Menu
حضارة

الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين: محطات من المسيرة (2- 8)

غازي الصوراني

الإستراتيجية السياسية والتنظيمية:

في شباط 1969م عقدت الجبهة الشعبية مؤتمرها الثاني الذي أقر وثيقة الإستراتيجية السياسية والتنظيمية التي شكلت محطة هامة في مسيرتها وتطلعها إلى التحول إلى تنظيم ماركسي – لينين ي مقاتل ورسم طموحها وصورتها المستقبلية بشكل عام. وأصدرت مجلة الهدف التي ترأس تحريرها الشهيد الكاتب والروائي غسان كنفاني عضو المكتب السياسي.

إن تأكيد وثائق الجبهة الشعبية الصادرة عن مؤتمرها الوطني الثاني، على تبني الماركسية اللينينية وتحويل الجبهة إلى حزب بروليتاري، جاء في سياق استمرارها في التمسك بمواقفها الوطنية والقومية، بالرغم من أن هذا المؤتمر أسدل الستار على حركة القوميين العرب وأنهى وجودها التنظيمي في الساحة الفلسطينية، حسب ما ورد في تقريره الصادر في شباط 1969، فقد رسم مؤتمر شباط (فبراير) الخط الاستراتيجي التنظيمي الموجه والمرشد لمستقبل العلاقات بين الحركة والجبهة. وهذا الخط هو العمل على انصهار تنظيم الحركة في الساحة الفلسطينية ضمن تنظيم الجبهة والعمل في نفس الوقت على انصهار تنظيم أبطال العودة ضمن تنظيم الجبهة، مع التخطيط والعمل على الارتقاء بالحياة التنظيمية للجبهة إلى مستوى الحياة الحزبية الثورية الملتزمة والمنضبطة والواعية. وعلى هذا الأساس، لا يعود فهمنا للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين هو فهمنا لها لدى تأسيسها – أي جبهة بالمعنى المعروف للجبهات السياسية، فكراً وعلاقات تنظيمية – وإنما يصبح فهمنا للجبهة وتوجهنا في بنائها شيء مختلف.

إن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، من حيث فهمنا لها الآن وتوجهنا في بنائها، هي: الحزب الثوري المستند إلى الإستراتيجية السياسية والإستراتيجية التنظيمية التي اتضحت من خلال هذا التقرير.

وأثناء عملية الانصهار التام هذه بين الحركة والجبهة، فإن الشعار السليم الذي نهتدي به هو: "الحركة في خدمة الجبهة وليس الجبهة في خدمة الحركة".

كما طرحت الإستراتيجية السياسية والتنظيمية الصادرة عن هذا المؤتمر رؤية الجبهة بالنسبة للنضال الفلسطيني، جاء فيها "إن هدف النضال الفلسطيني، هو إقامة دولة وطنية ديمقراطية في فلسطين يعيش فيها العرب واليهود كمواطنين متساويين في الحقوق والواجبات وتشكل جزءاً لا يتجزأ من الوجود الوطني العربي التقدمي، وبذات الوقت تؤكد بأن حركة التحرر الفلسطينية ليست حركة عنصرية عدوانية ضد اليهود، إنها لا تستهدف اليهود وإنما تحطيم دولة إسرائيل ككيان عسكري سياسي اقتصادي قائم على العدوان والتوسع والارتباط العضوي بمصالح الاستعمار في وطننا وإنها ضد الصهيونية كحركة عنصرية عدوانية".

أما عن أهمية الفكر السياسي، فقد أكدت الوثيقة على أن "شرطاً أساسياً من شروط النجاح هو الرؤية الواضحة للأمور،والرؤية الواضحة للعدو والرؤية الواضحة لقوى الثورة. على ضوء هذه الرؤية تتحدد إستراتيجية المعركة،وبدونها يكون العمل الوطني عفوياً ومرتجلاً، لا يلبث أن ينتهي إلى الفشل".

فبالرغم من التضحيات وقوافل الشهداء، ورغم حماسة الجماهير، رغم ذلك كله –كما تضيف الوثيقة- "لم ينتصر شعبنا حتى اليوم، وها هو يعيش في غالبيته في مخيمات الشقاء وتحت نير الاحتلال. إذن، لا يكفي أن نحمل السلاح حتى نطمئن إلى نتيجة المعركة. إن الثورات المسلحة في التاريخ انتهى بعضها إلى النصر ولكن بعضها الآخر انتهى إلى الفشل. لا بد من مواجهة الحقائق بعقلية علمية ثورية صريحة وجريئة. إن ما يقرر النجاح هو الرؤية الواضحة للأمور وللقوى الموضوعية. من هنا تبدو واضحة أهمية الفكر السياسي العلمي الذي يرشد الثورة ويحدد لها إستراتيجيتها. فالفكر السياسي الثوري ليس فكراً مجرداً معلقاً في الهواء، أو مجرد ترف فكري، أو متعة فكرية يتسلى بها المثقفون، وبالتالي نستطيع إذا أردنا أن نتركه جانباً كشيء مجرد أو ترف لا ضرورة له. إنما الفكر الثوري العلمي هو الفكر الواضح الذي تستطيع به الجماهير أن تفهم عدوها، ونقاط ضعفه ونقاط قوته، والقوى التي تسنده وتتحالف معه، وبالمقابل تفهم قواها هي،قوى الثورة، كيف تعبئها وتجندها، وبأي أسلوب وكيف؟ كيف تتغلب على نقاط قوة العدو؟ وكيف تستفيد من نقاط ضعفه؟ ومن خلال أية برامج تنظيمية وتعبوية وسياسية وعسكرية تستطيع أن تتصاعد بقواها حتى تسحق العدو وتحقق الانتصار؟

إن الفكر السياسي الثوري هو الذي يفسر لجماهير شعبنا أسباب فشلها حتى الآن في مواجهة العدو. لماذا فشلت ثورتها المسلحة عام 1936؟ لماذا فشلت محاولاتها قبل 1936؟ ولماذا حصلت هزيمة حزيران 1967؟ وما هي حقيقة التحالف المعادي الذي تخوض ضده معركتها؟ ومن خلال أي تحالف تستطيع أن تجابهه وبأي أسلوب؟ كل ذلك بلغة واضحة تفهمها الجماهير، فما معنى أن نقاتل بدون فكر سياسي؟ معنى ذلك أن نقاتل بشكل مرتجل، وأن نقع في أخطاء دون أن نعي خطورتها وطريقة معالجتها، وأن تتحدد مواقفنا السياسية بشكل عفوي دون وضوح الرؤية، وينتج عن ذلك عادة تعدد في المواقف، وتعدد المواقف معناه تبعثر في القوى، وتشتيت لها،فتكون النتيجة أن تتوزع قوى شعبنا الثورية في أكثر من طريق بدلاً من أن تصب كلها في طريق واحد لتشكل قوة متراصة واحدة.

يتضح إذن أن الرؤية العلمية للمعركة والتخطيط الواعي والمثابر لربحها يستحيلان علينا بمثل هذا التذبذب العاطفي.

لقد جاء الوقت لتفهم جماهيرنا العدو الذي تواجهه على حقيقته لأنه من خلال هذا الفهم تتضح أمامها صورة المعركة، إن هذا العدو يتمثل في أولاً: إسرائيل؛ ثانياً: الحركة الصهيونية العالمية؛ ثالثاً: الامبريالية العالمية؛ رابعاً: الرجعية المتمثلة بالإقطاع والرأسمالية.

من خلال هذه الرؤية الواضحة لمعسكر الخصم تتبلور الرؤية وتتضح هذه الأمور وتنتفي كل نظرة سطحية عن المعركة. إن مثل هذه الرؤية هي التي تحدد مكان المعركة ومداها الزمني وطبيعة القتال فيها. وبعبارة أخرى فإن مثل هذه الرؤية هي التي تحدد:

  1. أهمية النظرية الثورية والفكر السياسي الثوري اللذان يستطيعان أن يعبئا كل قوى الثورة لتستطيع مواجهة العدو والصمود في هذه المواجهة ودحر كل وسائل العدو في إجهاض العمل الثوري وتخريبه.
  2. التنظيم السياسي الحديدي الذي يقود قوى الثورة في معركة مصممة على الانتصار تصميمياً يفوق تصميم العدو على الدفاع عن وجوده ومصالحه حتى النفس الأخير.
  3. طبيعة وحجم التحالفات الثورية التي يجب تجنيدها لمواجهة كل معسكر الخصم .
  4.  أسلوب الكفاح المسلح.

أما على الصعيد الفلسطيني فتضيف الوثيقة "لابد من تحديد قوى الثورة على الصعيد الفلسطيني من وجهة نظر طبقية. إن القول بأن الشعب الفلسطيني بكافة طبقاته هو في نفس الوضع الثوري تجاه اسرائيل، وإن كافة طبقات الشعب الفلسطيني لديها الطاقة الثورية نفسها بحكم وجودها بدون أرض وخارج وطنها هو قول مثالي وغير علمي. إن هذا القول يمكن أن يكون صحيحاً لو كان الشعب الفلسطيني بكامله يعيش نفس هذه الأوضاع، بل يعيش أوضاعاً حياتية متمايزة فإننا لا نستطيع علمياً تجاهل هذه الحقيقة". وبالتالي لا بد من الوقوف أمام هذه الأوضاع المتمايزة وما تفرزه من تباين أو تفاوت في المواقف.    
لذلك كله "فإننا في تحديد قوى الثورة على الصعيد الفلسطيني لا بد من الانطلاق من وجهة نظر طبقية، لأن الفكر اليميني في الساحة الفلسطينية والعربية يحاول أن يلغي أو يميع النظرة الطبقية للأمور، وبالتالي لا بد من دحض كافة محاولاته على هذا الصعيد، إذ أن معارك التحرر الوطني هي أيضاً معارك طبقية، معارك بين الاستعمار والطبقة الإقطاعية والرأسمالية المرتبطة مصالحها مع مصالحه من جهة ثانية. وإذا كنا نعني بقولنا إن معارك التحرر الوطني هي معارك وطنية قومية بمعنى أنها معارك تخوضها الغالبية الساحقة من جماهير الأمة، فهذا صحيح إما أن يكون المقصود من ذلك بأنها تشذ عن قاعدة الصراع الطبقي بين المستغلين (بكسر الغين) والمستغلين (بفتحها) فهذا غير صحيح".

"خلاصة القول إن نظرتنا الطبقية لقوى الثورة الفلسطينية يجب أن تأخذ بعين الاعتبار خصوصية الوضع الطبقي في المجتمعات المتخلفة، وكون معركتنا معركة تحرر وطني، كذلك خصوصية الخطر الصهيوني، ولكن ذلك يعني أن نحدد علمياً طبقات الثورة وأدوارها على ضوء هذه الخصوصيات، ولا يجوز أن يعني إلغاء النظرة الطبقية في تحديد قوى الثورة".

"إن الفكر اليميني هو الذي يحاول إلغاء النظرة الطبقية لدى تحديد قوى الثورة وذلك لكي يتيح البرجوازية إمكانية التسلل مراكز القيادة وإجهاض الثورة عند الحدود التي تفرضها مصالحها، لذلك يجب أن نواجه بكل قوة كافة الأفكار التي تحاول حجب الحقائق الطبقية الموضوعية بستار من الضبابية والغموض. هل يلتحق بالقتال الفعلي اليوم أبناء كافة الطبقات؟ أم أن الغالبية الساحقة من المقاتلين هم من أبناء العمال والفلاحين؟ وإذا كانت غالبية المقاتلين الساحقة من أبناء العمال والفلاحين، فلماذا لا يتطابق الفكر السياسي للثورة الفلسطينية مع الحقائق مع الحقائق الموضوعية الواضحة؟".

أما بالنسبة للموقف من البرجوازية الفلسطينية الكبيرة، فإن الوثيقة تؤكد في تحليلها لهذه الطبقة على أنها "في الأساس برجوازية تجارية ومصرفية تتشابك مصالحها وتترابط مع مصالح الامبريالية التجارية ومصالحها المصرفية. إن أساس ثروة هذه الطبقة ومصدر غناها هو سمسرتها للبضائع الأجنبية ووكالات التأمين والمصارف الأجنبية. وبالتالي فهي في المدى الاستراتيجي ضد الثورة التي تريد القضاء على الامبريالية ووجودها ومصالحها في وطننا.

إن القضاء على الإمبريالية معناه القضاء على ثرواتها، وبما أن معركتنا ضد إسرائيل هي في الوقت نفسه معركة ضد الإمبريالية فإن هذه الطبقة ستقف مع مصالحها، أي مع الامبريالية وضد الثورة".

وعن علاقة النضال الفلسطيني بالحركة التحررية العربية، تطرح الوثيقة السؤال التالي وتجيب عليه "والآن..هل يقف تفكيرنا الاستراتيجي لمعركة تحرير فلسطين عند حدود الشعب الفلسطيني والساحة الفلسطينية؟

 إننا إذا تذكرنا معسكر الخصم وحجمه وطبيعته، ندرك فوراً أن أي تفكير استراتيجي بمعركة التحرير الفلسطينية يجب أن يشمل تعبئة كافة قوى الثورة على الصعيد العربي والعالمي، إذ أننا بمثل هذا الحشد والتعبئة يمكننا فقط توفير القوة القادرة على التصدي لإسرائيل والصهيونية والإمبريالية العالمية والرجعية العربية. أما حصر الثورة الفلسطينية ضمن حدود الشعب الفلسطيني فمعناه الفشل إذا تذكرنا طبيعة التحالف المعادي الذي نواجهه. إن الثورة الفلسطينية، المتلاحمة مع الثورة العربية، والمتحالفة مع الثورة العالمية هي وحدها القادرة على تحقيق الانتصار ". وتستطرد الوثيقة بالقول "إن إستراتيجية معركة التحرير الفلسطينية تتطلب تعبئة وجهود كافة قوى الثورة في البلدان العربية بوجه عام وفي الأقطار العربية المحيطة بإسرائيل بوجه خاص. ومن هنا تأكيد الجبهة الشعبية ترابط القضية الفلسطينية بالقضية العربية، وضرورة التلاحم بين الثورة الفلسطينية والثورة العربية، وبالتالي ضرورة التلاحم بين حركة التحرر الفلسطينية وحركة التحرر العربية".

أما على صعيد التضامن العالمي مع النضال الفلسطيني تؤكد الوثيقة على "أن الامبريالية العالمية في هذه الفترة لها ظروف وأوضاع نميزها عن فترات سابقة، كما أنها تمارس عملية استغلالها للشعوب بأساليب جديدة تتميز عن أساليبها القديمة. وبالمقابل فإن معسكر القوى المعادية للاستعمار هو اليوم من حيث الحجم والقوة في وضع مستوى جديد، يختلف عما كان عليه قبل الحرب العالمية الثانية. وعلى حركات التحرر في العالم أن تدرك الحقائق الدولية الأساسية التي تحكم هذه الفترة من التاريخ. إن حركة التحرر الفلسطينية والعربية لا تتحرك في فراغ. إنها تعيش وتقاتل وسط ظروف عالمية تؤثر عليها وتتفاعل معها، ومن خال ذلك كله يتقرر مصيرها. إن الأرضية الدولية التي تتحرك عليها حركات التحرر الوطني كانت دائماً وستبقى عاملاً أساسياً في تقرير مصير الشعوب. وبالتالي فإن "مثل هذا التحالف الفعال هو الذي يضمن خلق المعسكر الذي نستطيع من خلاله، وتستطيع معنا كافة الشعوب المستعبدة وكافة القوى المعادية للاستعمار أنتخلق القوة القادرة على هزيمة الامبريالية رغم نقاط قوتها في هذه المرحلة ".

"إن صديقنا الأول هو الشعوب المستعبدة التي تعاني استعمار الامبريالية واستغلالها لجهدا وخيراتها، أو التي تعيش نفس الخطر الذي تمثله الولايات المتحدة اليوم في محاولة فرض نفوذها على الشعوب الناهضة".

"هذه هي بشكل عام رؤيتنا الاستراتيجية لتحرير فلسطين. وإن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين تتخذ من هذه الاستراتيجية دليلاً عاماً للعمل. يبقى أن نؤكد على أن صحة أي تحليل نظري رهن بنجاحه على أرض الواقع والممارسة. إن التجربة الثورية نفسها هي التي تعطي الجواب العلمي حول صواب أو خطأ كل تحليل نظري سياسي. وإن أية محاولة تحليلية نظرية لا يمكن أن توفر منذ البداية وبشكل كامل الرؤية الشاملة للأمور. إن العلاقة بين الفكر والعمل الثوري علاقة جدلية. إن الفكر يوجه العمل الثوري الذي يفرزه بدوره نتائج وأوضاع وتفاعلات تعود وتؤثر في الرؤية النظرية للأمور".

"إن الثورة الفلسطينية تتطلب بالضرورة الحزب الثوري الفلسطيني، لا حزب ثوري بدون نظرية ثورية: إن الأساس في بناء الحزب الثوري هو النظرية الثورية التي يلتزمها. بدون هذه النظرية يكون الحزب مجرد تجمع يتحرك على التحكم بالأحداث. إن النظرية الثورية معناها الرؤية الواضحة والنهج العلمي في فهم وتحليل الأحداث والظواهر،وبالتالي القدرة على القيادة".

وتضيف الوثيقة إن "النظرية الثورية التي تطرح كل قضايا الإنسان والعصر بشكل علمي وثوري هي الماركسية. إن الماركسية كسلاح نظري ثوري رهن بكيفية فهمها من ناحية وبصحة تطبيقها على واقع معين ومرحلة معينة من ناحية أخرى، وإن جوهر الماركسية هو النهج الذي تمثله في رؤية الأمور وتحليلها وتحديد اتجاه حركتها. وبالتالي فإن الفهم الثوري لماركسية هو فهمها كدليل للعمل وليس كعقيدة ثابتة جامدة".

ذلك "إن جوهر النظرة الماركسية للمجتمع البشري حركة متصلة، وتغيير متصل، وبالتالي فإن أي تحليل قدمه الماركسية لمرحلة معينة وواقع معين، لا يمكن أن يبقى هو التحليل ذاته لمرحلة أخرى، ولواقع جديد ينشأ باستمرار عن الواقع القديم".

على أن "أخطر ما يواجهنا في التزامنا بالنظرية الماركسية هو فهمها بشكل مثالي ميكانيكي يفقدها قدرتها على تفسير الواقع الحي. إن الفائدة التي نحصل عليها من قراءة وفهم ما كتبه ماركس ولينين هي فائدة محدودة بحدود المعارف التي تطرحها هذه الكتابات. أما الفائدة الحقيقية فهي التي تحصل عندما نمتلك من خلال استيعابنا العميق لهذه الكتابات النهج الذي تطرحه الماركسية- اللينينية في فهم وتفسير ومواجهة قضايا المجتمع والتاريخ والعمل الثوري. إن الماركسية كأداة في التحليل وكدليل للعمل هي السلاح الذي يستهدف من امتلاك النظرية. وعلى هذا الأساس فإن الالتزام بالماركسية- اللينينية لا يقدم ولا يؤخر ما لم ينتج عن هذا الالتزام استعمال هذه النظرية وتطبيقها في فهم الواقع واستخراج إستراتيجية العمل التي تحدد طبيعة المرحلة وطبيعة المعركة وتحديد القوى المتصارعة، ورؤية حركة هذا الصراع، والإحاطة بالظروف الموضوعية التي نتحرك من خلالها".

وفي هذه المرحلة استطاعت الجبهة الشعبية أن تتميز بدورها النضالي على صعيد العمليات الفدائية في الأراضي المحتلة عموماً وفي قطاع غزة خصوصاً، خلال الفترة من عام 1967 حتى منتصف عام 1973 بمعظم العمليات العسكرية، ضد قوات العدو الإسرائيلي إلى درجة أن موسى ديان - وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك – وصف الوضع في قطاع غزة بقوله: "إن الجيش الإسرائيلي يحكمه في النهار.... فدائيو الجبهة الشعبية يحكمونه في الليل".

وإزاء تصميم قيادة الجبهة عموماً، والرفيق الحكيم جورج حبش خصوصاً على التمسك بالمثل العروبي والاحتفاظ بشرعية قومية أوسع، وافقت الجبهة على إقامة حركة قومية جديدة بتوجه يساري ملحوظ، هي حزب العمل الاشتراكي العربي الذي تأسس نهاية عام 1970، حيث تم اختيار هاشم علي محسن، ليشغل منصب الأمين العام للحزب، ولكن لم تتوفر الظروف الذاتية أو الموضوعية لانتشاره ومن ثم قررت الجبهة إنهاء الصيغة التنظيمية لهذا الحزب بعد بضعة أعوام من تأسيسه.

المنطلقات الأساسية للجبهة كما حددتها وثيقة المؤتمر الثاني:

‌أ- تحرير فلسطين، وإقامة الدولة الديمقراطية الاشتراكية على كامل التراب الوطني الفلسطيني ، وعاصمتها القدس (كهدف استراتيجي).

‌ب- تعبئة الجماهير، وتسييسها، وتسليحها.

‌ج- ضرب المؤسسة العسكرية الصهيونية.

‌د- التصدي للمخططات الإمبريالية، والتحالف مع حركة الثورة العربية والعالمية.

استراتيجية المقاومة ومتطلباتها:

‌أ- هناك ترابط عضوي بين النضال السياسي والنضال العسكري.

‌ب- الجماهير الرازحة تحت الاحتلال هي مادة المقاومة ووقودها، وتنظيم هذه الجماهير شرط أساس لتصاعد حركة المقاومة.

‌ج- ضرورة العمل على إفشال مشاريع (الحل السلمي) لأنها مشاريع استسلامية.

‌د- تعزيز العمل من خلال الوحدات السرية العصابية الصغيرة.

منطلقات فكرية وسياسية:

‌أ- الثورة الفلسطينية تتطلب بالضرورة الحزب الثوري الفلسطيني.

‌ب- تسعى الجبهة لإنشاء دولة وطنية ديمقراطية اشتراكية يتساوى فيها العرب واليهود في الحقوق والواجبات.

‌ج- إذا كان مفهوم الوحدة الوطنية يعني إدخال القيادات التقليدية والبرجوازية والرجعية إلى صفوف الثورة بهدف ضربها، فإن ذلك لا يخدم الوحدة الوطنية أو الثورة.

‌د- التحالف الصهيوني الاستعماري يتطلب تحالف قوى الثورة الفلسطينية مع قوى الثورة العربية لصد هجمته أولاً، ولإزالة كيانه ثانياً.

‌ه- تشكل الرأسمالية الكمبرادورية والرجعية العربية عدواً مباشراً وطبيعياً لحركة التحرر العربي، لارتباطها الوثيق والمباشر بالاستعمار.

المراجع:

[1] الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين: الاستراتيجية السياسية والتنظيمية، المؤتمر الثاني، 1969.