلام، وعندما انتصر أنصار بني أمية واختطفوا الإسلام وأفرغوه من جوهره وأصبحت مهمة رجال الدين مرتبطة بولي الأمر وخدمته وحاشيته، جُيّرت كل النصوص الدينية لمصلحة رأس المال وممثليه في السلطة السياسية.

أما عن تحالف الوهابية مع رأس المال فإن الفكر الوهابي في جوهره لا يعير أية أهمية لجوهر الفكر الإسلامي، بل يحارب كل فكرة لها علاقة في تطوره ويرى الدين من منظور حرفي لتطبيق الشرائع ويختصره بالشرائع الخمسة؛ بهدف خدمة توجهاته السياسية مستفيدًا من المكان ودوره في ذاكرة المسلمين.

ويمارس التجهيل المجتمعي وإتباع ولي الأمر ومناصرته، وهذا يحقق أفضل غطاء أخلاقي لممثلي رأس المال في السلطة السياسية، وبناء على هذا التحالف بين الفكر التجهيلي الوهابي (وتفريخاته) الذي يختصر الإسلام وتاريخه وصراعه بأركانه الخمسة ليلغي كل ما طرأ عليه من صراع ذات طابع سياسي واجتماعي واقتصادي، ويستخدم الغطاء الوهابي في تموضع دول الخليج في تحالف مع أحفاد بني قريظة وبنو نظير ويعلن العدوان على سوريا و اليمن وشعبيهما، هو في جوهره عدوان على النموذج التاريخي وفكرته الإنسانية المناقضة للفكر الوهابي وتفريخاته وتحالفه.

أما عن موقف الدول الغربية المساندة للعدوان، فإن موقفها ينبع من مصلحتها في استمرار تحالفها مع أنظمة الخليج والتي تستند للوهابية كمرجع معرفي يخدم مصالح طغمتها المالية وتدعمها في تعميم هذا النموذج، واستخدامه في تدمير دول المنطقة ومجتمعاتها القائمة على أساس العيش المشترك بين جميع مكوناتها الفكرية وتعبيراتها الإنسانية، وبناء عليه فإننا نستطيع أن نفهم تحالف رأس المال العالمي ودعمه للأنظمة الخليجية وتفريخاتها من تنظيمات تكفيرية وعدائه للقضايا الوطنية التحررية، وهنا يُفهم الموقف من قضية الشعب الفلسطيني على أنها المعيار والحد الفاصل بين قوى الاستبداد وقوى التحرر. هذه القضية التي أعطت بعدًا وطنيًا تحرريًا للعباءة الدينية ووحدت الفئات المختلفة في المذهب على أساس الموقف الوطني التحرري وأكسبتها مشروعية وطنية، شكلت تحالف عابر للقارات بين القوى المناهضة للسياسات العدوانية لتحالف رأس المال المالي بعناوينه الصهيونية والوهابية وتفريخاتها.

المدقق في الخلفية المعرفية للوهابية والداعشية أو القاعدة أو النصرة وممارساتهم وتعديهم وتدميرهم للفكر الإنساني وإنجازاته، هو في جوهره ذات الخلفية المعرفية للفكر العدمي الوهابي، وقد رأينا مثالًا مشابهًا في التاريخ الإنساني على هذا التحالف بين الكنيسة ورجال الدين وبين الإقطاع, هذه المرحلة التي سميت بالمرحلة السوداء في أوروبا.

لذلك، فإن الموقف من القوى التي تأخذ من الدين واجهة لممارساتها السياسية يتحدد من على أرضية موقفها من تغول رأس المال وممثليه في السلطة السياسية، وموقفها من القضايا الوطنية الكبرى.

عندما تقف مع الفقراء والمظلومين كون الفقر لا دين أو مذهب له تكون في مجابهة تغول رأس المال، وعندما تلتزم بالمواقف الوطنية تكون قد مزقت ثوبها الديني والمذهبي والتزمت بفكرة النبي عيسى والنبي محمد والخلفاء عمر وعلي الذين ناصروا الفقراء ووقفوا بمواجهة رأس المال وتعبيراته من الأحبار اليهود وتحالفهم مع الرومان، ومن بعدها مع الإقطاع في عهد القنانة ورأس المال وتغوله في عصرنا.

إن الوهابية بتحالفها مع رأس المال العالمي (والصهيوني) وتعبيراتهم يعني الوقوف ضد الفقراء والمظلومين الذي هو في الجوهر وقوف ضد الفكرة التي تريد العدالة والكرامة والحرية الإنسانية.

لهذا، فإن القابعين في ورشة المنامة هم ممثلون عن تحالف رأس المال (الصهيوني والوهابي)، وهم في الجوهر امتداد لدور القوى الظالمة والمستغلِّة عبر التاريخ الإنساني، الذي تحالف مع الرومان لقتل المسيح، وانقض على علي وأبنائه، الذي يحمل ويمثل الجوهر الإنساني والأخلاقي للفكر الإسلامي.