Menu
حضارة

عذرٌ أقبح من ذنب

حاتم استانبولي

الغريب في السبب الذي أُعلِن لاعتقال ثلاثة شبان، صهيب ومحمد ومالك، من قبل أجهزة الأمن الأردنية، تحت عنوان "إخلال صفو العلاقة مع دولة شقيقة"، هذا المبرر الذي أصبح سببًا في كتم حرية الرأي، والأكثر غرابة أن يتم  تحويلهم إلى محكمة أمن الدولة، يعني أنّ صراخ الشباب أو إطلاق شعارات تعبر عن رأيهم أو غضبهم في مظاهرة تدخل تحت بند إخلال الأمن القومي.

بالمعنى القانوني، هل هنالك نصٌ يندرج تحت عنوان تعكير صفو العلاقة مع جارة شقيقة؟ وهذا يستوجب سؤالًا: هل أعلنت  الحكومة مفهومها لتعكير صفو العلاقة مع الدول الشقيقة، ليستطيع المتظاهرون أن يلتزموا بها؟

هل التظاهر للتعبير عن الرأي يكفله الدستور فعلًا أم لا؟

العلاقة بين الدول تقوم على أساس المصالح المشتركة بين النظم السياسية، وهذا لا يُلزِم الشعب بمكوناته أن توافق على هذه العلاقة أو الاتفاقيات إلّا إذا خضعت لاستفتاءٍ شعبيّ تحصل فيه على موافقة الشعب بكل أطيافه.

علاقات وقرارات الحكومة لا يمكن فرضها على الشعب بكل أطيافه!

الحكومات الديمقراطية يُمكن أن تتراجع عن قرارات اتخذتها عندما يخرج الشعب ليعبر عن موقفه ضدها، أو بعضهم يرفض الموافقة حتى يعود إلى شعبه أو ممثليه. أمّا أن يُحجَز ثلاثة شبان ذنبهم أنهم عبروا عن سخطهم لموقف الحكومة في المشاركة بورشة البحرين تحت عنوان الإساءة إلى دولة شقيقة، فهذا عذرأاقبح من ذنب.

أولًا: الشعب أو فئاته غير ملزم بأن يوافق على قرارات الحكومة وهذا حق يكفله الدستور. الأفراد والأحزاب والقوى من حقهم أن يعبروا عن مواقفهم  بشأن أية قضية يشعروا أنها تمس مصالح أوطانهم، وهنا فإن الحكومات الذكية تستخدم هذه المعارضة لتعزيز مواقعها السياسية في أية حوارات ولتبرر التزامها برأي شعبها الذي تمثله.

المظاهرات كانت بناءً على مواقف حكومية يرى القسم الأكبر من الشعب أنها لا تعبر عن مصالحه، خاصةً أن رأس النظام حدد موقفه بـ(لا) في ثلاث مناسبات تمس الموقف من القضية الفلسطينية، وعليه فان الاعتقال لا ينسجم مع مواقف رأس النظام.

التظاهرات في الجوهر هي حماية للدولة من ما يجري التخطيط له، خاصة أن جوهر ورشة البحرين تمس كيانية الدولة الأردنية وموقفها من القضية الفلسطينية، وما التصريحات التي أقدم عليها المسؤولون الإسرائيليون أو الغربيون أو كوشنير ذاته، بأن الأردن عليه تحمل مسؤولياته في المشكلة السكانية الفلسطينية وبعضهم طرح علنًا ضرورة  التهجير القسري للفلسطينيين من الضفة إلى الأردن، وتغيير اسمها إلى فلسطين، هو في حد ذاته الخطر الداهم. وعلى الحكومة مصارحة شعبها بأنّ هذه الدول الشقيقة التي اعتقل الشباب من أجلها بعضها يشارك الغربيين والإسرائيليين رأيهم في الغرف المغلقة، وهم مستعدون بالتضحية بالدولة الأردنية في سبيل الحفاظ على عروشهم.

السؤال الملحّ للحكومة وأجهزتها: هل ستطلب اعتقال السياسي الهولندي Geert Wilders، الذي صرّح بالأمس 28 حزيران 2019، بأن على المجتمع الدولي "التهجير القسري للفلسطينيين إلى الأردن وتغيير اسمها إلى فلسطين"، هل ستسمع الحكومة الهولندية لاعتراض المملكة واعتقال السياسي الهولندي تحت مبرر تعكير جو العلاقة مع دولة صديقة؟

هل قامت السلطات السعودية باعتقال الصحفي فهد الشمري لتصريحاته العنصرية بحق الفلسطينيين الذين يشكلون جزء حيويًا من سكان المملكة؟

لقد أخطأت الحكومة بالإيعاز إلى الأجهزة باعتقال الشبان الثلاث الذين عبروا عن رأي أكثرية الشعب، وعلى الحكومة أن توظف هذه المظاهرات لتعزيز المصلحة الوطنية ضد ما يحاك ضد الأردن ككيان لا أن تعتقل أصحاب الرأي.

الإيعاز الحكومي باعتقال الشباب تحت مبررات تعكير صفوة العلاقة ينطبق عليه المثل القائل (عذرٌ أقبح من ذنب)، وهو تصرف غير حكيم تضع الحكومة نفسها بتعارض مع شعبها. هذه المرحلة تتطلب من الحكومة تعزيز العلاقة بين مكونات الوطن الثلاث: الشعب والنظام والدولة للحفاظ على الوطن من الأخطار الداهمة عليه.