Menu
حضارة

الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين: محطات من المسيرة (1-8)

غازي الصوراني

إذا كان لكل مرحلة ظروفها الموضوعية والذاتية، فإننا نرى هنا أهمية التأكيد على أن الظروف المرتبطة بانطلاقة الجبهة الشعبية، كانت ظروفاً كونية تعج بالرؤى والحركات الثورية التحررية والتقدمية التي ترى في الماركسية والاشتراكية العلمية وجهتها وبوصلتها الرئيسية، ارتباطاً بالحالة الثورية التي لم تتوقف عند دور الاتحاد السوفياتي والصين وكوبا وكوريا وفتنام فحسب، بل انتشرت تلك الحالة الثورية في معظم بلدان العالم عموماً وفي بلدان أوروبا خصوصاً، إلى جانب تفاعل المشاعر الثورية على المستوى الشعبي في كافة الأقطار العربية في سبيل النضال ضد الاستعمار والقوى الرجعية من أجل التحرر والاستقلال من ناحية، وفي سبيل التقدم والتطور الاجتماعي والتنموي والعدالة الاجتماعية من ناحية ثانية.

وفي هذا المناخ، جاءت الجبهة الشعبية لتشكل أحد أبرز الفصائل التي تفاعلت مع هذا الحراك الثوري العالمي والقومي العربي.

الولادة:

إن انطلاقة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ترتبط ارتباطا وثيقا بهزيمة حزيران عام 1967م، والدروس النظرية والسياسية والتنظيمية التي أفرزتها وبلورتها تلك الهزيمة التي ثبت من خلالها فشل برامج الأنظمة العربية، بما فيها تلك التي كانت توصف بالأنظمة الوطنية أو التقدمية.

لقد وردت أول إشارة عن ولادة تنظيم جديد يحمل اسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في صحيفة "الأنوار" اللبنانية وثيقة الصلة بالتنظيم الفلسطيني في حركة القوميين العرب، حيث أشارت الصحيفة في عددها الصادر يوم 7 كانون أول عام 1967م "أن الجبهة الشعبية تنظيم موحد لقوى فدائية عديدة كانت ناشطة قبل 5 حزيران وبعده، وأن لها تنظيمات مقاتلة منتشرة في جميع أنحاء الأرض المحتلة وأنها علاوة على ذلك أعلنت الثورة المسلحة في جميع أنحاء الأراضي المحتلة وداخل إسرائيل ذاتها"، وكانت تلك الإشارة إيذاناً ببداية فك العلاقة بين الرؤية السياسية والتنظيمية لحركة القوميين العرب بمضمونها القومي وتحولها إلى رؤية سياسية تنظيمية قطر ية فلسطينية، ارتباطاً بظروف الهزيمة من ناحية وبانتشار ظاهرة الكفاح المسلح الفلسطيني بقيادة حركة فتح، وفي اليوم التالي ذكرت صحيفة "الأنوار" أن الأشهر السابقة للإعلان عن الجبهة قد صرفت في الإعداد للقيام بالثورة المسلحة على نطاق واسع، وأضافت بأن أوامر قتال تلقاها فدائيو الجبهة ليلة 27 تشرين الثاني، وقد نفذ هؤلاء سلسلة عمليات تمت داخل إسرائيل ذاتها.

ففي ظل سقوط الأرض الفلسطينية كلها في قبضة الاحتلال الصهيوني، وسقوط الرهانات والآمال الجماهيرية الفلسطينية والعربية المعقودة على أنظمة البرجوازية الوطنية، وفي ظل واقع منظمة التحرير الفلسطينية الذي يكاد يكون مرتبطا كليا بالجامعة العربية، تبلورت فكرة انطلاقة الجبهة الشعبية التي وجدت فرصتها العملية في التطبيق عبر حركة القوميين العرب وتنظيمها الفلسطيني وتجربته النضالية بعد نكبة عام 1948م، وبالدروس التي اكتسبتها من تلك التجربة التي قادت منذ بداية الستينات عمليات الكفاح المسلح ضد العدو الصهيوني.

وفي 11 كانون أول/ديسمبر 1967 أصدرت الجبهة الشعبية بيانها السياسي الأول الذي تحدثت فيه عن نشوئها وفلسطينيتها، ونظريتها القومية العربية الشاملة وإيمانها بوحدة القوى التقدمية وضرورة توحيد الكفاح الفلسطيني المسلح، وقد اعتبر تاريخ إذاعة هذا البيان هو تاريخ انطلاقة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين .

لقد مرت الجبهة الشعبية عبر مسيرتها بعدد من المحطات أو المنعطفات الرئيسية التي تركت تأثيراً واضحاً على مسار التطور الفكري والسياسي والتنظيمي للجبهة منذ تأسيسها في 11/12/1967 إلى اليوم.

وفي هذا السياق يمكن تصنيف مسيرة الجبهة إلى خمسة محطات رئيسية شكلت كل منها تحولاً وانعطافاً في مسار الجبهة .

المحطة الأولى أو المرحلة التأسيسية:

يرتبط تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ارتباطاً وثيقاً بهزيمة حزيران والدروس النظرية والسياسية والتنظيمية التي أفرزتها وبلورتها تلك الهزيمة. كما يرتبط تأسيس الجبهة بحركة القوميين العرب وتنظيمها الفلسطيني وتجربته النضالية منذ نكبة عام 1948، وبالدروس التي اكتسبها من تلك التجربة التي قادته منذ بداية الستينات إلى الإعداد للبدء بالكفاح المسلح.

في هذه المرحلة التأسيسية، تبلورت فكرة تأسيس الجبهة الشعبية لحركة الشعب الفلسطيني وليس كحزب سياسي فحسب كما جرى لاحقاً.

وفي هذا السياق لا بد من أن نشير إلى أن تأسيس الجبهة الشعبية من أجل البدء بعملية النضال المسلح ضد الاحتلال الصهيوني لبلادنا، لم يكن في حد ذاته استجابة لهزيمة حزيران فحسب، بل كان في حقيقة جوهره امتداداً موضوعياً وذاتياً لدور الأطر الكفاحية التي قامت الحركة بتأسيسها قبل هزيمة حزيران بسنوات، وخاصة منظمتي "شباب الثأر" و "أبطال العودة"، حيث طبقت حركة القوميين العرب –من خلال هاتين المنظمتين- شعاراتها النضالية عبر الممارسة الكفاحية المسلحة ضد الوجود الصهيوني في فلسطين منذ عام 1964.

وفي هذا السياق يقول الحكيم جورج حبش : "بدأنا في العام 1964 خطوة جديدة، ولم تعد هنالك لجنة قيادية للعمل الفلسطيني وإنما اصبح هنالك فرع فلسطيني وقيادة فلسطينية مهمتها العمل الفلسطيني والتهيئة للكفاح المسلح في الساحة الفلسطينية وإعداد مقاتلين وتدريبهم. وفي العام 1964 بدأنا العمليات. تسلل عدد من الرفاق، وسقط لنا الشهيد خالد ابو عيشة وهو الشهيد الأول من الفرع الفلسطيني لحركة القوميين العرب. وقد استشهد في الجليل، وهو من العناصر التي تم تدريبها في مصر في عهد الوحدة مع سوريا"[1].

كما أصبح النشاط السياسي والنضالي الفلسطيني أكثر وضوحاً بعد أن اتخذ الفرع الفلسطيني اسم "شباب الثأر" وتزايد الاستعداد العسكري، ومع ذلك –كما يؤكد الحكيم – "استمر العمل الفلسطيني ظاهرة داخلية تنظيمية، ولم يصبح ظاهرة جماهيرية، أو ظاهرة تاريخية إلا بعد حرب 1967، لأن الظروف أصبحت مهيأة. كذلك نفسية الجماهير. واعطانا انهيار الجيش الاردني فرصة لتنمية العمل الفلسطيني، ومن هنا بدأ التركيز الذي قاد إلى تأسيس الجبهة الشعبية. وقبل أن نؤسس الجبهة، سعينا إلى انشاء تنظيم موحد يضم التنظيمات الخمسة القائمة في تلك الفترة، والتي كانت تفكر جدياً في مسألة الكفاح المسلح. وهذه التنظيمات هي: "فتح" و "الصاعقة" التي كان اسمها طلائع حرب التحرير الشعبية، و "جبهة تحرير فلسطين" المسؤول عنها أحمد جبريل، و "شباب الثأر" التنظيم الفلسطيني لحركة القوميين العرب وأبطال العودة"[2].

ويستطرد القائد المؤسس جورج حبش حديثه عن تأسيس الجبهة قائلاً: "حاولنا مع التنظيمات الخمسة توحيد العمل المسلح، وعقدت اجتماعات في دمشق كان يحضرها مندوباً عن منظمة " شباب الثأر" الدكتور وديع حداد، وأنا حضرت اجتماعاً أو اثنين من هذه الاجتماعات، لكن الدكتور وديع تابعها حتى النهاية، وفي الاجتماعات كانت فتح ترى أنها ستبدأ العمل على أن يكون اللقاء على أرض المعركة. وحيال ذلك وافقنا واستمرت المحادثات بين تنظيم احمد جبريل وتنظيم "أبطال العودة" وتنظيم "شباب الثأر" من أجل القيام بعمل موحد، كما تم وضع برنامج سياسي ولائحة علاقات داخلية، وقد اقترحت أن تكون التسمية "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، وبعد مناقشة اتفقنا على هذه التسمية، والتسمية على أي حال مدروسة بعناية. كان لا بد من تضمين التسمية ما يشير إلى السياسة فكانت كلمة "الجبهة" التي تشير إلى تحالف القوى، وكان من الضروري إعطاء التنظيم الموحد الطابع الطبقي الذي يوضح استناده إلى طبقات الشعب الكادحة فكانت كلمة "الشعبية". وكانت الكلمتان المتبقيتان وهما "لتحرير فلسطين" لتحديد الهدف السياسي الرئيسي لهذا التنظيم السياسي"[3].

لقد تشكلت الجبهة الشعبية نتيجة التحالف على أساس البرنامج التحرري المشترك بين حركة القوميين العرب كمحور مركزي ورئيسي وبين كل من جبهة التحرير الفلسطينية بقيادة أحمد جبريل[4]، وبين منظمتي أبطال العودة والجبهة القومية لتحرير فلسطين (شباب الثأر) المرتبطتين بحركة القوميين العرب.

لقد كان هدف قيادة حركة القوميين العرب من وراء تأسيس الجبهة الشعبية تحقيق الوحدة النضالية بين كافة القوى والفصائل الفلسطينية، إدراكا منها أن طبيعة المعركة وأبعادها والقوى المعادية فيها تحتم تكتيل كل الجهود والصفوف الثورية لشعبنا في نضاله المرير والطويل ضد أعدائه، انطلاقاً من أن النضال من أجل تحرير فلسطين هو نضال من أجل الوحدة العربية والعكس صحيح.

ووجهت الجبهة الشعبية في بيانها نداءاً مفتوحاً إلى كافة القوى والفئات الفلسطينية للالتقاء الوطني الثوري العريض من أجل الوصول إلى وحدة وطنية راسخة بين سائر فصائل العمل الفلسطيني المسلح، وأضافت بأن وحدة كل المناضلين هي المطلب الحقيقي لجماهيرنا.

وفيما بعد أشارت أدبياتها وتصريحات قادتها إلى أنه قبل إعلان الانطلاقة جرت اتصالات أيضا مع حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح من أجل انضمامها للإطار الجبهوي، إلا أنها رفضت ذلك، كما جرت أيضاً اتصالات مع طلائع حرب التحرير الشعبية – الفرع الفلسطيني لحزب البعث، لم تسفر عن اتفاق.

في بيانها الأول الصادر في 11- 12-1967 أوضحت الجبهة الشعبية فلسفتها النضالية وفق المبادئ التالية:

  1. أن اللغة الوحيدة التي يفهمها العدو هي لغة العنف الثوري.
  2.  القتال العنيف ضد العدو وفي كل أرض تطؤها أقدام جنوده هو النهج التاريخي الذي نسير فيه، حتى نصل إلى مرحلة نفتح فيها أوسع جبهة ضد العدو، وتتحول من خلالها الأرض الفلسطينية إلى جحيم يحترق الغزاة بنيرانه.
  3.  المقاومة المسلحة لا يجب أن تقتصر على المناضلين وحدهم، بل لكل إنسان فلسطيني دوره في مقاومة العدو وعلى كل مستوى، فلا تعامل مع العدو بل مقاطعة تامة لكل مؤسساته الاقتصادية أو المدنية أو السياسية التي يحاول خلقها.
  4.  إن المقاومة المسلحة هي الأسلوب الوحيد والفعال والذي لا بد أن تلجا إليه الجماهير الشعبية في تصديها للعدو الصهيوني وكل مصالحه ووجوده.
  5.  إن الجماهير هي مادة المقاومة وقيادتها وأن تعبئة قواها الفاعلة لا يمكن أن تتم إلا من خلال التنظيم الثوري الشعبي.

كما أكدت الشعبية، أن قتال الجماهير الفلسطينية فوق الأراضي المحتلة هو جزء من مسيرة الثورة العربية ضد الإمبريالية العالمية وقواها العميلة في وطننا العربي، مما يستوجب ارتباطا عضويا بين كفاح شعبنا الفلسطيني وكفاح جماهير الشعب العربي في مواجهتها نفس الخطر ونفس الخصم ونفس المخططات، وأضافت بأن العمل الفلسطيني المسلح يحدد موقفه عربيا مع من يقف إلى جانب نضاله ضد من يعاديه، وأن كفاح الشعب الفلسطيني مرتبط عضويا مع كفاح قوى الثورة في الوطن العربي، ويتطلب تمتين التحالف مع كافة قوى الثورة والتقدم في العالم، وقالت إن الهزيمة العسكرية التي لحقت بالجيوش العربية في حزيران 1967 كانت بداية مرحلة جديدة من العمل الثوري تباشر فيه الجماهير دورها القيادي والمسؤول في مقارعة قوى الإمبريالية والصهيونية بالسلاح الذي أثبت التاريخ أنه أفضل سلاح في مواجهة كافة أشكال العدوان الاستعماري... سلاح العنف الثوري في مجابهة العنف الاستعماري.

بداية العمل الفدائي ضد الاحتلال :

قامت قيادة الجبهة الشعبية بتأسيس عدد من القواعد العسكرية في الأردن، خاصة في منطقة الأغوار، الكرامة والكريمة وفي أحراش جرش وعجلون والجولان، وقد ضمت هذه القواعد مئات من المناضلين معظمهم من أبناء حركة القوميين العرب من أعضاء الجهاز النضالي والأصدقاء المُدَرَّبين عسكرياً في جيش التحرر الفلسطيني وغيرهم من الأعضاء اللذين خضعوا لدورات عسكرية في قواعد الجبهة، إلى جانب خلاياها التنظيمية السرية من أعضاء حركة القوميين العرب في الضفة الغربية وقطاع غزة، الأمر الذي مكَّن الجبهة من القيام بعشرات العمليات[5] الفدائية المسلحة في الداخل، والتسلل عبر نهر الأردن صوب الأراضي المحتلة والاشتباك مع قوات العدو الإسرائيلي في مواجهاتِ أثبت فيها المقاتل الفلسطيني بسالة منقطعة النظير.

فبعد أقل من ثلاثة شهور على هزيمة حزيران قامت الجبهة بإرسال عدد من الكوادر السياسية والعسكرية إلى الضفة الغربية في سبتمبر 1967، من أجل إعادة ترتيب أوضاع الحركة والأوضاع التنظيمية والسياسية والنضالية للجبهة، لكن سرعان ما اُكتشف أمرهم وتم اعتقال العدد الأكبر منهم، ورغم ذلك فقد استطاعت الجبهة أن تعيد تنظيم صفوفها والقيام بعدد من العمليات العسكرية في الضفة الغربية حسب ما ورد في البلاغ العسكري الأول الصادر عنها في كانون أول / ديسمبر 1967، حيث ورد فيه "اشتباك فدائيو الجبهة مع قوات الجيش الإسرائيلي بجوار مستوطنة المزرعة وذلك يوم 6 / 10 / 1967، ثم تلت ذلك عملية أخرى شرقي مدينة جنين في 15/10 اشتبكت من خلالها وحدات الجبهة مع دورية إسرائيلية وقتلت 3 جنود للعدو، وأضاف البلاغ إن الجبهة قامت في يوم 24/10 بهجوم بالأسلحة الرشاشة شمال جسر دامية أفقد العدو 3 سيارات عسكرية و 9 مجنزرات، ثم تتالت العمليات يوم 7 ، و 13/11 ، و 4 ، 11 ، 13 /12/1967 وشملت نسف وتدمير عدد من سيارات العدو وآلياته العسكرية "[6]، وكانت قيادة الحركة قد قررت في أول نوفمبر 1967 إرسال مجموعة عسكرية متقدمة إلى الضفة الغربية، وإنشاء قيادة خلفية في الأردن وسوريا بقيادة الضابط الناصري أحمد زعرور[7] (من الضباط الوطنيين الذين خدموا في الجيش الأردني)، وبالفعل وصلت المجموعة العسكرية المكونة من خمسة ضباط وثلاثون مقاتلاً إلى الضفة في منتصف تشرين الثاني/نوفمبر 1967م، للبدء في إنشاء قواعد مدينية وريفية سرية، مستفيدين من وجود الرفيق أبو علي مصطفى في الضفة الغربية الذي أُرسل لتولي قيادة التنظيم السري هناك.

وبمناسبة إعلان انطلاقة الجبهة في 11/12/1967، قررت القيادة العسكرية للجبهة تنفيذ أول عملية بالهجوم على مطار اللد في نفس يوم الانطلاقة، إلا أن مجموعة الهجوم اصطدمت بحقل ألغام أدى إلى اصابة أحد أفرادها وأسره من قبل الجيش الإسرائيلي، وأدى ذلك في الأسبوع التالي إلى اعتقال 56 من أعضاء الجهاز العسكري، وفي نهاية السنة اعتقال 138 من أعضاء الجبهة الشعبية، كما اعتقل آخرون في كانون الثاني/ يناير 1968م.

أما في قطاع غزة، فبعد أسبوع واحد من احتلال القطاع عام 1967م، وخلال فترة السماح للمواطنين بالتجول، بدأت قيادة فرع حركة القوميين العرب في القطاع، بالاتصال بأعضاء الحركة الذين وافق حوالي ثلاثمائة عضو منهم – بروح ثورية عالية – على إعادة تنظيم صفوفهم وانضوائهم في هيئات الحركة الحزبية لممارسة النضال في ظروف ما بعد هزيمة حزيران.

ومنذ نهاية حزيران وأوائل تموز 1967 لم تسفر محاولات قيادة الحركة في تأسيس الجبهة الوطنية رغم الحوارات التي أجرتها مع الرفاق الشيوعيين في قطاع غزة، حيث ظل كل منهما متشبثاً برؤيته ومواقفه، الأمر الذي دفع قيادة الحركة إلى تشكيل "طلائع المقاومة الشعبية" كإطار جبهوي بقيادة حركة القوميين العرب في القطاع، ضم في صفوفه عدد من الوطنيين المستقلين من أبرزهم المرحومان منير الريس وفاروق الحسيني، كما تقرر إعادة ترتيب التنظيم، والبدء بتأسيس الجهاز العسكري، والعمل على ضم عناصر جديدة، وجمع أكبر كمية من الأسلحة، ووقع في أيديهم ختم حاكم غزة، فبدأوا في أول تموز 1967 بإصدار بطاقات هوية مزورة للفدائيين مجموعة 1956 وللضباط والجنود المصريين.

وفي بداية تشرين الأول / أكتوبر 1967م، قررت قيادة الحركة في غزة البدء بعمليات الكفاح المسلح عبر جهازها العسكري الذي تولى مسئوليته العضو القيادي في الحركة النقيب عمر خليل عمر ونائبه النقيب رمضان سليمان داود، وتشكلت نواته آنذاك من 71 عضواً، وفي هذا التاريخ صدر العدد الأول من جريدة (الجماهير)، وقد برز نشاط الجبهة في قطاع غزة -في تلك المرحلة- على أكثر من صعيد، سواء في النضال عبر العمل السياسي والجماهيري والنقابي أو عبر العمل العسكري، فقد التحق في صفوفها مئات من العمال والطلاب وصغار الموظفين والمهنيين والمدرسين والأطباء إلى جانب عدد غير قليل من جنود وضباط جيش التحرير الفلسطيني الذين لم يغادروا القطاع على أثر هزيمة حزيران، بحيث ارتفعت العضوية التنظيمية في تلك المرحلة إلى ما يقرب من ألف عضو استطاعوا تكريس وجود الجبهة ودورها النضالي وشرح أهدافها عبر البيانات والمنشورات السرية، وجريدة "الجماهير". جنباً إلى جنب مع العمل العسكري، حيث قامت الجبهة بزرع الألغام ونصب الكمائن للدوريات العسكرية والهجوم على مقر الحكم العسكري، الأمر الذي اعطى للجبهة تمايزاً خاصاً عبر اتساع عملياتها وكثافتها وبنوعية الأهداف المختارة ببسالة منقطعة النظير في رقعة جغرافية ضيقة.

وفي 24 كانون الثاني / يناير 1968م اعتقل مسئول الجهاز العسكري لطلائع المقاومة الشعبية في القطاع، الذي كان بحوزته قوائم بأسماء الأعضاء، مما أدى إلى اعتقال 67 عضواً من أصل 71 عضو مجموع أعضاء الجهاز العسكري آنذاك.

وهكذا تعرضت مجموعات الجبهة الشعبية في الضفة الغربية، ومجموعات طلائع المقاومة الشعبية التابعة لحركة القوميين العرب في قطاع غزة لضربات عنيفة في الأشهر الأولى من عملها، إلا أنها استطاعت خلال أقل من ثلاثة شهور ترتيب أوضاعها ومواصلة عملياتها الكفاحية المسلحة ضد العدو الإسرائيلي في الضفة وقطاع غزة وفي الأراضي المحتلة 1948 والجولان، إلى جانب العمليات الخارجية، ففي حزيران 1968 قام اثنين من فتيان الجبهة هما رياض أمين جابر وجواد البشيتي بتفجير حقيبة ناسفة في فندق الامبسادور ب القدس بجوار غرفة الحاكم العسكري يوم 22 / حزيران/ 1968، وقد استشهد الأول وجرح الثاني، وفي 23 تموز/ يوليو / 1968 قامت وحدة مؤلفة من ثلاثة أعضاء بخطف طائرة تابعة لشركة "العال" الإسرائيلية من طراز بوينج 707 وإرغامها على التوجه إلى الجزائر، وفي اليوم التالي عقدت الجبهة الشعبية مؤتمراً صحفياً في القاهرة أعلنت فيه أنها قررت توسيع نشاطها في الخارج وملاحقة العدو في كل مكان من أجل ايصال صوت حركة المقاومة الفلسطينية إلى الرأي العام العالمي، "وفي 18 آب حصل ما وصف بأنه أسوأ ما شهدته القدس منذ عشرين عاماً، وذلك عندما قامت مجموعات من فدائيو الجبهة الشعبية بإلقاء سلسلة قنابل في مختلف أنحاء المدينة، وقد بلغ من ضخامة الحدث، أن عرف فيما بعد بـ"ليلة القنابل"، وفي 14 أيلول قامت الخلايا السرية التابعة للجبهة بتفجير 3 شحنات شديدة الانفجار في تل أبيب أكدت وقوع العديد من القتلى والجرحى، وكانت هذه المرة الأولى منذ عشرين عاماً تنجح فيها المقاومة بعمل من هذا النوع في قلب تل أبيب "[8]. وفي 26/12/1968 قام اثنان من مقاتلي الجبهة بمهاجمة طائرة إسرائيلية في مطار أثينا / اليونان بالرصاص والقنابل.

أما بالنسبة للعمليات[9] التي نفذها أبطال الجبهة الشعبية من قواعدها العسكرية في غور الأردن فقد تواصلت منذ فبراير 1968 وساهمت في التصدي لقوات العدو الإسرائيلي التي هاجمت منطقة الكرامة يوم 21/3/1968، فيما أصبح يعرف بمعركة الكرامة حيث كان للجبهة تصورها العسكري الخاص في كيفية المواجهة المكلفة للعدو دون تعريض قوات الثورة للسحق والتصفية، وقد شارك فدائيو الجبهة ببسالة واستشهد منهم في هذه المعركة الرفيق الملازم فهيم أبو غزالة والرفيق فتحي النتشة الذي لم يعثر على جثمانه وجرح عدد من الرفاق من بينهم الرفيق عبد الرحيم ملوح، وبعد هذه المعركة انتشرت القواعد العسكرية في عجلون وديبين والغور الشمالي وجبال السلط، كما انتشرت في الأغوار على طول نهر الأردن إلى جانب قواعد الجبهة في الجولان السورية المحتلة، وفي هذا السياق نشير إلى تنوع العمليات الفدائية التي قامت بها قوات الجبهة الشعبية، وإلى روح التعاون النضالي بينها وبين قوات جيش التحرير الفلسطيني وفدائيو حركة فتح والمنظمات الأخرى عبر العمليات المشتركة. وفي هذا الجانب نشير إلى أن كافة فصائل المقاومة بما في ذلك فتح والجبهة الشعبية، لم تنجح كل محاولاتها في إقامة قواعد ارتكاز أو بؤر ثورية[10]، أو أية قواعد فدائية سرية في أوساط الجماهير في جبال وقرى ومدن ومخيمات الضفة الغربية أو في قطاع غزة على الطريقة الجيفارية أو غيرها من الطرق الثورية، الأمر الذي أدى إلى تركيز كافة الفصائل على إقامة القواعد العسكرية في الخارج (في أغوار الأردن وأحراشه ثم في جنوب لبنان)، حيث أصبح الاعتماد على هذه القواعد الخارجية سمة أساسية من سمات النضال الفلسطيني المسلح، أنتجت بدورها كثيراً من السلبيات التي رافقت مسيرة العمل المسلح في الأردن ولبنان والخارج.

 

 

الهوامش

[1] حكيم الثورة – مصدر سبق ذكره - ص116.

[2] حكيم الثورة – مصدر سبق ذكره - ص117.

[3] حكيم الثورة – مصدر سبق ذكره - ص118.

[4] ضابط فلسطيني (من قرية يازور قرب مدينة يافا) في سلاح المهندسين في الجيش السوري قبل 5 / حزيران / 1967، أسس عام 1964 " جبهة التحرير الفلسطينية".

[5] بلغ مجموع العمليات الفدائية للجبهة عام 1967 (45) عملية موزعة جغرافية كما يلي: (31 في قطاع غزة و 4 في الجولان و 4 في الأغوار و12 في الضفة الغربية والقدس) (المصدر : سجل الخالدين - الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – الجزء الأول – القسم الأول – ص38. انظر أيضاً، غازي خورشيد: دليل حركة المقاومة العربية – م.ت.ف – مركز الابحاث – القاهرة- 1971 – عن رسالة دكتوراه بعنوان: "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (1967-1987) " الباحث: سامي يوسف أحمد – ص243 -257.

[6] محطات أساسية في مسيرة الجبهة الشعبية – اصدار دار الشعلة – بيروت – 1989 – ص48.

[7] انشق عن الجبهة الشعبية القيادة العامة في أول أكتوبر 1969، وأسس "منظمة فلسطين العربية" التي انتهت بالانضمام إلى حركة فتح بعد أحداث أيلول 1970.

[8] محطات أساسية في مسيرة الجبهة الشعبية – اصدار دار الشعلة – بيروت – 1989 – ص49.

[9] بلغ مجموع العمليات العسكرية التي نفذها فدائيو الجبهة عام 1968 "232" عملية موزعة كما يلي: 61 عملية في قطاع غزة و 75 عملية في الجولان و 41 عملية في الضفة الغربية والقدس و 22 عملية المنطقة المحتلة 1948 عدى العمليات الخارجية - المصدر: سجل الخالدين - الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – الجزء الأول – القسم الأول – ص38. انظر أيضاً، غازي خورشيد : دليل حركة المقاومة العربية – م.ت.ف – مركز الابحاث – القاهرة- 1971 – عن رسالة دكتوراه بعنوان: "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (1967-1987) " الباحث: سامي يوسف أحمد – ص243 -257.

[10] في تلك المرحلة تأثرت قيادة الجبهة بنظرية جيفارا عن البؤر الثورية، التي اشترطت إقامة نقاط أو قواعد ارتكاز عسكرية للفدائيين وسط الجماهير في القرى أو المدن، وقد حاولت الجبهة وغيرها من الفصائل تطبيق هذه النظرية في الأراضي المحتلة، وأرسلت فعلاً مئات الكوادر العسكرية، لكنها لم تحقق القدرة على تطبيق تلك النظرية، ويبدو أن هذا العجز يعود إلى تلهف القيادة في الخارج وتسرعها بالقيام بعمليات عسكرية لإثبات وجودها وكسب ثقة الجماهير، بمثل ما يعود إلى غياب الدراسة الموضوعية الشاملة للأوضاع في الضفة والقطاع مما أدى إلى فشل تطبيق هذه النظرية على أرض الواقع، وبالتالي كان من الطبيعي أن تتزايد معسكرات وقواعد العمل الفدائي في الخارج بالصورة والآلية التي عرفناها.